الحمار المصري والتنين الصيني

المقالات والأخبار ديسمبر 18, 2016 No Comments

بقلم: طارق البرديسي

يحمل الحمار أثقالاً لاعلاقة له بها، فلا يعطيه الإنسان حقه أو أجره، وينال من مكانته وشأنه. وعلى الرغم من ذلك، يتغاضى الحمار عن سلوكيات الإنسان وسخافته، بل إنّه يتناسى وضاعته، عندما يتهمه ناعتاً إياه بالغباء وعدم الإدراك، مع أنّ ذكاءه وفهمه ما يجري ويدور لا يحتاج إلى كبير جهد أو زيف غرور.

ويؤكد العلامة الكبير عبد الرزاق السنهوري باشا (واضع الدساتير والقوانين ورئيس مجلس الدولة والفقية الفذ في شرحه للقانون المدني، وهو الشريعة العامة والأساس لدارسي القانون) إنّ لكلّ التزام التزام مقابل، أي أنّ البائع يلتزم بالتسليم، والمشتري يلتزم بالثمن، فإن تمّ الإخلال بالتسليم تنصّل المشتري من التزامه بالثمن، أي أنّ الحمار يلتزم بحمل الأثقال ونقل الأمتعة، وتجشّم عناء الأسفار في مقابل التزام صاحبه بتقديم ما يلزم الحمار من طعام (برسيم وذرة أوعلّيق أيّا كان نوعه).
لاحظ هنا كرم الحمار وتسامحه وترّفعه عن الصغائر والمجادلة بشأن نوع العليق وكميته وعدم تشبثه بنوعية طعام معينة.
ويأتي صاحب الحمار، فيخل بإلتزامه، فيحمّله بما لا يطيق ويقدّم له القليل من القوت والطعام، بخلاف إهانته وإيذائه البدني والمعنوي، متنصّلاً من قواعد الإلتزام وأحكامه، كما شرحها الشرّاح من رجالات القانون المدني، بالإضافة إلى عبثه وعدم مراعاة قواعد القانون الدولي التي ترعى حقوق وحريات الحمير.
الكل يحمّل الحمار كلّ المسئوليات والتبعات التي لا رجل ولا يد له فيها، حتى أنّ الفنانة الكبيرة شادية تخاطبه، موّجهة له اللوم والعتاب، قائلة في أغنيتها :شي يا حماري… حا يا حماري … صبري عليك من طول مشواري.
أي أنّها تمتطي الحمار وتبوّخه على تحمّلها له، وعلى طول المشوار من باب التنكيت والتبكيت، مع أنه لا ذنب له ولا جريرة.
ومن عجب أنّ أساتذة القانون يقرّرون أنّ القانون المدني هو أب القوانين جميعها، ومن لا يستوعب قواعد مصادر الالتزام وأحكامه، عليه أن يعتلف تبناً لأنّه حمار.
واليوم، يتعرّض الحمار المصري لهجوم صيني شره، نتيجة طلب متزايد عليه من العملاق الأصفر (التنين الصيني)، ذلك أنّ الباحثين اكتشفوا أنّ جلد الحمار غني بمواد ومركبات تدخل في أدوية عديدة لن أتطرّق إلى تفصيلها وأهميتها، حتى لا يغضب الحمار، ويعتقد أنّي أروّج علاجاً وأدوية لا تنتج إلا بعد مرورها على رقبته وحياته وجلده الذي أضحى ثميناً يلهث التنين الصيني وراءه في كل مكان.
تعتمل داخل نفسي مشاعر مختلطة فيها احترام للتنين وشفقة على الحمار، لكن العالم اليوم لا يحترم إلا القوة، لأنّها خالقة الحق ومصدر الشرعية وطريق البقاء وأسلوب التعامل ونهج الحياة ومرآة الواقع، أمّا نهيق الحمير فهو ترهات وضعف وخذلان نتيجته الضياع والخروج من التاريخ أو قُل، إن شئت الدقة، الإنقراض (إنقراض الحمير).

المصدر: العربي الجديد

 

Issam Khoury

As a human rights activist, has been a writer and journalist reporting on developments in the Middle East for over 15 years, with particular emphasis on the human rights situation. He has close ties with NGO’s based in the Middle East, Europe, and North Africa and maintains contacts with the region‘s key political authority figures, and prominent journalists. In 2003, he founded a non-profit organization working on the ground in Syria. Its nearly 200 members provide news coverage of the Syrian Revolution. He has been a speaker at a number of international human rights conferences and over the past nine years has trained more than 400 journalists and citizen journalists. He is the author of two novels.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 9 + 13 ؟
Please leave these two fields as-is: