مركز التنمية البيئية والإجتماعية

منظمة غير ربحية لخدمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

آراء ومقالات المقالات والأخبار

الإملاء في سوريا

بقلم: د.هيفاء بيطار

في المرات العديدة التي استدعيت فيها إلى مُختلف فروع الأمن في اللاذقية بسبب مقالاتي أو بسبب لقائي مع شخصيات معينة ، كان الاستدعاء مترافقا مع منع من السفر ، فحين دُعيت إلى المؤتمر العام للكتابة في أميركا عام 2010 وكان قد إتصل بي وقتها مدير المركز الثقافي الأميركي في دمشق الأستاذ القدير والصديق عبد الرؤوف عدوان وأخبرني أنه قد تم إختياري للمشاركة في المؤتمر العام للكتابة في جامعة أيوا في أميركا التي دأبت على دعوة حوالي ثلاثين كاتباً من كل أنحاء العالم بشكل دوري و طلب مني  أن أهتم بلغتي الإنكليزية وارفع مستواها الأمر الذي دفعني للدراسة مدة ثمانية أشهر في القنصلية البريطانية باللاذقية، وأزعم أنني حققت لاحقا تقدما كبيراً في اللغة الإنكليزية . 

بعد عدة أشهر إتصل بي الأستاذ عبد الرؤوف عدوان وقال لي: أن موظفتين أمريكيتين من المركز الثقافي الأميريكي في دمشق ستزوران اللاذقية وتلتقيان معي ، وفعلاً اتصلت بي لاحقا سيدة راقية جداً تجاوزت عقدها السادس ومعها شابة أميريكية في العقد الثالث ، والتقينا في الكازينو ( الذي أسموه نادي النقابات المهنية ) وقدمتا لي هدية عبارة عن كتاب بعنوان  أهم مئة قصة قصيرة من الأدب الأميركي المعاصر ، قد دعوتهما إلى الغداء لكنهما اعتذرتا ، ودام لقائي معهما من الساعة 9 صباحاً إلى الساعة 9 ونصف حيث عرضت عليهما زيارة القنصلية البريطانية واللقاء بالقنصل الراقي المثقف بسام الباني وعلى أستاذي في اللغة الإنكليزي وكان اسمه جون . وفي الواحدة بعد منتصف الليل وكنت نائمة إتصل بي شخص قال أنه من أمن الدولة وبأنه يتوجب علي مراجعة الفرع صباح الغد وحين سألته : خير ما السبب ؟ قال: لا أستطيع أن أقول لك فالهواتف مُراقبة ؟اذكر يومها انني قلت له : ألستم أنتم من يراقبها ! فإنزعج ووجدتني أجمع شجاعتي أو تهوري وأقول له : لن أراجع فرع أمن الدولة و إن أردت سؤالي عن أي معلومة فتفضل إلى عيادتي . وطبعاً قلقت و جفاني النوم بعد إتصاله و شككت أن الصباح سيأتي والشمس ستشرق مجددا ، وفي الموعد المحدد زارني السيد ياسر في عيادتي وبادرني بسؤال يستفسر به  : هل نمت ؟ كان لمعان خبيث في عينيه فهو يعرف أنني لم أنم لكنني قلت له : نمت وبعمق شديد ، وحاول أن يثرثر ويخبرني عن أولاده العباقرة في الدراسة وزوجته فقلت له : ماذا تريد مني ؟ فقال: التقيت بسيدتين أميركيتين البارحة من 9 إلى 9 ونصف ماذا قالوا لك ؟ ماذا يريدون منك ؟

تعجبت من قدرة أجهزة الأمن على معرفة أدق تفاصيل حياتنا فعلاً تستحق الدخول في موسوعة غينيتس للتجسس ، قلت له : تكلمنا بأمور ثقافية فأنا مدعوة للمشاركة في مؤتمر عالمي للكتابة وسأمثل سوريا . فقال : نحن نخشى أنهما كانتا تمرران خططاً ومؤامرات من خلالكم أنتم المثقفين ؟ سبحان الله كل شيء في سوريا مؤامرة ؟ قلت للسيد ياسر: وهل نحن قُصر وسُذج حتى يُمررون من خلالنا مؤامرات ، ولماذا أنتم ( وقصدت أجهزة الأمن ) لا تريدون تمرير مواقف ومؤامرات من خلالنا ؟ وتابعت بالمناسبة هاتان السيدتان الامريكيتان تسكنان في باب توما منذ 4 سنوات وهما موظفتان في المركز الثقافي الأميريكي في دمشق ، فلو كن مشتبه بهن بالفعل ويريدن تمرير مؤامرات من خلال المثقفين السوريين فاطردوهن ، فقال : لا نحن نراقبهن .

 انتهى الحديث بيني وبين السيد ياسر من أمن الدولة بأن وعدني بكل فخر أنه سيرسل أولاده الأربعة وزوجته لأفحص عيونهم مجاناً طبعاً في عيادتي وأكون أنا المُمتنه . في اليوم نفسه كتبت عن تلك الحادثة بالتفصيل وبسخرية واضحة ونشرت مقالي في جريدة الحياة بعنوان ( مُتهم حتى يثبت العكس ) وفكرة المقال أن السوري يشعر طوال الوقت أنه مُتهم بتُهم خُلبية وعليه طول الوقت أن يبقى مذعوراً ومطالباً بتقديم براءة ذمة من أجهزة الأمن ، لأن التهمة تسقط عليه من تقرير كيدي أو من دون أي تقرير . وقد تم إستدعائي لاحقا إلى جهاز أمن الدولة بسبب ذلك المقال وبعد منهاج الإذلال المتعارف عليه في فروع الأمن حيث تنتظر 4 ساعات في غرفة لا أحد فيها سوى أنت وخوفك واقترابك من الإنهيار العصبي يتم إستدعاؤك لمقابلة العقيد أو العميد ( وكنت أشعر بالإختناق وأنا أنتظر في غرفة بائسة فأخرج إلى الرواق وأدخل غرف موظفين محنطين كالصخر أقول مرحبا فلا يردون ولا ينظرون بإتجاهي ) وأسأل برجاء أقرب إلى التوسل : رجاء قولوا لي كم سأنتظر ؟ فلا يرد علي أحد وكأنني شبح . وعند حافة الإنهيار النفسي يستدعيني العميد ويستقبلني بوجه متجهم وأمامه كدسة أوراق هي مقالاتي التي نشرتها في الصحف ويبدأ ( وببطىء شديد ) يقرأ مقالي في جريدة الحياة ( مُتهم حتى يثبت العكس ) ويؤنبني أنني أسيء لوطني وأنشر الغسيل الوسخ ( وقد لاحظت أن كل فروع الأمن تستعمل هذا التعبير نشر الغسيل الوسخ ) كان واقفاً متجهماً وأنا أجلس على صوفا مهترئة وقلت له لم أكتب سوى الحقيقة ، ومن يحب أحداً ينبهه لأخطائه ولأنني أعشق سوريا وإخترت أن أعيش فيها رغم أن كل أسرتي تقيم في باريس فواجبي تجاه وطني يدفعني أن أشير إلى مواطن الخطأ فهذا حب كبير له ، فقال : سوريا في مؤامرة كبيرة وتواجه خيانات كبيرة وإرهاباً ، وكتاباتك هذه مسيئة اكتبي عن الإرهابيين ! قلت له : أساس الكتابة بل أساس الحياة الحرية ، ولا معنى لحياة دون حرية ، وأكتب ما أحس به وما أشهد عليه وبالمناسبة أنا كاتبة عن أوجاع الناس وهم يعيشون في ذعر وفي قمة تدفق شكواهم وآلامهم يقولون : خلونا ساكتين أحسن . لدرجة أصبحت فيه هذه العبارة موحدة لكل السوريين ( خلونا ساكتين أحسن ) غضب المحقق وصرخ : أنت تكتبين في مجلات ومواقع تسيء كثيراً إلى سوريا ، قلت له : وهل أستطيع أن أكتب في جريدة البعث أو الثورة ؟ انتهت المقابلة بأنني ممنوعة من السفر ، وقرع جرس بجانبه فدخل مُجند بحالة يرثى لها من الفقر والبؤس واليأس وقال له : خذها ) يقصد أنا !!! اعتقدت للوهلة الأولى أنه يقصد كرسياً واحتجت لفترة كي أدرك أن عبارة : خذها هي عني ! ومشيت بجانب إبن بلدي البائس الفقير الأشبه بخيال المآته الذي اقتادني إلى غرفة مظلمة ذات رائحة خانقة وأثاث بائس قذر وجلست على صوفا تنبعث منها رائحة روث حيوانات وجلس هو وراء مكتب مهترئ وأعطاني ورقة وقلماً وقال : أكتبي ما سأمليه عليك : وأحسست أنني أعيش في مسرح اللامعقول ووجدتني أتذكر بحدة ذهن عجيبة مسرحيات توفيق الحكيم ( مسرح اللامعقول خاصة : يا طالع الشجرة هات لي معك بقرة تحلب وتسقيني بالملعقة الصيني ) ورغبت بقوة أن أكتب هذه العبارة لكن المحقق العبد البائس أخذ يملي علي : أنا هيفاء بيطار مواليد اللاذقية أتعهد ألا أكتب تحديداً في جريدة الحياة وفي مواقع الكترونية ذكرها موقعاً موقعاً وأيه مخالفة لهذا التعهد سينتج عنها عقوبات قصوى . وتقصفت ركبي من الذعر وتعجبت من هول ذل العيش ف سوريا !!!

 أن ترى كاتباً أو كاتبة يعشق سوريا وأحبته السوريين يجد نفسه في غرفة في فرع أمني مُطلق الصلاحيات يُملى عليه أن يكتب تعهداً ألا يكتب بحرية وألا ينشر الغسيل الوسخ !!! وما الكتابة سوى نشر الغسيل الوسخ . ووجدتني أصحح للمسكين المأمور أخطاء كثيرة نحوية ، كان يُملى علي جرعات القهر والذل وسحق الحرية . أي تشدق بالحرية في سوريا و كتابها أصحاب الضمير والذين ينقلون بنزاهة وجع الناس والامهم  تملى عليهم كتاباتهم وشعب الطابور بإنتظار رغيف خبز وحفنة سكر ، أن يتهمونهم بالخيانة وأن يُشحطوا إلى أجهزة أمن الدولة لتملى عليهم كتابات وتنتزع منهم تعهدات إن لم ينفذوها سيتعرضون لأقسى العقوبات . أيه حرية ومعظم الشعب السوري هج من وطن الموت والخوف ومعظم الكتاب يتوقون للعودة والكتابة بحرية لكن مصيرهم الإعتقال , والشعب العالق على الحدود والذي يريد أن يعود لبيته حتى لو كان مُهدماً عليه أن يدفع مئة دولار . غريب كيف سقطت تهمة الذعر والعقوبة بالسجن عن كل من يلفظ أو يتعاطى بكلمة دولار حتى الناس أسموه الشو أسمو .

 الأن صار اسمه ملعلعاً لأنه يجب على كل سوري دفع 100 دولار على الحدود السورية أي حوالي 300 ألف ليرة سورية حتى يدخل وطنه . الإملاء هو عنوان عيشنا في سوريا . لا يجب أن تتكلم أيها السوري . عليك أن تنتظر الإملاء من أجهزة الأمن المتنوعة التي تقبض عليك من عنقك وتجعلك تعيش أمان الدجاجات في القفص . وغير بعيد عن القفص /الآلة/ التي تشبه الغسالة التي تُرمى فيها الدجاجة لتدور وتدور فاقدة مع كل حركة دوران ريشها و روحها . كما يدور السجين في سجنه كي يتذكر المشي وكي يحلم بمجرد شارع .الإملاء في سوريا.

المصدر: نوات سوريا

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 7 + 2 ؟
Please leave these two fields as-is:
 
تأسس المركز عام 2003 في سوريا بجهود عدد من الكتاب والباحثين العرب، ثم توسع في نشاطه وعمله يغطي غالبية دول الشرق الاوسط وشمالي افريقيا، وفي عام 2015 بادرت ادارة المركز لاعادة هيكلة فريقها وتاسيس فريق عمل ينشط من نيويورك في الولايات المتحدة لهدف خدمة منطقة الشرق الاوسط وشمالي افريقيا The Center for Environmental and Social Development demonstrates a commitment to social justice through investigative journalism and human rights implementation. We strive to bring democratic change to the Middle East and North Africa. Emerging from a range of fields including philanthropy, political science, law, human rights, and medicine, we embrace collaboration in order to support peaceful and stable democratic movements across the MENA Region. Our efforts contribute to the foundation’s mission of creating a new culture in the region which is mainly based on the values of citizenship, democracy, and coexistence.