دراسة : الجزيرة السورية بين حقيقة التعريّب وممارسات التكريّد

دراسة : الجزيرة السورية بين حقيقة التعريّب وممارسات التكريّد
Warning: Undefined variable $post in /customers/4/2/e/etccmena.com/httpd.www/wp-content/plugins/facebook-like/facebooklike.php on line 81 Warning: Attempt to read property "ID" on null in /customers/4/2/e/etccmena.com/httpd.www/wp-content/plugins/facebook-like/facebooklike.php on line 81

مهند الكاطع: كلنا شركاء

 الجزيرة السورية هي جزء من الجزيرة الفراتية التاريخية المحصورة بين دجلة والفرات والتي أصبحت اليوم مقسمة بين سورية والعراق وتركيا (انظر الصورة 1) ، وهي منطقة جغرافية سهلية شاسعة غنية بالموارد الطبيعية ، جغرافياً يمكن أن نطلقها على المنطقة بين نهري دجلة والفرات وتشمل محافظات دير الزور والرقة والحسكة ، سنة 1936م تم اطلاق إنشاء محافظة الجزيرة التي تشمل (قضاء الحسكة والقامشلي ودجلة) وفصلها عن لواء الفرات وبقي اسم الجزيرة العليا عند الفرنسيين أو لواء الجزيرة عند السوريين هو المصطلح  المخصص لتسمية محافظة الحسكة التي تمتد على مساحة 23 الف كيلو متر مربع  ، إلى أن تم الاستغناء رسمياً عن اسم محافظة الجزيرة لتتحول إلى محافظة الحسكة سنة 1952م.

Hasaka
صورة اقمار صناعية للجزيرة الفراتية بعد تقسيمات سايكس بيكو

 

تعتبر الحسكة محافظة ناشئة من حيث العمران والبناء ، فقد بنيت معظم مدنها وبلداتها  وقراها في بدايات القرن العشرين فقط ، وتحديداً فترة الأحتلال الفرنسي، الذي شجع على بناء المدن بعد ترسيم الحدود بغرض تثبيتها ، و لتكون مقابلة للمدن التركية تماماً، ولتكون مركزاً تجارياً جديداً يضعف المدن التركية ، وبالفعل هذا ما تحقق ، فقد بنيت ديريك (المالكية لاحقاً) لتكون بديلاً لجزيرة ابن عمر وبنيت القامشلي لتكون بديلاً لنصيبين، والحسكة لتكون بديلاً لماردين، واصبحت هذه المدن منذ نشوءها مركزاً لأستقطاب آلاف اللاجئين الفارين من نيران الجيش الكمالي ، بعد ان اصبحت هناك حدوداً بين البلدين وتواجد سلطة فرنسية على الجانب المقابل لتركيا تستطيع حماية من يكون يلجأ إليها ، وكان ذلك يتم ضمن سياسة فرنسية أثنية اتبعتها في سوريا لضمان بقاءها، ومن ناحية اخرى كانت فرنسا تطمحُ بأن تكون منطقة الجزيرة سلة غذائية عبر تشجيع الزراعة فيها نتيجة لتوفر مئات الآلاف من الهكتارات الغير مزروعة من الاراضي الخصبة.

فيما سبق تلك المرحلة كانت الجزيرة منطقة رعوية ، وكانت المساحات المزروعة الناتجة عن سياسات السلطان عبد الحميد الإصلاحية بالكاد تُذكر فقد قام السلطان عبد الحميد بتوزيع بعض الاراضي الاميرية سنة 1880م في أعالي الجزيرة على عشائر عربية (كالجبور ، البقارة ، الشرابيين والمعامرة ) ومنحت رؤوساهم سندات تمليك خاقانية مقابل قرش واحد لكل سند تشجيعاً للعشائر الرحل على الاستقرار(1) ، لكن رغم هذا لم تزدهر الزراعة ولم يحدث الاستقرار على النحو المطلوب مع عدم توفر اي تقنيات او سواقي ري تستفيد من مياه الأنهار بشكل كافي، بإستثناء بعض النواعير على الخابور كنواعير الشيخ محشوش الملحم التي بناها في نهاية القرن التاسع عشر بواسطة حرفي أرمني قدم من ارمينيا لأجل ذلك الغرض ، ولا تزال موجودة آثارها إلى يومنا هذا ، وكانت منطقة الجزيرة الخالية من العمران عبارة عن اراضي شاسعة تتوزع فيها عشائر بدوية رحل ونصف رحل  معظمها عربية مع عشائر اخرى كردية بدوية نصف مستقرة  تبدونت بهذا الشكل او ذاك كما يصفها العالم الألماني اوبنهايم لطول اقامتها في هذه المنطقة ، حيث تأثرت بنمط معيشة ولباس وعادات القبائل العربية  ومثال على القبائل البدوية الكردية نذكر (الملية، الآشيتية ، آليان ، الدقورية وغيرها) ولكل قبيلة مناطق تجوال معروفة ومحددة .

hasaka2
جزء من خارطة توزع العشائر في الجزيرة السورية بين عامي1889-1929 (كتاب البدو – ماكس فون أوبنهايم)
hasaka3
قبيلة الملية الكردية

كانت المدن الناشئة تحمل اسم المنطقة التي نشأت فيها ، وتنسب احياناً لخربة أو تل أو نهر أو نبات معين …الخ . أما القرى فتأخذ الأسماء ايضاً نسبة إلى قبيلة معينة أو تل معين معروف أو حادثة معينة جرت في المنطقة .

قامت حكومات متعاقبة اثناء و بعد أنتهاء فترة الانتداب الفرنسي بتغيير اسماء أقضية ومناطق ومدن وقرى في جميع أنحاء سوريا، وسنركّز هنا على محافظة الحسكة (الجزيرة) موضع البحث ونلتمس الموضوعية والواقعية بعيداً عن المغالاة حتى نستطيع تكوين صورة حقيقة عمّا كان عليه الوضع ، بعيداً عن الأساطير التي تنسج والأقاويل المتشبعة بأفكار مسبقة ، وعليه أقول :

في محافظة الحسكة يمكن ملاحظة قيام الحكومات المتعاقبة بتغيير أسماء بعض القرى التي حملت أسماء  كردية  أو عربية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر قرية  ”كري فرا ” تسمية كردية والتي يقابلها بالعربية تل الكذب تم تعريبها إلى “تل الصدق” و “جل آغا” التي تتركز فيها قبائل آليان الكردية وزبيد العربية تم تعريبها إلى “الجوادية” ،  هناك قرى حملت بالأساس تسميات عربية تم تغييرها مثل “تل كديش” تم تغييرها إلى  تل حصان ، “الحنوة” تم تغييرها إلى الزرقاء  ، ناحية “جزعة” تم تغييرها إلى اليرموك ، بالاضافة لعشرات القرى العربية المحاذية للحدود العراقية اخذت مسميات عواصم عربية وقبائل قديمة مثل ” القيروان ، الطائف ، عكاظ ، قضاعة ، خزاعة ، قرطبة ، خولة بنت الأزور …..الخ) . أيضاً سنة 1936م تم  تحويل قضاء دجلة إلى ديريك وعرّب الأسم  تبديله إلى المالكية لاحقاً

كما تم تغيير “القامشلية” لتصبح القامشلي ، وتغيير “قبور البيض” التي يسميها الأكراد “تربه سبي” وهي ترجمة حرفية لقبور البيض  لتصبح القحطانية .

إذن كما نلاحظ كان التغيير يشمل مناطق وقرى تحمل تسميات عربية وأخرى كردية على حد سواء ، وحدث هذا في جميع المحافظات السورية ايضاً .

إلا أنَّ استغلال هذا التغيير لأجندة سياسية او قومية من قبل الأحزاب الكردية بات أمراً مفضوحاً للجميع خصوصاً بعد الثورة السورية وتداعيات تطورات الأحداث الأقليمية كما في “كردستان العراق” التي يبدو أن الأحزاب الكردية تحاول استنساخ التجربة الكردية في العراق بحذافيرها دون الأخذ بعين الأعتبار الأختلاف الجذري بين الواقع الكردي في العراق ونظيره السوري من جميع النواحي وخاصة (الديموغرافية والجغرافية والتاريخية)  والغريب لدى بعض القومجيين بأنهم باتوا يزيدون ويُنقصون في هذا الموضوع وينسِبونَه برمته لسياسة البعث الشوفينية الرامية لتعريب المناطق “الكردية” على حد وصفهم ، كشماعة لتبرير تكريدهم للمنطقة عبر تداول مصطلحات من مثل (مناطق كردية)  (اراضي ذات اغلبية كردية) و من ثم تكثيف استخدام  تسمية “كردستان الغربية” بعد اندلاع الثورة السورية  كدلالة على منطقة “الجزيرة السورية” وجزء من حلب ، إلى درجة أن جميع الاحزاب الكردية قامت بتغيير انظمتها الداخلية أوتحديث رؤيتها السياسية بشكل جذري لتستخدم جميعها اسطوانة واحدة ودعاية مركّزة مفادها إلى أن ارض كردستان تم تقسيمها إلى اربع اقسام ، والحق جزء منها (الجزيرة ، ريف حلب الشمالي) بسورية  ضمن اتفاقية سايكس بيكو!! دون أدنى تصور تاريخي او دليل موضوعي على هذا الإدعاء أو دون حتى أن نجد في اتفاقية سايكس بيكو ما يشير إلى ذلك .

انا هنا لا أتحدث عن حقوق مشروعة للأخوة الأكراد في حرية استخدامهم للغتهم والحفاظ على ثقافتهم وحقهم المشروع في المشاركة في الحياة السياسية بشكل كامل ضمن سوريا للجميع وعلى أن يكون الولاء أولاً وأخيراً لسوريا التي تجمعنا تحت سقف من العدالة التي نتطلع إليها في سورية المستقبل ، فكل تلك الحقوق ادعمها وزيادة على ذلك اقول بأن الأغلبية السورية (العرب) مطالبين بالتنازل عن جزء من حقوقهم لصالح الأقليات (الغير عربية) في المجتمع السوري بغية تطمينهم واعطاءهم الفرصة ليعبروا عن كيانهم ووجودهم ومشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، لكنني هنا أتناول طرح القوميين الأكراد  اللاعقلاني الذي يتعدى مجرّد الحقوق المشروعة فيتم دوماً طرح مواضيع بعضها حقيقي والآخر مبالغ فيه ، وتصويرها على أنها اشكاليات كبيرة وضخمة وأساسية بهدف شحذ الجماهير وتكوين قاعدة شعبية عبر خطاب ديماغوجي شعوبي يلعب على وتر العاطفة القومية وتخيلاتها و لا يستند ابداً إلى وقائع أو بيانات أو أدلة موضوعية علمية وقراءة واقعية ، للحد الذي يمكن ان نصفه بالتزوير الأسطوري اللامحدود، والمصيبة تكمن في استمراء استغباء عقول السوريين من غير الأكراد ايضاً  ، لهذا أرجو ان يتسع صدر القارئ  في عرضي لجزء من تلك المغالطات المتعلقة بموضوع التعريب حصراً ، وسأحاول وضعها في سياقها الموضوعي بجميع اسقاطاته التاريخية اعتماداً على الوثائق الرسمية حتى تتضح الصورة أكثر، والغرض هنا أولاً وأخيراً إثبات شئ واحد وهو أنه ليس كل ما يتم تداوله صحيحاً ، وان نبتعد عن اي نزعة قومية عربية كانت أم كردية أواي نزعات مذهبية وايديولوجية متطرفة مهما كان الشعار الذي ترفعه، كما ادعو الجميع لأن نحترم اختلافاتنا الثقافية مع تأكيد أنتماءنا لوطن مشترك أسمه “سوريا” يمثل وعاء اجتمعت فيه ثقافات وقوميات واثنيات وحضارات مختلفة شكلت بمجملها الشعب السوري العريق.

أوهام التعريب وممارسات التكريّد

كردستان الغربية مصطلح جديد ظهر في أروقة ونشرات وصفحات القوميين الاكراد ، الحزبيين منهم على وجه الخصوص ، لم يكن هناك في ارشيف الحركة القومية الكردية أي حديث عن وجود جزء من كردستان في سوريا كما يدعي اليوم بعض القوميين الكرد ، ويكفي مراجعة وثائق أول حركة قومية كردية وهي “خويبون” والتي عقدت أول مؤتمر لها في بحمدون في لبنان ،  والتي كانت تعبر عن الحركة القومية الكردية في المنفى وتناضل من أجل كردستان وتحريره من ايادي الاتراك الكماليين ، وكان معظم اعضاءها المؤسسين قد لجؤوا إلى سوريا بعد ملاحقاتهم في تركيا من أمثال ( جلادت بدرخان ، كاميران بدرخان ، سليم ممدوح ، حاجو آغا ، أكرم جميل باشا ، قدري جميل باشا ، محمود ابراهيم الملي ، خليل ابراهيم الملي ، محمد شكرو سكبان ، إحسان نوري ، علي آلمي ، فهمي لدجي، أمين بريخان ، بوزان شاهين ، مصطفى شاهين ، رفعت مغلازند ، الشيخ عبد الرحمن غاريزي ، عثمان صبري ، أحمد نافذ زازا ، نور الدين يوسف زازا ، جكر خوين ، عارف عباس ، شوكت زلفي) وكل الأسماء الواردة هم من اعضاء منظمة خويبون ومؤسسيها ، وكلهم ولدوا ونشأوا ودرسوا في الأراضي التركية الحالية ، وانتقلوا للمنفى السوري بعد اندلاع ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م ، ولم يكن لهذه المنظمة أي مطالب سياسية في سوريا فضلاً عن أي حديث عن كردستان في سوريا مثلاً . فالحركة السياسية والثقافية الكردية في سوريا لم تعتبر يوماً السكان الأكراد المتواجدين على الأراضي السورية جزءً من سكان ” كردستان” في أي مرحلة من مراحل الحركة القومية الكردية ، أنظر مثلاً تقرير جمعية خويبون عن سكان كردستان والذي نشره مركز الدراسات الكردي سنة 1948م حيث لا يشمل الإحصاء سوى أكراد تركيا وأيران والعراق! حيث كانت خويبون تُخرِجُ المناطق التي يتواجد فيها أكراد في سوريا ( الجزيرة ، عفرين ، عين العرب) من حدود كردستان! ولم يعتبروها يوماً أرضاً تاريخية للأكراد كما بتنا نسمع في الخطاب القومي والحزبي الكردي بعد بدء الثورة السورية سنة 2011 ، كما أن الساسة الكرد كانوا لا يضعون عدد الأكراد السوريين في اجمالي عدد سكان كردستان أبداً ، بل يشيرون إليهم على أنهم “أكراد خارج كردستان” (2) ، راجع مثلاً الخريطة التي قدمها القوميين الأكراد سنة 1948م فانها توضح ان الجزيرة لم تكن جزء من كردستان حتى عند القوميين الأكراد آنذاك ! (3)

أيضاً نجد السيد كاميران بدرخان من ابرز قادة الحركة القومية والثقافية الكردية ومنظري الفكر القومي الكردي في بداية القرن العشرين و ابن العائلة التي أقامت حكومة شبه ذاتية في جزيرة ابن عمر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في محاضرته بعنوان ” المشكلة الكردية” أمام الجمعية الملكية الآسيوية بلندن في 6- تموز – 1949م قال وسأقتبس ماقاله

” إن المنطقة التي تمر بها الحدود التركية العراقية هي قلب كردستان، إذا اعتبرنا الجزء الممتد حتى بحيرة اروميا التي تسيطر عليها ايران ، فيتضح جلياً المنظر العام لكردستان المقسمة بين تركيا وايران والعراق”

 ثم يتابع إلى أن يصل في نهاية المحاضرة للقول مرة اخرى :

(( استولت على الشعب الكردي ثلاث دول ، لذلك انقسمت كردستان بين هذه الدول الثلاث وهي أيران وتركيا والعراق)) (4)

وفي هذا السياق نذكّر بأن الحزب الديمقراطي الكردي الذي كان يستخدم في أدبياته مصلطح “كردستان العراق” فقد كان يستخدم مصطلح “الشعب الكردي في سوريا”(5) ، مما يشير و بوضوح ومن المصادر والوثائق الكردية نفسها بأن مصطلح ” كردستان سوريا”  هو مصطلح طارئ ولا أساس له فعلياً .

  1. أشرنا في سياق المقدمة إلى أنه تم تعريب عدد كبير من القرى والاسماء الكردية في الحسكة وحدث ذلك منذ الخمسينات ، وتم بالمقابل تغيير اسماء عربية إلى اسماء عربية أخرى ايضاً وهذه حقيقة يجب الوقوف عليها بحيادية ، وذكرنا مثال على ذلك ناحية “جل آغا”  ذات الأسم الكردي في ريف القامشلي تم تعريبها إلى الجوادية ، علماً أن الكثير من عرب تلك المنطقة يسمونها حتى الآن “جل آغا” ، وتم تعريب معظم قرى عشيرة الآليان الكردية في تلك المنطقة و يعرفها عرب المنطقة باسماءها الكردية ويتداولها  معظمهم على ذلك الاساس.
  2. بعض الأسماء التاريخية العربية لمدن الجزيرة السورية تتعرض فيما يبدو إلى “محاولات تكريد” إن جازَ لنا التعبير ، وتستند معظمها إلى استخدامات شعبية كردية حديثة  فأخذها بعض الساسة والمثقفين القوميين على انها اسماء كردية أصيلة تم تعريبها ، ومثال على ذلك مدينة “رأس العين” التاريخية التي بات المثقفين الأكراد منذ بضع سنوات بتسميتها “سري كانيه” ولا أعتقد بأننا بحاجة إلى الحديث المطوّل عن رأس العين ، فيكفي مراجعة أياً من أمهات المخطوطات والمراجع التاريخية “كمعجم البلدان للحموي، فتوح الشام للواقدي ، وصورة الأرض لابن حوقل ، وتاريخ ابن كثير والمقدسي والقزويني وغيرهم ” و التي تتحدث بأسهاب عن رأس العين التي عرفت بهذا الاسم منذ الفتوحات الاسلامية على اقل تقدير.
  3. بعض الأسماء للمدن اخذت تسميتين على المستوى الاجتماعي قبل أي تسييس وتم استخدام الاسمين معاً مثل ” خربة قبور البيض” والتي عرفت بهذا الأسم عند ابناء المنطقة عندما كانت مجرد خربة  (تل صغير) ويمكن ملاحظة هذا الاسم في جميع الوثائق  والتقارير الفرنسية  ، وقد قامت السلطات الفرنسية بمنح هذه الخربة “قبور البيض” وخمس قرى أخرى لرئيس عشيرة الهفيركان الكردية السيد حاجو آغا الذي لجأ إلى المنطقة ووضع نفسه تحت تصرف السلطات الفرنسية في آب – اغسطس  سنة 1927م (6)، وكانت قبور البيض مركزاً له للتواصل مع من تبقى من عشيرته في تركيا ، وقد اعتمدت عليه السلطات الفرنسية في كثير من الاحداث في المنطقة وخصصت له مرتباً شهرياً أعلى من مرتبات رؤوساء العشائر الأخرى آنذاك ، وتحوّل بذلك حاجو آغا إلى اكبر المالكين في الجزيرة ، إذ أنه وقبل وصوله إلى الجزيرة سنة 1927م لم يكن له أي املاك فيها بحسب التسجيل الذي قام به بروينسين للعائلة. (7) وقد عرفت “قبور البيض” ايضاً عند الأخوة الاكراد بــ “تربه سبي” منذ اوائل نشأتها كبلدة ايام الفرنسين ، وتعريبها إلى القحطانية في الخمسينات لا ينفي اسمها قبل التعريب “قبور البيض” أو “تربه سبي” لكن يتمسك بعض المثقفين الكرد بالقول انها تربيه سبي فقط وتم تعريبها إلى قبور البيض او القحطانية.
  4. بعض المدن نلاحظ انها حافظت على اصلها لكن بتغيير بعض الاحرف ، وهذا يعتمد على اللغة المستخدمة ، وهنا اتحدث عن “القامشلي” فمنذ تأسيسها وطيلة فترة الانتداب الفرنسي كان أسمها الرسمي (القامشلية) بجميع المحاضر الرسمية على هذا النحو الذي عرفه ابناء المنطقة من العشائر نصف الرحل آنذاك وقد كانت موطناً لعشائر طيء ولا تزال وتم الشروع بتنفيذ اول مخطط تنظيمي للمدينة الوليدة  عام 1928م بواسطة الكابتن تيريه ، يتعمد القوميين الأكراد إلى كتابة القامشلي بهذه الطريقة ( قامشلو) فيما يبدو أنه تكلّف غير مبرر ابداً إلا إذا فهمنا أنها محاولات اضفاء طابع قومي باستخدام الأسماء كما يتم لفظها بالكردية وليس اعتماداً على اسمها منذ بدء تأسيسها ،  فالاسم بالكردية  (قامشلو) فيما يبدو لي أنها قاعدة لغوية كردية يستخدمها الاكراد في اضافة (و) في نهاية  اسماء العلم  على نحو (محمدو ، خالدو ، أحمدو) ربما عندما تكون بصيغة المفعول به أو حالة الجار والمجرور ،  وهذه يستطيع المتبحرين باللغة الكردية افادتنا بها ولا أستطيع الجزم بها كوني اتحدث من منطلق معرفة بسيطة بالكردية، لكن  ما يهمنا هو اصل الكلمة وجذرها ، فهل هو كردي تم تعريبه بالفعل ؟!الواقع أن كل الأسماء ( القامشلية ، قامشلو ، القامشلي ) تدل على ان اصل الكلمة هو “قامش” والقامش في لغات عديدة يقابلها  ”القصب” في العربية ، فالقصب باللغة التركية يلفظ ( قامشلر Kamışlar ) و في اللغة الروسية (كاميشي Камыши ) ,وكذلك بالأرمنية . ويبدو أننا ندرك بوضوح بأن وجود القصب أدى إلى اطلاق هذه التسمية على منطقة القامشلي من قبل الاتراك ، حيث تقع القامشلي بمحاذاة نصيبين على نهر جغجغ  ”الهرماس” وقد اشتهر هذا النهر بأنتشار القصب على ضفافه منذ ان كانت المنطقة رعوية تتمركز فيها قبيلة طيء بشكل خاص و جزء من السلطنة العثمانية. ولا يزال إلى يومنا هذا أسم القامشلية محفوراً منذ ايام الفرنسيين على حائط بلدية القامشلي ، ومتداول في جميع الوثائق الفرنسية والسورية في تلك المرحلة .  وقد أصدر محمد تاج الحسيني رئيس مجلس الوزراء السوري و وزير داخليته محمد الالوشي القرار رقم 1618 في 9 أيلول سنة 1930م جاء فيه : “إحداث لواء منطقة الجزيرة من ثلاثة اقضية  هي قضاء القامشلية وتتبع له عامودا والقرمانية وبوارا ، وقضاء الحسكة وتتبع له ناحيتان هما رأس العين والشدادة ، وقضاء دجلة ومركزه في عين ديوار وتتبع لها ناحيتا المصطفاوية وديرون آغا” (8)
  5. ناحية عين العرب يقول بعض الأخوة الأكراد بأنها كانت تحمل اسماً كوردياً  ”كوباني”  علماً انهم يفسرون بأن الاسم مأخوذ من لفظةcompany   نسبة لشركة المانيا كانت تعمل في المنطقة (يبدو انها شركة سكة الحديد نهاية القرن التاسع عشر بدايات القرن العشرين)  ثم يقولون  بأن حزب البعث هو الذي عربها واسماها عين العرب ، غير أن الموروث الشعبي في المنطقة يتحدث عن أن المنطقة منسوبة لعين ماء يسقي منها العرب مواشيهم وسميت عين العرب ، واغلب سكان المدينة اليوم من الاخوة الاكراد ، ويكفي أن نعرف بأنه أيام الانتداب الفرنسي قام المجلس النيابي باقرار قانون نشره الرئيس هاشم الاتاسي في 4 كانون الثاني سنة 1937م جاء في مادته الأولى: “أن يؤسس في محافظة حلب قضاء يطلق عليه قضاء عين العرب وتجعل قصبة عرب نار مركزاً له “
  6. في 22 كانون الاول سنة 1952م اصدر الزعيم فوزي سلو (كردي سوري) المرسوم التشريعي ذي الرقم (179) الذي جاء فيه بناء على الامر العسكري رقم (2) في 3 كانون الاول 1951 وبناء على المرسوم التشريعي ذي الرقم (257) في 8 حزيران 1952 وقرار مجلس الوزراء رقم (510) في 9كانون الاول 1952 يتم تغيير المحافظات السورية خلافاً لمادة القرار ذي الرقم         (5/ل.ز) في 10 كانون الثاني 1936، وتم تغيير العديد من الاسماء شملت معظم المحافظات ، وجاء من بين الاسماء : اسم محافظة الجزيرة وتحوليها إلى محافظة الحسكة ، واستبدال قضاء جبل الاكراد في محافظة حلب وتحويله إلى قضاء عفرين “(9) 

وعليه يجب أن لا نُحمّل الأمور دائماً أكثر مما تحتمل ، ويجب ان لا يكون كل شئ عندنا مسيّس بحيث يتم خلط الحقائق التاريخية الموضوعية بمصطلحات السياسة الجديدة والطارئة بشكل يعبر عن انتهازية مقيتة. وذلك وفقاً لظروف جديدة تشهدها المنطقة ، وتأثراً بتجارب تحدث في الجوار الأقليمي.

يقع على عاتق المثقفين والأكادميين بشكل خاص من أصحاب الأختصاص إجراء بحوث مهنية وموضوعية معمقة للوقوف على هذه الإشكاليات وإشكاليات أخرى تتعلق بموضوع الهوية أو اضطهاد الأقليات. وليس مطلوب من البحاث أو الأكاديمي أو المثقف مجاراة المغالطات التاريخية بحسب ما يتداوله العامة أو أصحاب الأجندة والأفق الضيق، كما لا يجدُر به أن يكون مشبعاً بالأفكار الحزبية والتوجهات الإيديولوجية البعيدة عن الحيادية والتي ستأخذه حتماً لتطويع الأدلة قسراً لأثبات أفكار مسبقة  و يبتعد بهذا عن مرمى الموضوعية والمنطق ويتحول إلى مجرد ناقلاً سلبياً ومشرعناً لتزوير الحقائق.

الحيادية هي تحرير الفكر من  هواجس الماضي المليء بالمغالطات وهي سرّ نجاح الباحث في تقديم ما يُمكن أن يفيد المجتمع وينهض بأبناءه نحو غد أفضل خال من التعصب وعُقد المجتمعات المبدائية المتخلفة.

المراجع :

  1. عمر الصليبي ، لواء الزور في العصر العثماني اجتماعياً واقتصادياً  ص 130
  2. الأكراد دراسة جغرافية إثنوغرافية صفحة 518 ، تقرير خويبون – 1948
  3. مارتن برونسين – الآغا والشيخ والدولة صفحة 41-43
  4. البدرخانيون في جزيرة بوطان – ماليميسانز- وثائق جمعية العائلة البدرخانية – ترجمة كولبهار بدرخان صفحة 193.
  5. بيان اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) 13/11/1964.
  6. جكر خوين ص 187
  7. برونسين ص 237
  8. Velud, Christian .  tome 2 ,pp366-368
  9. جريدة الجمهورية الرسمية في العدد (74) دمشق ، كانون الاول 1952.

 

(المصدر: كلنا شركاء)

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *