المثقف العضوي-:أنطونيو غرامشي A.Gramsci

بقلم: لطفي الادريسي

يرتبط هذا التوصيف المركب بالمفكر والقائد السياسي للحزب الشيوعي أنطونيو غرامشي A.Gramsci. المثقف العضوي لا يختزل فهما وتعريفا في ذلك المثقف المرتبط بالجماهير فحسب، الراغب في التغيير والذي يعمل أوعليه أن يعمل من أجله. “المثقف العضوي” في فكر غرامشي هو صاحب مشروع ثقافي يتمثل في “الإصلاح الثقافي والأخلاقي” سعيا وراء تحقيق الهيمنة الثقافية للطبقة العاملة بصفة خاصة وللكتلة التاريخية بصفة عامة ككتلة تتألف في الحالة الإيطالية لعشرينات القرن العشرين (وغرامشي يفكر من داخل السجن) من العمال بالشمال والفلاحين بالجنوب و”المثقفين العضويين” الذين لهم قدرة صياغة مشروع “إصلاح ثقافي وأخلاقي” وإرادة هزم الكتلة التاريخية القديمة المؤلفة من برجوازية الشمال وإقطاع الجنوب و”المثقفين التقليديين” أصحاب المشروع الفكري المحافظ والإيديولوجيا السياسية اليمينية المرتبطين بالكنيسة والإقطاع.

شكل تفكير غرامشي في مسألة “المثقف العضوي” تجديدا جريئا داخل الفكر الماركسي استحق عليه غربة فكرية وسياسية وإخفاء لجل نصوصه لمدة ثلاثة عقود من طرف قادة الحزب الشيوعي الإيطالي. فكر غرامشي بمرجعية جديدة أساسها الموضعة التاريخية لدور المثقف في التغيير ما دام أن الصراع بدول أوربا الغربية_بعد فشل الأحزاب الشيوعية بهذه المنطقة في تحقيق أهدافها_ هو صراع على الأجهزة الثقافية والإيديولوجية (مدرسة، كنيسة، إعلام،…الخ) وليس صراع على الجهاز السياسي للدولة وخاصة أجهزتها القمعية (بوليس، جيش). كان الصراع في التجربة السوفييتية لثورة أكتوبر 1917 صراعا على الجهاز السياسي، فسهل كسب المعركة داخل المجتمع السياسي. أما في أوربا الغربية حيث للبرجوازية تاريخ ثقافي مكنها من الهيمنة على الأجهزة الثقافية_الإيديولوجية، فإن الصراع سيكون داخل المجتمع المدني لا المجتمع السياسي، وستكون لحرب المواقع أهميتها الإستراتيجية حيث للمثقف العضوي دور أساسي لا يتمثل في «الفصاحة المحركة للعواطف والانفعالات، بل الاندماج بالحياة العملية، والقدرة على الإقناع والتنظيم»].

لم يفرج عن فكر غرامشي من داخل السجن الدوغمائي للماركسيين الإيطاليين إلا في عقد الستينات من القرن العشرين، ليتسلل إلى دوائر النخبة الثقافية اليسارية بفرنسا وأمريكا اللاتينية، ولم يدخل ضيفا_لأمد قصير_ إلى البيت اليساري العربي إلا في نهاية عقد السبعينات وطيلة عقد الثمانينات، خاصة مع المراجعات التي بلورتها أطر اليسار الجديد والتي رأت في فكر غرامشي سندا قويا ضد الدوغمائية السائدة في الأحزاب اليسارية التقليدية. إلا أن استقراره ببيت الفكر اليساري العربي كان استقرارا قصيرا عصفت به التفككات الجيو_سياسية الدولية وفي مقدمتها تفكك الكتلة الشرقية في نهاية 1987؛ وسيادة العولمة كنمط إنتاج ثقافي، اقتصادي وسياسي مهيمن على المستوى الكوني. وبذلك يثبت الفكر العربي أزمة علاقته بالإطار المرجعي، إذ سرعان ما يغير اعتماده على الإطار المرجعي، وكأنه عكاز هش آيل إلى الانكسار السريع، ولنا في تاريخ تلويـك شعارات “النهضـة” و”التقـدم”

و”القومية” و”الثورة” و”التحرير” …الخ ما يسعفنا على الإدراك الحقيقي لسرعة تبدل الشعار أوالمقولة الذي تحقق في الغرب واقعا ولم يقتصر على مجال الحلم والاستيهام. نفس الأمر حدث للفكر العربي السياسي اليساري مع مفهوم ” المثقف العضوي” حيث عادلت سرعة اعتناقه سرعة الخلاص منه.

لماذا هذا الاستطراد في بسط الأطروحة الأساسية الغرامشية؟ ولم هذا الاستنتاج الفصيح في حق “النزعة الانقلابية اليسارية”؟

كان الغرض هوإبراز أن مفهوم “المثقف العضوي” عند غرامشي لم ينفصل عن مكان هو إيطاليا وزمان هو عشرينات القرن العشرين، كما أن مشروع المثقف العضوي الكامن في الإصلاح الثقافي والأخلاقي لا ينفصل عن القاعدة الاجتماعية_الاقتصادية. يتساءل غرامشي « هل يمكن تحقيق إصلاح ثقافي، أي الرفع من المستوى “المدني” للشرائح الاجتماعية الدنيا، دون إصلاح اقتصادي سابق وتغيير في الوضعية الاجتماعية والمستوى الاقتصادي». لا نبتغي العودة إلى قصة لمن الأسبقية الزمنية في الوجود للدجاجة أم للبيضة، لنطبقها على علاقة الإصلاح الثقافي بالتغيير الاقتصادي والاجتماعي. إلا أن غرامشي يظل فصيحا في تفكيره وهو يتعقل دور “الأمير الحديث” (الحزب السياسي الذي ينشد التغيير)، حيث أن عمل المثقف في العمل داخل الحقل “المدني” والرفع من وعي الشرائح الاجتماعية الدنيا مشروط بوجود قاعدة سوسيو_اقتصادية ممهدة لعمل المثقف وداعمة لمشروعه الخاص بالإصلاح الثقافي والأخلاقي. فهل نحتاج بعد هذا لمزيد بيان لإقناع من يرفعون سياطهم للتنكيل بجثة المثقف العربي الذي افتقد الأساس المادي لفعله الثقافي وكان “سيزيفا” تحول إلى درويش، موظف مستكين، أو معتقل سياسي؟

إن استدعاء علامات فكرية وازنة مثل سارتر، بورديو، غرامشي هو استدعاء لا ينخرط ضمن الرغبة في استنساخ ما أكدته هذه العلامات، كما لا ينخرط بصيغة أوضح ضمن الانشداد الأعمى والتكرار “الببغاوي” لمقولات وأحكام هذه العلامات في حق المثقفين، كمقولات وأحكام كانت نقدية إزاءهم حد القساوة، لكنها أناطتهم بأدوارهم “التقليدية” و”الثابتة” كمثقفين. إنه استدعاء ينخرط ضمن تجديد الدعوة بضرورة استمرار الاعتقاد في دور المثقف (لا رسالته الخالدة)، والتفكير في وسائل عمله المعرفي_التنويري_النقدي، وتجديد مهمته في الالتزام. لا يمكن إنكار البعد النقدي لكتابات عربية نقدية تجاه المثقف العربي، إلا أنه تقييم يلقي “بالرضيع مع ماء الغسيل” ويشيع المثقف تشييعا نهائيا إلى مثواه الأخير: مثوى الصمت، مثوى العجز، مثوى الاستقالة المفروضة أو الاختيارية.

والحال أن الحاجة إلى المثقف ما زالت حاجة قائمة وراهنة، بل هي حاجة اشتدت وتعاظمت بتعاظم النكسات والهزائم التي شلت الكيان العربي قيادة وشعوبا، ثقافة وسياسة. غير مطلوب من المثقف العربي أن يكون داعية إيديولوجيا، رجع صدى أو ببغاء يردد الشعار السياسي للحاكم أو معارضا سيزيفيا ينوب عن أوسع الشرائح الاجتماعية في صياغة مطالبها والدفاع عنها. وغير مطلوب منه أن يعمل على “تجسير الفجوة” بينه وبين الأمير/الحاكم (أطروحة صاغها الباحث الاجتماعي المصري_الأمريكي سعد الدين إبراهيم منذ عقدين وأثارت زوبعة من النقاشات وردود الأفعال). غير أنه مطلوب منه ألا يقتات من فتات موائد الحكم السياسي، وأن يتقن حرفته كصانع للأفكار التي قد تفيد “الشعب”. لذا تظل نقطة تحيين مسؤولية المثقف في الالتزام بقضـايا اجتماعيـة

وسياسية أول نقطة على جدول أعمال المشروع الفكري الموكول للنخبة الثقافية.

مصدر المادة: موقع الحوار المتمدن/ 2010/

اترك تعليقاً

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code