فجيعة رحيل المهندس الرائد الركن المظلي

لكل السوريين باستثناء الوحيدين منهم ذكريات مريرة مع الخدمة الالزامية التي فرضها النظام السوري على عموم الشبان، وتأتي هذه القصة كشهادة من احد النشطاء السوريين الذي تعرض للاعتقال 

بسام يوسف

بقلم: بسام يوسف //قصة حقيقية//

في 1987 كنت أؤدي الخدمة الالزامية في الجيش السوري، وتحديدا في كلية التسليح بحلب، ولأنني أكره كل ما يمت بصلة إلى الجيش والعسكر فقد قررنا أنا وصديقي وزميلي في الخدمة الالزامية الشاعر الكردي العظيم ” محمد عفيف الحسيني ” عدم النوم في الكلية العسكرية، لذلك استأجرنا غرفة في “نهاية نزلة الفيض” بحلب .

 

كانت تلك الغرفة ضمن شقة يستأجرها طلاب، وكانت غاية في الطرافة، فهي ولأنها تقع على زاوية مضلعة للبناء فقد أخذت شكلا غريبا لاهو مربع ولاهو مستطيل ولاهو مثلث ولا ..ولا … كانت غرفة صغيرة وفيها خمس جدران، ولها بابان أحدهما يفضي إلى داخل الشقة ومدخلها، والآخر يفضي إلى شرفة ضيقة.
اشترينا أنا وعفيف سريرا مستعملا ما إن يضطجع أحدنا عليه حتى يعلو صريره، أما إن تقلّب هذا المضطجع فوقه فإن “كوكتيلا ” غريبا عجيبا من الأصوات يبدأ ولا ينتهي، واشترينا كرسيا واحدا لكنه كان فارها بحق، كرسي خشبي من ذلك النوع الذي يستعمله المصطافون ويمكن فتحه واغلاقه، ومقعده ومسنده عبارة عن قطعة قماش واحدة متينة وملونة، وأحضرنا من الكلية بطانيتين عسكريتين طويناهما في المنتصف ووضعناهما في زاوية من زوايا الغرفة، وأسمينا السرير غرفة النوم، والكرسي غرفة الضيوف والبطانيات العسكرية غرفة القعدة.
لم نكن نستعمل الغرفة الا للنوم، فنحن نأكل وجبتي الفطور والغداء في الكلية، وبعد الظهر كنا غالبا ما نذهب الى نادي صف الضباط هناك كنا ندلل أنفسنا فنشرب بيرة الشرق ونصية عرق ويدعمنا “كاميران” ( كاميران شب كردي كان يخدم الالزامية بنادي صف الضباط) فيحضر لنا صحن الفستق “دوبل ” والمسبحة “دوبل” وكنا احيانا نشرب ونأكل بالدين فكاميران صديقنا، أما إذا داهمنا الجوع في المساء فلم يكن علينا سوى الذهاب إلى سوق شعبي قريب من شقتنا الفارهة، كنا نشتري بخمس ليرات مسبحة وكم خيارة مخللة ورغيفين وقرص بندورة ويمشي الحال.
في أحد الأيام وبعد أن أنهينا جلستنا في نادي صف الضباط أخبرني عفيف أننا سنضطر للنوم في الكلية، لأن قريبه قادم هو وزوجته من عامودا وسيصلان بالقطار الى حلب ليلا وسينامان تلك الليلة في غرفتنا العظيمة على أن يغادرا صباحا، وهكذا ذهب عفيف الى محطة القطار لاستقبالهما أما أنا فقد ذهبت الى الغرفة لتجهيزها للضيوف.
وصل الضيوف، كان قريب عفيف قد حصل على شهادة الدكتوراه حديثا من إحدى كليات الفنون في موسكو وتم تعيينه في جامعة تشرين وكانت زوجته الروسية برفقته .
استقبلناهما في الغرفة وكي لانبدو متخلفين فقد جلسنا قليلا قبل أن نودعهما متجهين الى قطعتنا العسكرية، وفي تلك الجلسة الصغيرة لفت انتباهي كتابا من القياس الكبير ذو غلاف سميك أبيض فاخر يحمله الدكتور – قريب عفيف – بيده، كان منظر الكتاب مغريا لذلك استأذنت بتصفحه فوافق، كان كتابا مليئا بصور للوحات كلاسيكية عالمية وكانت لغة الكتاب هي الروسية، وعندما أبديت اعجابي بالكتات أخبرني الدكتور أنه موجود بمكتبة الفجر قرب نادي الضباط بحلب فطلبت منه أن يكتب لي اسم الكتاب بالروسية كي أعطيه لصاحب المكتبة عندما أريد شراء الكتاب .
على ورقة صغيرة مزقتها من دفتر مهمل كتب الدكتور الفنان اسم الكتاب بالروسية وكتبت انا بالعربية تحت العنوان “مكتبة الفجر – نادي الضباط “، ووضعت الورقة داخل جيب الفيلد العسكري الذي ارتديته لأننا سنذهب الى الكلية، ثم ودعنا ضيفينا وانطلقنا.
بعد عدة أيام حصلت على إجازة وغادرت الى اللاذقية، وهناك تم اعتقالي.
لا أدري لماذا فكرت يومها وعناصر المخابرات يحيطون بي في البيت أن أرتدي الفيلد العسكري فهو سيتحمل السجن وقسوته، وعند وصولنا الى فرع المخابرات كان من البديهي أنني سأتعرض لتفتيش دقيق ، وهكذا عثروا على الورقة اياها واعتبروها صيدا ثمينا ففيها رموز غير مفهومة ( اعتبرها المحقق شيفرة خطيرة) بالاضافة الى انها تحدد مكانا.
طوال ساعات كان سؤالهم الوحيد المترافق مع تعذيب شديد عن هذه الورقة وأنا أوضح لهم أنها اسم كتاب يتحدث عن لوحات للرسم الكلاسيكي، وأن هذه الاحرف هي لغة روسية، كانوا يسألونني ان كنت اعرف الروسية فأجيب بالنفي فأنا لا أعرف الروسية، فينتقلون للسؤال الثاني اذا من كتب هذه الكلمات الروسية؟؟.
لم أشأ أن أزج اسم قريب عفيف في التحقيق كنت أعرف أنني ما إن أذكر اسمه حتى يذهبون لاعتقاله فورا، وقد يبقى لسنوات حتى لو تأكدوا من صحة ما أقول، لذلك بقيت مصرا على روايتي أن الكتاب رأيته في مكتبة الفجر قرب نادي الضباط وأنني حينها لم أكن أحمل مايكفي لشرائه فكتبت اسمه على ورقة واسم المكتبة كي اشتريه عندما يتوفر ثمنه لدي.
بعد ساعات جاء أحد الضابط العاملين في الفرع وكان ممن درسوا في روسيا وعندما عرضوا الورقة عليه أجابهم أنها عنوان لموضوع متعلق بالفن الكلاسيكي وهكذا اقفل موضوع الورقة اياها.
بعد سنوات وكنت لا أزال في السجن كنت أتصفح جريدة تشرين ( في تلك الفترة كان مسموحا لنا أن نقرأ الصحف السورية الثلاث ) وإذ بصورة الدكتور قريب عفيف في الجريدة ولقاء طويل معه شغل صفحة كاملة، فرحت وأحسست كما لو أنني التقي بشخص أعرفه بعد غياب طويل، لكنني لم أكد أقرأ بضع كلمات حتى صدمت.
كان الفنان الدكتور العظيم – ولأن الوطن حينها كان يعيش فجيعة رحيل المهندس الرائد الركن المظلي الفارس الباسل – قد قرر أن يرسم عملا فنيا ضخما ويهديه الى روح الباسل، لذلك قام برسم ثلاث لوحات ضخمة حملت اسم ثلاثية الحلم أو شيء مثل هذا، وكان اللقاء كله للحديث عن معنى هذه اللوحات وعن الباسل العظيم.


رميت الجريدة جانبا وخرجت لأمشي في ممر الجناح الطويل، ضحكت في نفسي وتمنيت لو أنني أخبرتهم عمن كتب لي اسم ذلك الكتاب بالروسية، ربما كان هذا الفنان العظيم يمشي معي الآن في هذا الممر الطويل، ألم يكن هذا أفضل من أن يتحفنا بهذه الثلاثية العظيمة ؟؟.

تم اخذ المادة من صفحة التواصل الاجتماعية لبسام يوسف

اترك تعليقاً

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code