من سيقتل الأكراد؟

من سيقتل الأكراد؟
Warning: Undefined variable $post in /customers/4/2/e/etccmena.com/httpd.www/wp-content/plugins/facebook-like/facebooklike.php on line 81 Warning: Attempt to read property "ID" on null in /customers/4/2/e/etccmena.com/httpd.www/wp-content/plugins/facebook-like/facebooklike.php on line 81

بقلم عصام خوري

منسق مركز التنمية البيئية والاجتماعية

امام مكتبه الحديدي في بلدة مركدة “شمالي شرق سوريا” وافق الاستاذ جوان على ان يطلعني على العديد من الوثائق التي توضح جذور عدد كبير من العشائر الكوردية السورية، وعندما سألته عن احلامه، اجابني باختصار “احلامي كأحلام كل الكورد، ولكن الاحلام لا تتحقق لانها جميلة، علينا ان نكون واقعيين لا يمكن للكورد ان يصنعوا دولتهم المستقلة”. مضى على هذه الحادثة اكثر من ثلاث عشر عاما، شهدت فيها انتفاضة ملعب القامشلي عام 2004 التي تحولت لحرب بين العشائر العربية والكوردية، وقد ساند النظام السوري حينها العشائر العربية وهذا امر افرح الاتراك شركاء النظام السوري الاقتصاديين آنذاك.  وحينها تدخلت قوات عسكرية تركية لحماية الابار النفطية السورية من غضب الاكراد الثائرين، وسلمتها لاحقا لقوات الحرس الجمهوري السورية الذين قادوا معركة اخماد انتفاضة القامشلي

ومع اندلاع احداث الثورة السورية عام 2011، ومناصرة اغلب العشائر العربية للثورة ضد النظام السوري، تحول النظام السوري تدريجيا عن دعمه للعشائر العربية، وبدأ بدعم الكورد ليشكلوا فريقا ممانعا لسيطرة العشائر العربية على الجزيرة، وبدأت الشعب الحزبية بتوزيع سلاح فردي لتشكيل لجان دفاع شعبية. عام 2012 فشل النظام السوري باصلاح مؤسساته الامنية والعسكرية فتخلى عنه الاتراك والقطريين وبدؤوا بدعم العشائر العربية ضده، فبادر النظام السوري لتغيير مدرائه الامنيين في الجزيرة السورية، وبدأ بالتواصل مع الاحزاب الكوردية لجعلهم في صفه ضد المعارضة السورية.  الاكراد في حينها فضلوا عدم الانغماس بالنزاع العسكري، وسعوا للاعلاء من قضيتهم سياسيا وتشكل فريقين الاول متعاون مع النظام ويسعى لقيام نظام فدرالي سوري بقيادة انصار “الحزب الديموقراطي“، والفريق الثاني شكل على غرار المعارضة السورية ما يسمى “المجلس الوطني الكوردي وجمع فيه عدد كبير من الاحزاب الكوردية”

https://www.youtube.com/watch?v=Q4Wb48w-u-M

عام 2014 سيطر تنظيم داعش الارهابي على مدينة الرقة واعتبرها عاصمة لدولة الخلافة الاسلامية وبدأ بالتوسع في مناطق الجزيرة السورية، وهاجم عدة قرى وبلدات وبدأ بتطبيق الشريعة الاسلامية، الامر الذي اخاف الاقليات “الكوردية والاشورية والسريانية” فبدؤوا بتاسيس تنظيمات مسلحة لحماية مناطقهم من مقاتلي الدولة الاسلامية. ونتيجة النزاع التاريخي الكبير بين العشائر العربية والاكراد لم ينضم الكثير من ابناء العشائر العربية لهذه القوات، فاصبحت بغالبيتها ذات مكون كوردي. النظام السوري لم يرغب بادارة المعارك ضد تنظيم داعش، فقرر فتح مخازن الاسلحة للاكراد ليؤجج النزاع العربي الكوردي، وبما ان افضل مقاتلي الاكراد هم من السوريين المنضمين لمقاتلي حزب العمال الكوردستاني المقيمين في جبال قنديل، فان هذا التنظيم المتهم بالارهاب من قبل الاتراك كان له نصيب الاسد من الاسلحة، وتحول مقاتليه فجأة من جبال قنديل الوعرة الى سهول الجزيرة الممتدة، وبدأت الماكنة الاعلامية الكوردية بالترويج لمشروع الحلم “الانفصال الكوردي” بينما اكتفى الجانب السياسي لحزب الاتحاد الديموقراطي بالترويج لفكرة “الدولة الفدرالية السورية” وبدأ بتسمية  المناطق الخاضعة لسلطة الاكراد باسم (روج آفا). بهذا الشكل سعى حزب الاتحاد الديموقراطي ومن ورائه حزب العمال الكوردستاني لمحاولة كسب شعبية الاكراد السوريين وتجنيدهم ضمن صفوفه، وخدمه بهذا الامر روح الانضباط الحزبية عند الاكراد

عام 2015 قررت عموم القوى المسلحة السورية المعارضة لتنظيم داعش في مناطق الجزيرة السورية تاسيس ما يسمى “قوات سوريا الديموقراطية” والتي تحولت غلب فيها الوجود الكوردي على كل القوميات والاثنيات الاخرى. طبعا تسابقت القوى الدولية المحاربة للارهاب الى دعم هذا التنظيم الجديد، وكانت البداية من قبل الروس عام 2015، حيث تعززت الشراكة بين الطرفين مع اسقاط الاتراك للطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر/ 2015، وقد بادر الروس لمنع تقدم الاتراك والجيش الحر لقرى عفرين ذات الغالبية الكوردية، بنشرهم لقواتهم العسكرية جنوبي عفرين

ازدادت ثقة حزب الاتحاد الديموقراطي بمشروعه، وبدأ مع شركائه بتاسيس مجلس سياسي لما يسمى “الادارة الذاتية”، وبدأ بنظام تجنيد اجباري، واستملاك لعقارات المهاجرين والمغتربين، وسلم تلك العقارات لانصاره مما اكسبه شعبية اعلى، وسمح الحزب الديموقراطي للمؤسسات الامنية السورية التابعة للنظام السوري باستمرار عملها في المدن والبلدات الخاضعة لسيطرته مثل “القامشلي الحسكة” بغية عدم اشعار النظام السوري انه خصم له

الاميركيين ولعبة المصالح

منطقة الجزيرة السورية هي اغنى مناطق الدولة السورية (الغاز، البترول، القطن، القمح)، وامكانية السيطرة عليها امر سهل لضعف الدولة الامنية فيها بالاضافة لجملة التناقضات القومية والاثنية فيها، كما ان القوى العسكرية فيها “قوات سوريا الديموقراطية” التزمت محاربة تنظيم داعش، مما جعلها مصدر ثقة للاميركيين، فنشر الاميركيين قواعدهم العسكرية فيها لتتجاوز تاعشرين نقطة عسكرية، ومن ابرز القواعد الجوية الاميركية فيها “وفق مانشرته صحيفة حريك التركية عام 2016”

قاعدة تل بيدر: وفيها مهبط للطائرات والحوامات بالقرب من صوامع الحبوب الموجودة في تل بيدر، ويخدم هذا المهبط القاعدة الأمريكية الكبيرة في تل بيدر

تل تمر: وفيها مدرج يستقبل طائرات الشحن العسكرية، وتقع بالقرب من بلدة تل تمر

قاعدة بلدة صرين: وتقع شمالي بلدة الطبقة “الثورة”بحوالي /90/ كم (شمال بلدة صرين) قرب قرى سبت الفوقاني وسبت التحتاني

المالكية: وتقع الى الجنوب الغربي من بلدة المالكية “ديريك” المجاورة للحدود التركية العراقية، وفيها مهبط للطائرات

رميلان: وفيها مطار زراعي قديم تم تطويرة ليصلح لهبوط الطائرات والمروحيات العسكرية

التنف: وتقع في البادية السورية وتدار من قبل الاميركيين والبريطانيين، وفيها خبراء في ممجال الطائرات بلا طيار

 

 وبدأ الاميركيين بدعم “قوات سوريا الديموقراطية” واصبح ذراعه الاولى لتحقيق غرضين رئيسيين

القضاء على تنظيم داعش الارهابي، عبر اسلوبين

أ. قتاله البري وهذا الامر حدث في عدة معارك نذكر منها معارك حقول النفط في دير الزور وجبسة وعين عيسى.

ب. طرد التنظيم من مدينة الرقة عبر صفقة نقل من خلالها 4 آلاف مقاتل من داعش نحو ريف دير الزور “وتم نشر تفاصيل هذه العملية من قبل وكالة الانباء البريطانية بي بي سي”، ومع ذلك تم تدمير مدينة الرقة من قبل قوات سوريا لديموقراطية بحجة وجود بعض لخلايا الارهابية فيها وانتشار الالغام بين البيوت.

الاحتضان الاميركي لقوات سوريا الديموقراطية، رسم نوع من التفاهمات العسكرية بين روسيا واميركا مفاده عدم تقدم روسيا والقوات التي تدعمها (مليشيا حزب الله، النظام السوري، المليشيات الشيعية والعراقية والافغانية، قوات الحرس الثوري الايراني) الى شرقي نهر الفرات، واعتبار تلك المنطقة منطقة نفوذ اميركية. هذا الامر ترجمته قوات سوريا الديموقراطية باعلانها تهديد صريح للنظام السوري في شباط 2017 باستهدافه ان قررت قواته تجاوز شرق الفرات. وفي 8 شباط 2018 عندما تجاوزت مجموعة من مقاتلي النظام وحلفائها شرق الفرات قام الاميركيين بقصفهم مما ادى لمقتل ما يزيد عن 200 عنصر منهم مقاتلين من شركات خاصة روسية. الامر الذي دفع وزير الخارجية الروسية للتصريح يوم 10 شباط 2018 عن مساعي اميركا الى تقسيم سوريا وبقاء قواتها العسكرية بصيغة غير شرعية، في اشارة منه الى ان الشرعية الوحيدة تأتي من حكومة النظام السوري المتمركز في دمشق.

ساحة الرقة بعد تحريرها من تنظيم داعش

 

عفرين وغصن الزيتون

بدأ الاتراك في 22كانون الثاني 2018 ومعهم مجموعة من مقاتلي الجيش الحر هجوما على القوى الكوردية في منطقة عفرين شمال سوريا، واتى هذا الهجوم بعد توافق روسي-تركي في مؤتمر الاستانة المنعقد في 20 كانون الثاني 2018، وكانت من اولى مخرجاته موافقة تركيا على نشر نقاط مراقبة عسكرية لها “قوات فض نزاع” في ادلب، وتاسيسها لجيش حر جديد في ادلب يتصدى لتنظيم النصرة الارهابي. وبطبيعة الحال هذا الامر يستوجب مكافئة للاتراك من قبل الروس ولعل اولى المكافئات كانت تغاضي موسكو عن معركة “غصن الزيتون” مما جعل الاكراد بموقف صعب، خاصة وان واشنطن لا ترغب بان تقحم نفسها بهذه المعركة فمنطقة عفرين منطقة غير غنية اقتصاديا كما انها مطوقة بمنطقة نفوذ تركية، فالى جوارها من الشمال الشرقي مناطق سورية تخضع لسلطة الاتراك وتدار من قبل ما يسمى “قوات درع الفرات” المعارضة لنظام الاسد، والى غربها محافظة ادلب التي تعد منطقة نفوذ للاتراك والقوى المدعومة منها بالاضافة لتنظيم النصرة المرتبط بتنظيم القاعدة الارهابي.

حاول الاميركيين ثني الاتراك دبلوماسيا عن معركة “غصن الزيتون” الا ان الاتراك كانوا حاسمين، فللاتراك فرصة نادرة لتصفية مقاتلي حزب العمال الكوردستاني وانصارهم، نتيجة للنقاط التالية

 قسم كبير من مقاتلي جبل قنديل (حزب العمال الكوردستاني) هم مدافعين عن مدينة عفرين، وهؤلاء هم الخصوم الحقيقين للاتراك

 للاتراك في هذه المعركة قوات برية عربية، مما يقلل من خسائرهم البشرية، واعتمادهم الرئيسي في معاركهم على القصف الجوي والمدفعي

vc

تحولت معركة عفرين “غصن الزيتون” نتيجة تحصينات الاكراد وتوقعهم لهذه المعركة قبل عدة اشهر الى معركة عصابات تنتشر في القرى مما جعل نتائجها غير سريعة، وبدأت الخلايا السرية لحزب العمال الكوردستاني بتنفيذ عمليات امنية ضد الاتراك في عدة مناطق داخل تركيا لمحاولة احراج حكومة انقرة، الا ان انقرة كانت حاسمة في عملها العسكري وبادرت بخطوة اعلامية الى تغيير اسم الشارع التي تقيم فيه السفارة الاميركية الى اسم “غصن الزيتون” في اشارة منها للاميركيين مفادها (اما ستتوقفي عن دعم قوات سوريا الديموقراطية، او لن نتحالف معك) وبتصريح غريب من وزير الخارجية التركية مولود تشاووش  يوم 12 شباط (دعم اميركا لوحدات حماية الشعب الكوردية يضر بالعلاقة بين البلدين، وفي حال لم تقم اميركا بما يلزم فسندخل مدينة منبج وغرب الفرات)

يوم 17 شبط 2018 تلاقى وزير الخارجية التركي مع وزير الخارجية الاميركي “ريكس تليرسون” واتفقا على وضع اليات لانسحاب قوات حماية الشعب الكوردية “قوات سوريا الديموقراطية” من مدينة منبج في منتصف شهر آذار القادم. كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة لحل الخلافات بين الدولتين.

تداعيات التفاهم الاميركي-التركي

الروس ادركوا امكانية تعاون واشنطن من جديد مع تركيا، وكون كلا البلدين في حلف الناتو، فهذا سيعني تبادل مسرحي للمصالح بينهما، وهذا يعني خسارة لنفوذ روسيا في منطقة عفرين، وبالتالي سيطرة حلف شمال الاطلسي على كل الشمال السوري. من هنا قرر الروس دفع دمشق لمحاولة مصالحة الاكراد، عبر اقتراحهم بنشر قواتهم العسكرية في مناطق عفرين على ان تنضم قوات حماية الشعب الكوردية للجيش السوري وتسلم المقار الامنية والعسكرية للجيش السوري من المدينة، وبدورها قوات الاسد ستسعى لنشر منظومة دفاع جوي تمنع الاتراك من قصف عفرين جوا

وبالفعل بدأت الصحف المقربة من النظام مثل صحيفة الوطن السورية بنشر مقال يوضح عودة عفرين الى حضن الوطن السوري وتحالف اهلها الاكراد مع جيش النظام السوري لدحر المحتلين الاتراك. وبدورها الدوريات الالكترونية الموالية للاحزاب الكوردية نشرت اشاعات عن اتفاق تعاون بين الجيش السوري ووحدات حماية الشعب الكوردية مفادها دخول قوات الجيش السوري الى عفرين ومساعدة اهلها على رد العدوان ونشر بطاريات دفاع جوي ضد الطيران التركي، وبدورها قوات حماية الشعب الكوردية ستسمح لجيش النظام السوري بتحرير المناطق الحدودية الخارجة عن سلطة الجيش السوري في اشاره منها لمنطقة المثلث (جرابلس-الباب- عزاز) وهي منطقة تحت النفوذ التركي.

ويذكر بان القوات الروسية المتمركزة في محيط عفرين قد انسحبت نهاية عام 2017، واقترحت على وحدات حماية الشعب الكوردية تسليم المدينة الى الجيش السوري آنذاك، الا ان الوحدات رفضت هذا الامر  في ظن منها ان الاميركيين سيدافعوا عنهم ويمنعوا عنهم الاتراك، الا ان ما حدث كان مخالفا لتوقعاتهم، فاضطر الاكراد للتصالح مع النظام في عفرين، وبهذا الشكل تكون روسيا قد ساهمت بتحقيق الاهداف التالية

 تقديم ضمانة للاتراك بان منطقة عفرين ستكون منطقة منزوعة من الارهابين الاكراد الذين يعملون ضدها

قدمت مساحة جغرافية كبيرة للنظام بدون معارك مع الاكراد، وهذا يفرح النظام السوري اعلاميا

  قتلت عددا كبيرا من المليشيات الاسلامية “جيش حر” وعددا من مقاتلي “حزب العمال الكوردستاني” وهذا بطبيعة الحال يساعد شريكها الرئيسي النظام السوري

تحقيق صفعة تحرج الاميركيين امام شركائهم الاكراد

 في حال انتصار الاتراك على الاكراد، فان هذا الانتصار سيسجل امام المعارضة السورية على انه انتصار تركي ضد النظام وهذا سيعزز من موقف تركيا امام المعارضة السورية حتى وان كان اغلب القتلى في معركة غصن الزيتون من شبان فصائل المعارضة السورية المسلحة

البراغماتية الاميركية

تعقيدات الملف الكوردي وخطورته على توافقات واشنطن الاقليمية، دفعت واشنطن في الفترة الراهنة لمحاولة مساعدة القوى السورية شرق الفرات لمحاولة بلورة شكل دولة مصغر يكون فيه توازن بين العشائر العربية والاحزاب الكوردية والاقليات الاخرى، ورغم صعوبة هذا الامر في ظل الخلافات الدائمة بين المكونات الاثنية والعرقية شرقي الفرات، الا انه امر ممكن في ظل هيمنة عسكرية اميركية وتخوفات دائمة باحتمال ظهور مخاطر عسكرية تهدد حياة المدنيين شرق الفرات مثل “داعش، النظام السوري، الاتراك”. ومن زاوية اخرى لا يمكن للاكراد “القوة السياسية والعسكرية الاكثر تنظيما في شرق الفرات” ان يتمردوا على باقي المكونات الاخرى في الجزيرة السورية، لان ذلك سيجلب عليهم عدم رضى واشنطن التي ترغب ببناء دول تقبل التنوع وتراعي الحكم الرشيد وحقوق الانسان، وهذه الامور ليست شعارات ترضي الاميركين وحسب، بل هي شعارات ستكون مقبولة للقوى الاقليمية في المنطقة لتبرير العلاقة الاميركية مع الاكراد

ايضا الاكراد يدركون انهم بلا واشنطن سيكونون لقمة سائغة للحركات المتطرفة والمخابرات السورية. فعليا الاكراد شرقي الفرات ليس لهم سند اقليمي، وقد ادركوا بعد فشل تجربة استقلال كورستان العراق عام 2017، انه لا مجال لهم ان يبالغوا بطموحاتهم، فالمجتمع الدولي غير جاد في طرح “حق تقرير مصير الشعب الكوردي” وبعد فشل الانقلاب على حكومة اردوغان في يوليو/تموز 2016، ازدادت القبضة الامنية التركية على مؤسسات الدولة، وازدادت هيمنة حزب العدالة والتنمية على عموم موسسات الدولة بما فيها مؤسسة الجيش، وهذا بالتاكيد يعني استحالة لظهور حركات تمرد كوردية قوية داخل تركيا كما كان يحدث في السنوات الماضية

اما بالنسبة لمنطقة عفرين “غرب الفرات”، فهي  منطقة غير هامة لواشنطن، لذا القتال فيها امر لن يعني الاميركيين كثيرا حيث تركيزهم الرئيسي منصب على منطقة شرقي الفرات، والتي قد تصبح مستقبلا منطقة يصرف فيها مال النفط  السوري على مشاريع الاعمار المدارة من قبل الاميركيين والشركات المتعاقدة معهم

التحالف التركي-السوري الغير معلن

رغم التصريحات العدائية بين دمشق وانقرة، الا ان كلا الطرفين يكنان العداء للاكراد، فالاكراد تخلوا عن النظام السوري وباتوا جنديا متقدما للاميركيين ضد حلفاء دمشق، وعملية اعادتهم للدولة السورية باتت عملية صعبة ان لم تكن مستحيلة بسبب كثافة الانتشار الاميركي شرقي الفرات. الاتراك بدورهم يكرهون النظام السوري ولكنهم بالتاكيد يكرهون حزب العمال الكردستاني اكثر، لذا هددوا النظام السوري بتصفيه مقاتليه ان دخلوا لمؤازرة الاكراد في عفرين، طبعا النظام السوري كان مضطرا لتنفيذ مسرحية دعم الاكراد في عفرين فارسل قسم من مقاتلي الوحدات الشعبية الموالية له من مناطق الزاهرة ونبل بالاضافة لمقاتلين اكراد من منطقة الشيخ مقصود “في حلب” نحو عفرين، ومعهم عدد كبير من الاعلاميين السوريين، ولم يتم نقلهم باليات ثقيلة بل تم نقلهم بعربات رباعية الدفع، وحملت تلك العربات اعلام الدولة السورية. وبدأ اعلام النظام السوري بالترويج انه جاء لتخليص الاكراد من الاحتلال التركي، واللافت للامر ان هذه القوات لم تزود الاكراد بمضادات دفاع جوية كما اشاعت في اعلامها، مما جعل وجودها امرا غير مفيد عسكريا واستثماره الوحيد هو في خدمة النظام السوري اعلاميا

 

تعقيدات المشهد السوري وصولا لعفرين

طيلة سبع سنوات كان هناك نوع من التوازن بين المعارضة والمولاة حول دمشق، وبراي واشنطن هذا التوازن قد يدفع مستقبلا نحو تنشيط الحل السياسي للملف السوري الذي دعت له واشنطن منذ كان السفير الاميركي روبرت فورد في دمشق لكن النظام والمعارضة المسلحة لم تستجيبان للطرح الاميركي وسعيا لمعارك كسر عظم ادت في نهايتها لتدمير المدن السورية وتشريد اكثر من 6 ملايين نسمة لخارج سوريا كلاجئيين

ولكن مع تقدم الاتراك الى عفرين، ودعمهم “لهيئة تحرير سوريا” التي بدأت بمحاربة “هيئة تحرير الشام” بموافقة روسية. طلب الروس من الجيش السوري سحب قواته من ادلب وحماه نحو الغوطة الشرقية، وبدأ حلفاء دمشق في معارك شرسة ضد “جيش الاسلام” المدعوم من قبل السعوديين في الغوطة الشرقية

 شعر الاميركيين ان الاتراك والروس اتفقا على تصفية المعارضة السورية المدعومة من السعودية، ومن ثم سيتم نقل المعارضة المحسوبة على تركيا وقطر في الغوطة “فيلق الشام” بالباصات الخضراء الى ادلب، ليتشكل هناك كنتون سني مدعوم من تركيا وحركة الاخوان المسلمين بموافقة روسية. هذا السيناريو لن يكون مقبولا من السعوديين حلفاء ادارة ترامب، فسيطرة النظام المطلقة على الغوطة ستعطي حزب الله حرية نقل العتاد الحربي من ايران عبر العراق وسوريا نحو الضاحية الجنوبية، وهذا ايضا يتعارض مع سياسية الرئيس ترامب الذي اعلن في اكثر من مناسبة معاداته لايران

لذا بدأ الاميركيين بالضغط على تركيا عبر دفع قوات لواء الشمال المحسوبة على العشائر العربية السورية والتي تحمل علم المعارضة السورية بان تعلن بحفل عسكري ضخم يوم 6 آذار في الرقة عن رغبتها بمناصرة عفرين عسكريا ضد النظام التركي

فعليا ان جاءت قوات سوريا الديموقراطية من الرقة ودير الزور لمؤازرة اهالي عفرين فهذا يعني انهم سيطردون قوات النظام السوري واعلامهم من عفرين، وعلى الارجح قد يقتلونهم ويرفعوا علم الثورة السورية.  وهنا قد يلجأ الاميركيين لتسويات مع الاتراك اولها ضرورة ان تتخلى تركيا عن روسيا، وفي حال تم هذا الامر فان الاميركيين عبر الاتراك سيوسعوا مناطق نفوذهم حتى تخوم اللاذقية، ليحرجوا الروس. وبدورها واشنطن ستسعى مع الاتراك لخلق نوع من النظام الاداري المشترك بين الاكراد والعرب يمنع مهاجمة تركيا ويشغل الاكراد بمعارك على المحور الجنوبي اي ضد النظام وضد تنظيم النصرة

واقع الاكراد الحقيقي

واقع الاكراد حاليا هو واقع  مشرذم بين (العراق، ايران، سوريا، تركيا) ولا يمكن لكورد العراق وسوريا التوحد، لان الكورد في كل من البلدين يعانون اساسا من خلافاتهم الداخلية، وهذه الخلافات لن تحل الا ان استطاع كورد تركيا بعددهم الضخم تحقيق دولتهم المستقلة الكبيرة التي قد تجمع تحت انائها كورد العراق وسوريا وليس العكس

وما يحدث اليوم في منطقة عفرين والمناطق المجاورة لقوات سوريا الديموقراطية شمالي دير الزور، هي معارك استنزاف للشباب الكوردي، الذي لا يملك خيار آخر، فالجميع يرغب بقتله، والجميع ايضا يتاجر بحلمه، والجميع يجيشه في حروب تخدم التوازنات الدولية في واحدة من اخطر مناطق العالم

 

التجارب التاريخية لاستقلال الاكراد

 استفتاء كوردستان 2017: تم عبر الاستفتاء من قبل حكومة اقليم اربيل على يد رئيس اقليم كوردستان العراق مسعود البرزاني، ونجح الاستفتاء باغلبية مطلقة تطالب بالاستقلال، وظن الاكراد ان واشنطن ستساعدهم بان يستحوذوا على مدينة كركوك ذات النفط الكبير، الا ان القوات العراقية ومليشيا الحشد الشعبي داهمت كركوك وطردت قوات البشمركة، وسيطرت الحكومة الاتحادية العراقية على مطارات اقليم كوردستان والمعابر الحدودية، لتنتهي تجربة الاستفتاء والاستقلال الى مجرد مغامرة غير مدعومة من المجتمع الدولي وحتى كانت مرفوضة من قبل حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني المنافس الاهم للحزب الديموقراطي الكوردستاني الذي يراسه مسعود البرزاني.

 مملكة كردستان :أقيمت بمدينة السليمانية في كردستان وريفها عام 1922 بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، ودامت سنتين حتى تحركت القوات العراقية بدعم جوي وبري بريطاني وسيطرت على السليمانية وأنهت سيطرة البرزنجي.

 كردستان الحمراء: وتشكلت على يد الأذريون الأكراد والتي امتدت لست سنوات من 1923 إلى 1929 في ناغورنو كاراباخ، وهي منطقة هامة تقع بين أرمينيا وأذربيجان، ثم مالبث وان انهارت.

 جمهورية آرارات: خاض الأكراد سلسلة من الموجهات مع تركيا بدأت بثورة في مناطق جبال آرارات باسم “ثورة آغري” عام 1930، بقيادة إحسان نوري باشا (1896-1976) الذي أعلن ثورة عارمة في وجه الدولة التركية، وأعلن مناطق جبال آرارات دولة كردية مستقلة، ليبدأ مع الدولة التركية حربا شاملة انتهت بسقوط هذه الجمهورية.

 جمهورية مهاباد: تم اعلان هذه الجمهورية في عام 1947 في مناطق انتشار الاكراد بايران بعد انتهاء الحرب العالمية الثانيةولكنها سقطت سريعا نظرا لغياب الدعم العشائري ومناهضة الإقطاعيين لها.

 جمهورية لاجين: وظهرت في المنطقة الواقعة بين أذربيجان وأرمينا عام 1992 برئاسة وكيل مصطفاييف، ولكن لم يكتب لها النجاح وانهارت بسرعة وهرب مصطفاييف إلى إيطاليا.

CESD

تأسس المركز عام 2003 في سوريا بجهود عدد من الكتاب والباحثين العرب، ثم توسع في نشاطه وعمله يغطي غالبية دول الشرق الاوسط وشمالي افريقيا، وفي عام 2015 بادرت ادارة المركز لاعادة هيكلة فريقها وتاسيس فريق عمل ينشط من نيويورك في الولايات المتحدة لهدف خدمة منطقة الشرق الاوسط وشمالي افريقيا The Center for Environmental and Social Development demonstrates a commitment to social justice through investigative journalism and human rights implementation. We strive to bring democratic change to the Middle East and North Africa. Emerging from a range of fields including philanthropy, political science, law, human rights, and medicine, we embrace collaboration in order to support peaceful and stable democratic movements across the MENA Region. Our efforts contribute to the foundation’s mission of creating a new culture in the region which is mainly based on the values of citizenship, democracy, and coexistence.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *