«السلام الأزرق» في نهر الراين: كيف نستلهم تجربتكم؟

آراء ومقالات أكتوبر 07, 2013 No Comments

بقلم: مي صايغ

منذ 40 عاماً خلت، لم يكن في استطاعة الرئيس السابق للجنة مياه الراين الدكتور مانفريد سبريفكو السباحة في «النهر السحري» كما وصفه الرومان. إذ وصل التلوث في الراين في ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي مع النمو الصناعي في أوروبا الوسطى إلى مستوى عال، إنقرضت معه عشرات الأنواع من الأسماك، وبات النهر غير ملائم للشرب والسباحة.

Rhine

في الأمس القريب، بات في إمكان كبير مستشاري السياسة المائية في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون “SDC” يوهان جيلي فعل ما حرم منه سبريفكو.المشهد عينه انقلب في تركيا، حيث كان وزير خارجيتها السابق يشار ياكيش يشرب من مياه أنهار بلاده، في حين لم يعد في إمكان جيل اليوم حتى السباحة في غالبيتها.

شهادات هي أشبه بمقاربة تظهر نجاح الدول الأوروبية في إدارة وحماية مواردها المائية المشتركة، مقابل تراجع دول الشرق الأوسط، وجاءت خلال زيارة ميدانية نظّمتها مؤسسة الأبحاث الهندية “Strategic Foresight Group” بالتعاون مع وزارة الخارجية السويسرية، و”SDC”، والوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي، لعدد من السياسيين والخبراء والصحافيين من تركيا ولبنان والعراق وسوريا والأردن ومصر والإمارات والسعودية، إلى نهر الراين ما بين 24 و28 أيلول الماضي، للإطلاع على إدارة الموارد المائية العابرة للحدود في كلّ من ألمانيا وسويسرا.

زيارة تمثّل الخطوة الثالثة لمؤسسة الأبحاث الهندية بعد مؤتمر “السلام الأزرق في الشرق الأوسط”، الذي عُقد في اسطنبول في آذار الماضي، وتقرير”السلام الأزرق: إعادة النظر في مياه الشرق الأوسط” الصادر في شباط 2011 ، والذي خلص إلى أنّ أزمة المياه قد تتحول الى فرصة لشكل جديد من السلام.

وبالتالي جاءت زيارة أهم الأنهر في القارة الأوروبية – الذي ينبع من جبال الألب في شرق وسط سويسرا، ويبلغ طوله نحو 1230 كيلومتراً- في سياق الإطلاع على تجربة الدول التسع التي تتقاسم الراين (سويسرا، فرنسا، ألمانيا، لوكسمبورغ، هولندا، إيطاليا، ليختنشتاين، النمسا وبلجيكا)
وكيفية إدارتها لمياه هذا النهر، وإمكان الإستفادة من نموذج التعاون الأوروبي، بحيث تغدو المياه في الشرق الأوسط، أداة لصنع السلام، بدلاً من كونها عاملاً لتأجيج النزاعات.

كيف بدأ العمل؟

وقبيل الجولة الميدانية التي استهلت في محطة المياه السويسرية Hydrological station Rhine-Rheinfelden، عرض سبريفكو للجهود التي بُذِلت لحماية الراين من التلوث وإدارة مياهه، بدءاً بإنشاء “اللجنة الدولية لحماية نهر الراين” في العام 1963، مروراً بعدد من الإتفاقات التي ترعى عمل لجان حماية النهر، منها “إتفاق بِرن 1972″، وصولاً إلى النموذج إلاقليمي لقياس التلوث في نهر الراين.

سبفريكو أشار إلى أنّ لجنة الراين، والتي تضمّ كل من سويسرا وألمانيا وفرنسا واللوكسمبورغ وهولندا واللجنة الأوروبية، كانت بمثابة مظلة سياسية لتسهيل العمل للجنة، التي مهمتها تقديم توصيات الى صانعي القرار، ناصحاً المؤتمرين بالعمل “وفق 3 ركائز، تتضمن دمج الجانب الإقتصادي بالأيكولوجي والقضايا الإجتماعية” .

نموذج تعاوني أثار إعجاب الحاضرين. فتساءلت الأمين العام السابق في وزارة المياه والري الأردنية الدكتورة ميسون الزعبي: “هل يمكننا بدء التعاون بنوعية المياه وليس حصص توزيعها”؟

بدوره، تحسّر وزير حقوق الإنسان السابق العراقي الدكتور بختيارأمين لغياب تعاون مماثل في الشرق الأوسط، مذكّراً بأنّ “الأوروبيين بدأوا بالفحم والحديد، وانظروا إلى الإتحاد الذي وصلوا إليه اليوم”.

شدّ سبريفكو على أيديهم. وقال: “لا تستلموا، يمكنكم أن تجدوا سبيلاً والبدء بالتعاون على الصعيد التقني”، مضيفاً: “في غياب اتفاق صلب على الصعيد السياسي، يمكنكم العمل على مستوى الجامعات والجوانب التقنية، وهذا سيؤدي لاحقاً الى ممارسة ضغط على السياسيين للتعاون، والجامعة العربية قد تساعدكم في ذلك”.

رئيس تحرير موقع” All for Syria” الدكتور أيمن عبد النور إستوضح عن كيفية مساندة الإعلام لمسيرة الراين.أجابه سبفريكو بأنّ حملة التثقيف والتوعية بدأت من المدارس، وقال لـ”الجمهورية”: “إنّ الإعلام رفع رسالة سنموت، إذا لم تتحركوا”.

إقترح الصحافي الكردستاني العراقي هوا عثمان انتاج وثائقي يُعرّف بكل الأنهر المشتركة، وتحويل لجنة الإعلام إلى إطار يتيح خلق المعلومات وتبادلها. عبد النور دعا بدوره إلى تخصيص يوم لقضية المياه ووضعها على الروزنامة السياسية للبلدان المنضوية تحت مبادرة”السلام الأزرق في الشرق الأوسط”، فيما اقترح أمين إنتاج فيلم وثائقي مشترك بجهد صحافي تركي – عراقي عن دجلة والفرات.

مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة الأمم المتحدة، الدكتور وليد صالح إقترح “أنسنة قضية المياه، وأن نجلس معاً ونبحث مصلحة الشعوب”.

تواصل النقاش، حيث اقترح رئيس “Strategic Foresight Group” واسليكرسنديب تشكيل مجلس إستشاري بين العراق وتركيا، وتوقيع وثيقة تفاهم بين البلدين، وأن يكون الجانب السويسري عرّابها.

إقتراح قابله الجانبان التركي والعراقي بالترحيب. ورأى ياكيش أنّ الدعم السويسري قد يردم الفجوة بين البلدين بمساعدة المنظمة الهندية.
سويسرا قبلت المهمة، لافتةً إلى أنّ انخراط البرلمان والحكومة الفدرالية والإعلام السويسري، بدعم مبادرة السلام الأزرق، دليل على أنّ هؤلاء مجتمعين يرون خيوطاً من الأمل وسط غيوم اليأس.

الجولة الميدانية

إنتقل المؤتمرون إلى محطة المراقبة السويسرية حيث يقاس مستوى المياه، لاستباق احتمال حدوث فيضانات، وتتوزع محطات مراقبة في 26 كانتوناً سويسرياً. أعقب ذلك زيارة إلى محطة المراقبة في بازل، التي كان وراء بنائها حريق مستودع ساندوزعام 1986.

مأساة قرر بعدها السياسيون في ألمانيا وسويسرا البحث في تأسيس محطة مراقبة بشكل ثنائي.كانت مهمة لجنة حماية الراين أخذ عيّنات كل صباح وفحص المياه، لمعرفة حجم المواد السامة لمياه يشرب منها 20 مليون نسمة.

وقد أطلقت الدول المحاذية للراين برنامج عمل مشترك، بهدف تأمين طويل الأمد لمياه الشرب، إزالة التلوث من الرسوبيات، إعادة تثبيت الأنواع الراقية من السمك (السلمون) وحماية بحر الشمال.

المحطة الثالثة كانت زيارة إلى المعهد الفدرالي الألماني للهيدرولوجية( BfG) في كوبلنز، حيث كان لسان حال المؤتمرين، ما الذي جعل التعاون بين أعضاء لجنة الراين “ICPR” ممكناً وناجحاً؟

أقرّت الدكتورة آن شولت وليفرليدغ أنّهم “إستغرقوا وقتاً لبناء الثقة، وعقدوا ما بين 70و 80 إجتماعاً في السنة، وأول اتفاقية كانت برن، وكان الهدف أن يعيش شركاؤنا وفق هذا الحل”.

وقد سبقها تبنّي وزراء الراين في 12 تشرين الثاني 1986 برنامج الراين لحماية النظام الإيكولوجي.ونصحت وليفرليدغ الحاضرين بأنّ “مفتاح تحقيق التعاون هو توافر إرادة سياسية، وإنّ الدول الأعضاء في الإتفاقية يحكم عملهم التوافق وليس هناك عقوبات تطاول أحدهم لانّهم يلتزمون بنودها”. الزعبي تساءلت:”كيف يمكننا إقناع دول الجوار بالتعاون بين دول المنبع والمصب، وسط تحجّج كل دولة بحقوقها المائية؟”

أمين من جهته، ذكّر بمعضلة غياب تقاسم المعلومات في شأن موارد المياه المشتركة بين بلدان الشرق الأوسط، واقترح إنشاء “آلية مراقبة مشتركة للتنبؤ وتقييم مستوى التلوث ومخاطر الفيضانات على نهري دجلة والفرات، وتشكيل لجنة للتعاون في حوض دجلة والفرات مماثلة للجنة الراين”.

وقال: “إنّ الناظم لعلاقتنا المائية هو مذكرات تفاهم، إحداها ثلاثية بين تركيا والعراق وسوريا، وتفاهم آخر مع الجانب الإيراني، في ظلّ غياب إتفاقية ثنائية أو متعددة في المنطقة لتقاسم المياه بين الدول المتشاطئة على نهر دجلة والفرات”، مشدّداً على أنّ التفاهم السياسي وحده كفيل بتسهيل التعاون المائي.

طمأنتهم وليفرليدغ “اذا كان عقلكم منفتحاً ستتمكنون من التعاون. نعمل منذ أكثر من 60 عاماً، ولدينا محطة مراقبة وإتفاقية، تحتاجون الوقت للإجتماع معاً وبناء الثقة”. ما إن جاء دور عرض دراسة لسيناريوهات التغير المناخي لعام 2050 وتأثيره على حوض نهر الراين، إنبهر المؤتمرون من الأوروبيين الذين ينهمكون في التخطيط للمستقبل، فيما العرب في كوكب آخر.

قاطعهم صالح ليعلن عن قرب موعد نشر دراسة أعدّتها “الإسكوا “، بعد اجتماع نطاق التغيّر المناخي الإقليمي العربي بالتعاون مع بعض الدول العربية والأفريقية، “تتضمن السيناريوهات المستقبلية لـ100 سنة مقبلة”.

بعد هذا العرض، أسف وزير المالية اللبنانية السابق محمد شطح، لأنّ الإختلافات بين الدول التي تتشارك نهر الراين، والتنافس بينها وتعدّد لغات سكانها، لم يحل دون تنظيم إستخدامه لأغراض الزراعة والملاحة وتمركز السدود. وقال لـ”الجمهورية”:”في بلداننا الأمر ليس موضوع تنازع حصص، بل غياب إدارة عامة ترتقي الى ما هو مطلوب، ويبقى موضوع المياه ثانوياً وسط استمرار النزاعات والحروب”.

من جهته، إنتقد النائب اللبناني الدكتور باسم الشاب عدم وجود أرقام دقيقة في ما خصّ نهر الليطاني، مقترحاً إنشاء محطة لمراقبة المياه وتشكيل وكالة حماية بيئية مستقلة عن الوزارت لحماية أكبر خزان مائي في لبنان من التلوث.

وقد أوضح الشاب في اجتماع مع لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان السويسري أنّه “ما يزيد من أهمية “السلام الأزرق” حاجتنا الى مفاوضات غير مباشرة، في ظلّ وجودنا في حال حرب مع إسرائيل، إذ يمكن لهذه المبادرة أن تلعب دوراً أكبر”، متوقعاً أن يصبح لدى لبنان “فائض من الطاقة مع اكتشاف الغاز لمدة 100 سنة، وفائض من المياه”، مستنداً إلى دراسة “الذهب الأزرق” التي أعدّها ملتقى التأثير المدني في لبنان.

ويبدو للوهلة الأولى أنّ الجولة الميدانية بدأت تؤتي ثمارها، إذ كشف أمين في حديث لـ”الجمهورية” إنفتاح الجانب التركي للتعاون مع الجامعات العراقية على المستوى الأكاديمي، وشدّد على أنّ الحكومة العراقية تمدّ يدها للتعاون مع جميع جيرانها في شأن كل القضايا بما فيها المياه، مقترحاً تنظيم مؤتمر للمياه في كردستان العراق العام المقبل.

وأعاد التذكير بأنّ مجلس الوزراء العراقي أنهى الجوانب التقنية من مشروع قانون تشكيل مجلس وطني للمياه، على أن يُعنى مجلس الشورى ببت المسائل القانونية، مشيراً إلى أنّ”تركيا لديها مشروع اليسو على نهر دجلة، وعند الإنتهاء منه ستنخفض مياه النهر من 20 إلى 9 مليار متر مكعب، وستحلّ كارثة على نحو 670 ألف هيكتار من الأراضي الزراعية في العراق”، فضلاً عن تراجع منسوب نهر دجلة بفعل ظاهرة إستحواذ الأراضي على نهر فيش خابور في الحكسة ما بين سوريا والعراق وتركيا، وداخل أراضي كردستان لمصلحة بلدان خليجية لاستخدامها زراعياً.

ويبقى هاجس “Strategic Foresight Group” أنّ “أي دولتين تربطهما المياه، أن لا يذهبا الى الحرب”، مختتمة جولتها الميدانية بالاعلان عن نيتها إطلاق تقريرها” التعاون المائي لعالم آمن” في عمّان نهاية تشرين الثاني المقبل.

 

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 15 + 12 ؟
Please leave these two fields as-is: