كل السفاحين اجتمعوا

المقالات والأخبار ديسمبر 18, 2016 No Comments

بقلم: الياس خوري

يستطيع بشار الأسد أن يرقص فوق ركام حلب ويدخل بجيشه وميليشيات حلفائه الأصوليين المدينة، وينتقم من قلعتها، ويدمر قبر المتنبي، معلنا انتصاراً فوق خراب المدينة الأجمل وبقاياها.

كما تستطيع الدول العربية والإقليمية التي استباحت الانتفاضة الشعبية السورية بالمال والنفط والغاز والسلاح غير المجدي، أن تطرب، حتى وهي ترى اتباعها يُهزمون، لأنها نجحت في وأد فكرة الحرية وكرامة الانسان التي جعلت مئات آلاف السوريين يحتلون الشوارع، بهتافهم وموتهم الذي احتلّ السماء

يستطيع بوتين أن يتباهى بأن تدخل طيرانه وخبرائه وآلة الدمار التي تملكها روسيا حوّل كل سورية إلى غروزني، وحقق أمنية الديكتاتور السوري الصغير الذي أعلن شعاره: «الأسد أو ندمّر البلد».

وتستطيع الدبلوماسية الأمريكية أن تقدّم درساً للعالم في الخبث والضِعة والكلام الفارغ من المعنى، وهي تشاهد كيف أنجزت دمار سورية من دون التكلفة الباهظة التي دفعتها من أجل تدمير العراق.

تدمير سوريا

لقد دمر المستبد السوري بلده بيديه، متكئاً على حلف إقليمي دولي أسود، يعتقد أنه يستعيد فوق خراب سوريا امبراطورية روسية غاربة، أو حلم امبراطوري ايراني. وتستطيع اسرائيل الليكودية أن تنتشي، وهي تشهد كيف تدمر بلاد الشام على ايدي الطاغية.

وفي النهاية يستطيع الأصوليون أن يفاخروا بأن قمعهم للشعب السوري في المناطق التي استولوا عليها، لم يكن أقل وحشية من قمع النظام. وأنهم حين داسوا علم الثورة السورية، كانوا يدوسون على الحلم الديمقراطي، وبذا اكتسبوا تجربة دموية جديدة تؤهلهم للعب أدوار جديدة عند مشغليهم المباشرين وغير المباشرين.

كل القتلة والسفاحين اجتمعوا من أجل قتل سوريا، واذلال شعبها. فعندما تخطف رزان زيتونة وسميرة الخليل في دوما التي يحكمها «جيش الإسلام»، وعندما لا يرفع الأصوليون سوى شعار إذلال المرأة السورية، وحين لا يكون هم «داعش» سوى السبي والقتل والحرق، فإننا نكون أمام مشهد يعيد صوغ وحشية سجن تدمر، وإصرار شبيحة النظام على اجبار المعتقلين على تأليه الأسد، واحتفالية القتل والاغتصاب والاذلال، التي اتقنها الشبيحة، وهم يستبيحون سوريا، ويحولون ذكرى تيمور لنك إلى مشهد في الحاضر.

افرحوا أيها القتلة والسفاحون، ويحق لكم ذلك. فلقد كانت سوريا هي النقطة المفصلية التي أعلنت انهيار القيم الأخلاقية والانسانية، ودخول العالم بأسره وعلى رأسه الغرب الامريكي في نفق الوحشية والعنصرية.

لا نريد أن نلوم أحداً، الشعب السوري انفجر بثورة نبيلة شكلت نموذجا لإرادة شعب وصلابته وقدرته على التضحية في مواجهة الطغيان والاستبداد. كانت مظاهرات المدن والبلدات السوريا وشعاراتها الوطنية التي قمعت بالرصاص والقتل والتعذيب والاذلال، اعلانا صارخا بأن نداء الحق والحرية يستطيع أن يصنع لغته، رغم كل شيء.

لا نريد أن نلوم أحداً، بلى يجب أن نتوجه بالسؤال إلى من نصّب نفسه قيادة لم تستطع أن تقود، فانجرفت إلى أوهام التدخل الخارجي، وارتمى بعضها على الأقل، في أحضان زمن النفط والاستبداد العربي، بحيث أُكلت الثورة من خارجها، عبر المال والسلاح والفكر الاصولي الظلامي، ليجد الشعب السوري نفسه وحيدا في مواجهة آلات قتل عمياء.

بلى يجب أن نعيد النظر في ثقافتنا بشكل جذري، لا لأن المشكلة ثقافية فقط، فالمشكلة سياسية اقتصادية أولا، بل كي نعيد تشكيل النخب الثقافية والفكرية، التي عليها أن تحمل ارث هذا الدم السوري وتحوله إلى فعل تاريخي عبر الالتحام بالناس، والإنخراط في آلامهم ومعاناتهم، كي نحوّل هذه المقتلة وهذا الألم العظيم، إلى تاريخ نرى من خلاله مستقبلا تصنعه الحرية.

بلى يجب ألا نغفر للقتلة والسفاحين، ويجب أن نحاكمهم أمام ضميرنا الوطني في كل لحظة، إلى أن يحين موعدهم مع العدالة.

بلى يجب ألا ننسى قوافل الذين قضوا تعذيبا وقتلا، مشاهد الأطفال تحت الأنقاض، ومعاناة ملايين اللاجئين، وأنين المدن التي اقتلعت فيها الحياة.

انها لحظة للألم، لكنها ليست لحظة لليأس

يستطيع القتلة أن يطربوا، فالفاشية تعم العالم، الرئيس الأمريكي الجديد يجسد الفظاظة والوحشية الرأسمالية وانتقام الرجل الأبيض، وهو يرى في الديكتاتور العربي الذي حطّم بلاده أفضل حليف كي يستمر انحطاط العرب وذلهم وخيبتهم. وهو في ذلك يلتقي بالقيصر الروسي وبالفاشي الصهيوني، الذين لا يرون في بلادنا سوى الخراب الذي تصنعه صحراء الدم.

السوريات والسوريون، الذين علمونا التضحية والكبرياء، يشهدون اليوم خراب هذا الزمن، لكنهم يعلمون أن انتصارات الاستبداد والفاشية والاصوليات العمياء ليست سوى وهم.

صحيح أن مشاهد الخراب أعمت العيون، وصحيح أيضاً أن الحناجر قُطعت وجثث الأطفال شُوهت وكرامة الناس حجبها غبار القصف.

لكن ما لا يعرفه الطغاة هو أن من يلعب بالدمار سوف يصير ضحيته، وأن فرحهم اليوم بتدمير الأرض والشعب، هو لحظة مؤقتة لا تستطيع أن تدوم.

فالشعب الذي كسر جدران الخوف، ولبس الحرية، لن يعود إلى زمن الظلمات، مهما كانت قوة البطش.

الشعب الذي كسر تماثيل المستبد لن يرفعها من جديد، حتى ولو جاءت كل قوى الأرض من أجل رفعها.

الشعب الذي يهان اليوم في مخيمات اللجوء، وفي مدن سورية التي صارت كلها مستباحة، لن يرضى بالذلّ.

الطاغية يتوهم أنه انتصر، نعم لقد انتصر، لكنه سيحوّل انتصاره إلى وهم، وسيرى أن لا أحد يستطيع أن يلعب بالموت إلى ما لا نهاية.

انها لحظة للألم، لكنها ليست لحظة لليأس، انها بداية زمن ما بعد اليأس الذي يجب أن نصنعه بالصبر والاصرار على حلم الحرية.

حقوق النشر: الياس خوري

Issam Khoury

As a human rights activist, has been a writer and journalist reporting on developments in the Middle East for over 15 years, with particular emphasis on the human rights situation. He has close ties with NGO’s based in the Middle East, Europe, and North Africa and maintains contacts with the region‘s key political authority figures, and prominent journalists. In 2003, he founded a non-profit organization working on the ground in Syria. Its nearly 200 members provide news coverage of the Syrian Revolution. He has been a speaker at a number of international human rights conferences and over the past nine years has trained more than 400 journalists and citizen journalists. He is the author of two novels.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 7 + 3 ؟
Please leave these two fields as-is: