اتفاقية باريس إلى أين

بقلم: عصام خوري

اتفاقية باريس للمناخ التي أقرت عام ٢٠١٥ هي أوسع اتفاقية من نوعها لحماية المناخ من التلوث، لأنها تهدف إلى تقليل مستوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى مستويات يمكن للأشجار والتربة والمحيطات امتصاصها بشكل طبيعي، وهذا الامر يتطلب خفض نسبة الحرارة الى درجتين مؤتيين، عبر تقليص انبعاث الغازات المدمرة لطبقة الأوزون، والملوثة لطبقات الغلاف الجوي السطحية. وتكن أهمية اتفاقية باريس بسبب المشاركة الدولية الكبيرة فيها، حيث وقع على الاتفاقية 195 دولة من بين أعضاء مجموعة الأمم المتحدة للتغير المناخي البالغ عددهم 197، وقد تغيب عن التوقيع ممثلين عن دولتي سوريا ونيكاراغوا.

طبعا مثلت اتفاقية باريس بارقة أمل لكل العاملين في قطاع البيئة، ومناصري الطبيعة من منظمات مدنية، وناشطي حقوق إنسان، ولكن ومع وصول الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض عام 2017 أعلن عن رغبته بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، نتيجة غياب قناعته بجدوى هذه الاتفاقية بظل وجود انبعاثات غير مراقبة من دول منافسة لاقتصاديات الولايات المتحدة، من أبرز تلك الدول هي جمهورية الصين الشعبية.

سبب هذا الإعلان شكاوى من دول عدة على هذا الاتفاق، مثل تركيا، كون الاقتصاد التركي غير جاهز لتنظيم تحويل معامله نحو الطاقة النظيفة، في حين لاقى اعلان ترامب انتقادا عن عدة دول تنشط فيها أحزاب الخضر المناصرة للبيئة مثل ألمانيا.

يوم ٤ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٠، صدق الرئيس دونالد ترامب على انسحاب الولايات المتحدة رسميا من اتفاقية باريس للمناخ، أي جاء هذا الانسحاب مع انطلاق السباق الانتخابي بين ترامب والمرشح الديموقراطي جون بايدن.

وفعليا كان الرئيس ترامب يستثمر في إعلانه هذا ليكسب أصوات مؤيديه العاملين في حقول الفحم الصخري، هذه الحقول التي يجب أن تغلق بسبب اتفاقية باريس لكونها من أكثر مصادر الطاقة تلويثا للبيئة، وفعليا خسارة الولايات المتحدة للاستثمار في هذه المناجم، سينجم عنها خسارة الاميركيين لعدد كبير من الوظائف، وهذا أمر يتناقض وسياسية الرئيس ترامب الذي أعلن منذ خطاب القسم يوم ٢٠ كانون الثاني عام ٢٠١٧، أنه يسعى لتركيز فرص العمل للأميركيين وعدم حرمانهم من استثمارات بلدهم وشركاتهم التي تستثمر في مشاريع عدة من وراء البحار.

لاقى انسحاب واشنطن الرسمي من الاتفاقية انتقادا من عدة شركات أميركية ضخمة مثل تيسلا، جنرال الكتريك، فيسبوك، غولدمان ساكس، ووالت ديزن، ويرى المنتقدون لهذا القرار أن سمعة الولايات المتحدة الأميركية ستتضرر دوليا أمام الالتزامات الإنسانية العالمية، وستحجم من مساعي الشركات الأميركية للبحث عن الابتكار في إيجاد مصادر أنقى للطاقة.

وفعليا تنتج الولايات المتحدة عبر معاملها والسيارات المنتشرة في أراضيها ١٥٪ من مجموع الغازات المضرة بالبيئة، ولكن بالمقابل في الولايات المتحدة مساحات خضراء واسعة تغطي حجم التلوث الناجم من هذا البلد وفق رأي العديد من الخبراء، ولكن المشكل الرئيسية تكمن في دول عديدة لا تمتلك في تخطيطها العمراني مساحات خضراء، مما يجعلها دول ملوثة للبيئة بدون أن تقدم أي بديل مساعد للبيئة، وإجمالا كل الدول العربية هي دول مصدرة للتلوث، بسبب:

  1. غياب وجود السياسات الحضرية تنظيم الحدائق، وموازنة عدد السكان مقابل المساحات الخضراء داخل المدن.
  2. غياب الرقابة على الانتهاكات البيئة.
  3. الحروب، وانعكاساتها على أولويات السكان.
  4. غياب التخطيط طويل الأمد لدى الحكومات.
  5. الفساد.
  6. النظم العسكرية التي لا يقدر قادتها أهمية الجمال.
  7. غياب التعليم بضرورة الحفاظ البيئي في المدارس والجامعات.
  8. ضعف مستوى الكوادر الإدارية في وزارات البيئية.
  9. غياب الرقابة والمساءلة.

  بدائل الطاقة في إقليم المينا:

يشكل الوقود الأحفوري المصدر الرئيسي لنحو 85 في المئة من إنتاج الطاقة في العالم، ويسعى نشطاء البيئة والمنظمات العاملين فيها لحث الحكومات على إيجاد بدائل لهذه الطاقة الملوثة للبيئة عبر الاعتماد على طاقة الرياح، والشمس، والمياه. وتنتج الشرق الأوسط وشمالي افريقيا عبر الدول التالية (المملكة العربية السعودية، دولة الامارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، العراق، قطر، عمان، اليمن، سوريا، مصر، السودان، ليبيا، الجزائر) القسم الأكبر من الإنتاج العالمي، وتعتمد اقتصاديات الدول سالفة الذكر بشكل رئيسي على النفط في اجمالي دخل بلدانها القومي، مما يجعل تخليها عن هذا الاستثمار أمر مكلف جدا، ولكن ان نظرنا لهذه الدول بعيدا عن النفط سنرى أنها دول غنية جدا بالطاقة الشمسية، حيث هناك إمكانية لإنتاج طاقة بقوة 5.6 كيلو وات/الساعة في مناطق (غرب وسمالي المملكة العربية السعودية وصولا لسوريا، المناطق الغير مشرفة على الساحل البحر المتوسط في مصر، وليبيا وصولا لشرق الجزائر، قسم كبير من المغرب العربي وموريتانيا)

أما باقي الدول العربية فهي قادرة عبر الشمس وحدها على انتاج طاقة مقدرها 5.2 كيلو وات/ساعة. وهذه الأرقام قد تجعل العالم العربي واحدة من أكثر بلدان العالم قدرة على انتاج الطاقة النظيفة من الشمس، على عكس دول مثل الاتحاد الأوروبي، وكندا، وبريطانيا التي ستعتمد على المياه بدرجة أولى في استثمارات الطاقة النظيفة، وبدرجة ثانية على الرياح، وهذا سيسمح لدول الشرق الأوسط وشمالي افريقيا أمكانية بيع طاقتها النظيفة لدول أوروبا وجمهوريات روسيا الاتحادية، إن عمم هذا المشروع في العالم أجمع.

بعض الدول رسمت سياساتها في تحصيل الطاقة عبر الاعتماد على المفاعلات النووية لتوفير الطاقة، وفعليا انتاج الطاقة عبر النووي، هو أمر منتشر في الدول العظمى، وفعليا لدى تلك الدول الإمكانيات اللازمة لتوفير الصيانة الدورية والرقابة على أليات العمل، ولكن هذا الامر خطير في دول العالم الثالث، لان حكومات تلك الشعوب مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هي جمهوريات لا تؤمن الا بثقافة التوسع والحروب، وهذا قد يجعلها في ليلة وضحاها تحول مشاريعها النووية السلمية الى مشاريع تسلح نووية، وهذا يعني خطرا دوليا واقليما فالسلاح لدى الجاهل نقمة.

من هنا على الدول الغنية قبل الفقيرة أن تتخلى عن مشاريعها لاستخدام الطاقة الغير نظيفة، وأن تكون قدوة لحكومات العالم الثالث، وبدورها على حكومات العالم الثالث التي تمتلك موارد مثل دول الخليج العربي، أن تخصص قسم من مداخيلها القومية نحو تطوير العمل والاستثمار في الطاقة النظيفة، فالوقود الاحفوري له عمر افتراضي، وبعده عدة عقود سينتهي، والبديل له سيكون طاقة الشمس، لذا على الشركات العربية المباشرة من الان في الاستثمار بهذا القطاع، وعدم انتظار الشركات المتعددة الجنسية لتغزو هذا القطاع في إقليم المينا كما فعلوا في النفط والغاز عبر عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 3 + 6 ؟
Please leave these two fields as-is: