الطنبر الصيني والرياضة

قصة حقيقية، بقلم: عصام خوري

كان يلبس شورت قصير، وبلوزة شيال تشبه القميص الداخلي مكتوب عليها بخط احمر “البطل” صحيح ان كرشه كان واضحا بالعين المجردة، وان حذاؤه الرياضي نوع “خفافة صينية بيضاء” ممزقة نتيجة كثرة الاستعمال، وصحيح انه كان يعرق قبل ان يقفز او يركض، الا انه اول بطل شاهدته في حياتي، فهذا الرياضي كان يملك مدربا، ومدربه كان يركب على بسكليت طنبر “الطنبر: دراجة هوائية صينية يركبها عامة الشعب، وكما اظن هي ارخص دراجة في الكرة الأرضية آنذاك”، ومن الطنبر كان المدرب ينده بأعلى صوته “يا لله يا بطل”، “انت الوحيد البطل”، وكلما يعرق البطل من التشجيع كان المدرب يوقف الطنبر وينزل ليمسح عرق البطل.

بالصراحة منظر هذا المدرب والبطل مشابه تماما لمنظر سيلفستر ستالون ومدربه ميكي في فلم روكي، فروكي الملاكم كان فقيرا وهذا البطل كذلك، وكما يبدو ان المدرب أفقر من البطل، الفارق الوحيد بين روكي والبطل ان سيلفستر عنده كل العضلات الممكنة بالجسم البشري، اما البطل الذي امامي فلم يكن عنده الا عضلة اللسان. بالفعل كان لسانه غريبا، فعند هرولته يفتح فمه الكبير ويهر منه لسانه الطويل، ثم يرفعه ويخفضه وكأنه يجاكر عموم المشاركين بالمارثون.

هذا اول مارثون أشارك فيه بحياتي، كان عددنا يقارب ١٧٠ مشارك، بالإضافة للبطل أي كنا تماما ١٧١ مشارك، تتقدمنا سيارة شرطة مكتوب على بلورها الخلفي “أنى أرى بالرياضة حياة…. من أقول القائد الخالد حافظ الأسد”.

نقطة بداية المارثون كانت في حي بسنادا “من ضواحي اللاذقية”، ونقطة النهاية عند فرع حزب البعث العربي الاشتراكي بحي الأمريكان في مركز المدينة، أي ما يقارب ٨كم.

كان عمري آنذاك ١٣ او ١٤ عام، وكنت سريعا جدا بالعدو، لكني لم اجرب بحياتي العدو لمسافات طويلة، بكل الأحوال انه اول نشاط رياضي رسمي لي في حياتي، وصحيح اني لم املك مدربا كالبطل، الا انني سعيت لتنظيم استراتيجية في الجري، فلم اركض بسرعة كبيرة من البداية، على العكس سعيت ان أكون اخر المنطلقين، وعند تجاوزي لأي مشارك او عداء كنت احصي رقمه من بين عموم المشاركين ال١٧١، وعند منتصف الطريق ضاعفت سرعتي، لاقترب ما يمكن من سيارة الشرطة التي تتقدم المسابقين، الا ان ذلك الامر كان صعبا جدا، وكما يبدو ان أربعة عدائين كانوا افضل مني بكثير، وبعد ربع ساعة وجدت على الطريق احد العدائين الأربعة مطروحا على الأرض ويعاني من تمزق عضلي، ادركت تلك اللحظة انني قد سأحصل على المركز الرابع، ولكن ان اسرعت اكثر قد احصل على المركز الثالث، وعند منطقة “الكراجات القديمة، مديرية السياحة” ركضت بأكبر طاقة ممكنة، ومن شدة تعبي وسرعتي امتد لساني بنفس صورة لسان البطل، وتقريبا امام مدرسة جول جمال كنت بموازاة المتسابق الثالث، وبينما كنا نتنافس انا وهو، فوجئنا كلانا بوجود اكثر من عشرة متسابقين امامنا، ومن بينهم البطل أبو اللسان الرياضي والغريب ان مدربة لم يكن معه. تسمرت مكاني وقلت للمتسابق الثالث، من وين طلعوا هالمتسابقين بعلمي كانوا خلفنا؟

ولكن المتسابق الثالث لم يعر كلامي أهمية وركض مسرعا لهدفه، وبدوري ركضت بأعلى طاقة ممكنة لي، وكانت النتيجة حصولي على الرقم الشيطاني ١٣.

لم احضر التتويج ورجعت مطاطا الراس، وعند وصولي لتمثال الرئيس مقابل مدرسة جول جمال عرفت ان اغلب المتسابقين يتسربون من السباق لاحد الطرق الجانبية وهناك يأخذون سيارة اجرة تنقلهم الى مركز المدينة، وهناك يرمون بعض الماء على وجههم كي يبدو متعرقين ويصلون بعدها الى خط النهاية. حينما كنت طالب بصف السابع او الثامن، أي لم أكن صحفي مشاكس كي انشر هذه المهزلة على الاعلام، وافضح الفاسدين، ولكنني اعجبت بهذه الخطة التي يفعلها الجميع ليصبحوا ابطالا، وقررت بالعبث الطفولي ان امارس نفس استراتيجية العدائيين الغشاشين في المارثون القادم.

بعد عدة أشهر أعلن عن مارثون طوله ٦ كم، يبدأ من المدينة الرياضية، وينتهي عند فرع الحزب ذاته في حي الأمريكان وسط المدينة. وصل عدد المشاركين بالمارثون ل ١٢٠ مشارك.

مع بدأ المارثون، قررت ان أكون في المقدمة، وركضت بسرعة ممتازة حتى أصبح بيني وبين المتسابق خلفي مسافة تتجاوز ٥٠٠ متر، وكنت بلياقة بدنية ممتازة، أي كان من الممكن ان أكمل المسافة كلها بنفس المستوى، ولكن فكرة الغش كانت تتملكني وتغويني لان اخرج لاحد الطرق الجانبية.

المشكل الوحيدة ان طريق المدينة الرياضية هو بمثابة طريق سريع ولا يوجد فيه مفارق يتوفر فيها آنذاك سيارات اجرة، لذا اضطرت ان استمر بالعدو حتى وصلت الى حي “الرمل الشمالي شارع غسان حرفوش”، ومن هناك دخلت في شارع موازي علي اجد سيارة اجرة، ولكن في أيام العطل وتحديدا فترة الصباح يكون من النادر الحصول على سيارة اجرة، انتظرت اكثر من خمس دقائق لكن دون جدوى، وقلت في نفسي لو ظللت وراء سيارة الشرطة كان احسن، ولكن مارد الغش بداخلي ظهر فجأة وارشدني ان اركب باص النقل الداخلي، وبالفعل وصل الباص بعد خمس دقائق، وللأسف كان بطيئا جدا بحركته، وبعد دقيقة من تحركه توقف فجأة، ونزل منه السائق ليشتري علبة تبغ من احد المتاجر، كنت انظر للسائق بنظرة ترجي “ارجوك اصعد بسرعة… حرك الباص… يا رجل رح يصير ترتيبي ٥٠ بالسباق”.

ولكن السائق كان ثقيل الحركة، وبعد دقيقتين صعد للباص وقبل ان يتحرك فتح علبة التبغ وبهدوء اشغل سيكاره، ثم بدأ بالحركة، وكانت المفاجأة ان محطة النهائية للباص عند حديقة مارتقلا، أي ان المسافة التي غششت بها ربما لا تزيد عن كيلومتر واحد، يعني لو قررت المشي وليس الركض، كان من الممكن تجاوزها بعشر دقائق، ولكنها استغرقت بين الانتظار والباص ما يتجاوز العشرين دقيقة.

ركضت من الباص بأعلى سرعة املكها، وكان امامي العشرات من المتسابقين، ركضت وركضت، فكانت النتيجة انني حصلت على الرقم ٤٣، بعد ان كنت بالمقدمة!

كان عند مدخل فرع الحزب مجموعة كبيرة من الطالبات، نظرت لي إحداهن بنظرة مواسية، وقالت بصوت مشجع “أنت بطل ما تزعل” تبسمت لها بأسى، وعجزت ان اشرح لها انني كنت بالمقدمة ولكن السبب هو سائق الباص، وعدم وجود سيارات اجرة… صمتت لحظة أمام وجهها الجميل فهي اول إنسانة شجعتني على الرياضة رغم انني لا اعرفها.

وقلت لنفسي انها اهم من مدرب البطل، يا ترى، هل عندها بسكليت طنبر كي تدربني؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 7 + 5 ؟
Please leave these two fields as-is: