«السلام» في الشرق الأوسط قوامه «تعاون مائي إقليمي»

آراء ومقالات ديسمبر 06, 2013 No Comments

بقلم: مي صايغ

يُروى أنّ رجل أعمال آثر عدم تقسيم ثروته بين أبنائه الثلاثة، فقرر ان يختبر الأكفأ بينهم لإدارتها. فأعطى كل واحد منهم ديناراً، وطلب إليهم ملء الغرفة بشيء بهذا المبلغ الزهيد. الإبن الأول رأى استحالة هذا الأمر فانسحب، أما الثاني فقد سعى الى تعبئة الغرفة بأكبر كمية من الأوراق، في حين أذهل الإبن الثالث والده، وقام بإضاءة شمعة ملأ نورها المكان.

MaiSayegh

قصة حقيقية ينطلق منها رئيس منظمة “Strategic Foresight Group” الهندية للأبحاث صنديب واسليكر ليؤكّد على أهمية مبادرة “السلام الأزرق في الشرق الأوسط” التي تسعى إلى خلق مجتمع قوامه تعاون مائي إقليمي، بدل الإستمرار في لعن الظلام، والتسليم بأنّ النزاعات سمة العلاقات بين دول المنطقة.

ويقول واسليكر خلال مؤتمرعمّان الذي انعقد في الجمعية العلمية الملكية في 28 تشرين الثاني، حيث أطلقت المنظمة الهندية تقريرها “التعاون المائي لعالم آمن: التركيز على الشرق الأوسط” برعاية رئيس المجلس الإستشاري للمياه والصرف الصحي التابع للأمين العام للأمم المتحدة الأمير الحسن بن طلال: “أنّ أي دولتين ﺗﺘﻌﺎونان ﻓﻲ ﻣﺠﺎل المياه ﻻ تذهبان اﻟﻰ اﻟﺤﺮب ﻷي ﺳﺒﺐ ﻣﻦ اأﺳﺒﺎب”.

نتيجة خلص إليها التقرير الذي يقترح النظر إلى الموارد المائية المشتركة العابرة للحدود على أساس إنساني لا سياسي، ويحذّر من مشكلة غياب الثقة بين الدول التي تتشارك الأحواض المائية، ويعتبرها أكثر خطورة من شح المياه نفسها. وينبّه من أن تكون المياه سبباً في نزاعات مستقبلية جراء غياب التعاون الفعّال بين الدول التي تتقاسم أحواضاً مائية عابرة للحدود.

وعلى رغم كون دول عدة في الشرق الأوسط أطرافاً في اتفاقات في مجال المياه، اعتبر التقرير أنّ التعاون الإقليمي الحقيقي لا يزال مفقوداً.
ومن بين 148 دولة شملها التقرير، بدا أنّ 111 منها لا تواجه خطر النزاع بسبب التعاون المائي.

ويلاحظ التقرير أنّ 37 دوﻟﺔ من بين الـ 148 هي في خطر الدخول في حرب بسبب قضايا أخرى غير المياه، بما في ذلك الأرض والدين والتاريخ، والأيديولوجيا، ومن المصادفة أن تكون الدول الـ37 هي نفسها التي لا تنخرط في تعاون مائي مع جيرانها.

ويشير التقرير “إلى أنّ سوريا، العراق، لبنان، الأردن، إسرائيل، تركيا وفلسطين، لديها جميعاً معدل حاصل التعاون أقلّ من 11 في المئة مع جيرانها”، وبما أنّ غالبية دول الشرق الأوسط هي دول مصب وتعتمد على جيرانها، يقترح التقرير أن تستوحي هذه الدول تعاونها من الأمثلة المطروحة، أو أن تستمر في الشكوى ومن دون حل.

تعاون إقليمي يدعو الأمير الحسن الى التقاط فرصه عبر تحفيز المجتمع المدني والنقابات وتمكين الناس من إدارة مستقبلهم، “فهم يريدون حلولاً، ويدفعون يومياً كلفة استمرار النزاعات في الشرق الأوسط”.

ويشدد على ضرورة التركيز على “الوجه الإنساني للمأساة والكرامة الإنسانية بدل الإنشغال ببناء المجمّعات التجارية الضخمة وبذخ الأموال على استضافة الألعاب الأولمبية”، متسائلاً: “لماذا لا نبدأ من الطاقة والمياه على غرار الدول الأوروبية التي انطلقت من الفحم والصلب؟”

توافق السفيرة السويدية في الأردن هيلينا ريتز الحسن بأنّ الوقت حان للتحرك، مبديةً حماسة حكومة بلادها ودعم الوكالة السويدية الدولية للتنمية والتعاون، تسهيل الحوار والتعاون بين دول الشرق الأوسط في إدارة مواردها المائية المشتركة.

عضو المكتب الإستشاري للأمين العام للأمم المتحدة كوس ويركس بدوره “يحذّر من أنّه إن لم نتحرك الآن هناك فجوة مائية ستواجه العالم بنسبة 40 في المئة”، مذكّراً بأنّ بان كي مون شكّل مجلساً إستشارياً لتسريع تحقيق أهداف الألفية الإنمائية.

في الشق العملي، شكّل المؤتمر منصةً لاستعراض تجارب التعاون المائي العابر للحدود في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا والأمم المتحدة، واستحوذت التجربة الأردنية على حصة كبيرة من النقاش.

التجربة الأردنية

تجربة تعرضها الأمين العام السابق في وزارة المياه والري الأردنية الدكتورة ميسون الزعبي، وتتطرّق خلالها إلى نهر اليرموك الذي تتقاسمه المملكة الهاشمية مع سوريا، ونهر الأردن الذي تتشكّل روافده من لبنان وسوريا.

فعلى اليرموك، أقيم سد الوحدة المشترك بين الأردن وسوريا ، لكنّ دمشق بنت 42 سداً عام 2000 داخل أراضيها لتضاف إلى 26 الموجودة أصلاً، متنكّرةً بذلك للإتفاقات السابقة مع عمّان، وفق ما تؤكّد الزعبي.

يتفق المدير العام في سلطة وادي الأردن سعد أبو الحمور مع الزعبي في تحميل الجانب السوري مسؤولية تحويل مياه اليرموك. ويقول: “قدّمنا رسالة استنكار الى الجانب السوري، فكان ردّه لن نعطش، طالما لا نزال سوريين”.

وعلى رغم ذلك، تصرّ الزعبي على أنّ التعاون بين الدول التي تملك موارد مائية مشتركة يتيح تقاسم المنافع، وفي حال الأردن وسوريا يؤدي تحسين النقل العام والبنى التحتية إلى تسهيل السياحة، وفتح نافذة جديدة لتصدير المنتوجات السورية عبر البحر الأحمر، والأردنية عبر البحر المتوسط، وفي استطاعة سوريا على سبيل المثال أن تحسّن إدارة المياه كونها دولة المنبع، بشكل يمكّن عمّان الإستفادة من كميات إضافية وتخزينها في سد الوحدة لتوليد الكهرباء وتزويدها إلى دمشق.

إسرائيل بدورها لا تلتزم كلياً بنوعية المياه والحقوق التي أقرّتها إتفاقية “وادي عربة” عام 1994 للأردن، إذ لا تنكر الزعبي أنّ “إسرائيل أعطتنا مياهاً غير صالحة للشرب، وليس مياه مجارير”. وتقول لـ”الجمهورية”: “لو حصل ذلك بالطبع لن نستمر صامتين”.

إتفاقية لا يرى الحمور أنّها “أنجيلاً مقدساً وهي قيد التفاوض المستمر، وبالتالي قد يؤدي التغيّر المناخي إلى إعادة النظر بها”. أمّا عن مشروع القناة التي تربط البحر الأحمر بالبحر الميت، يقول الحمور: “لن نترك الأردنيين عطشى، كما أننا لن ننسى تأمين المياه لأخواننا الفلسطينيين”.

مشروع إقليمي “سنبيع لإسرائيل مياهاً بموجبه من الجنوب ونشتري منها من الشمال، فهم بحاجة للمياه من الجنوب ونحن بحاجة للمياه من الشمال” على حد تعبير الزعبي، التي تعزو استبعاد الدولة العبرية عن مبادرة”السلام الأزرق” كون لبنان وسوريا لم يوقّعا معاهدات سلام معها، في وقت يوضح وزير حقوق الإنسان السابق العراقي الدكتور بختيار أمين أنّ هناك مجموعة تلتقي توازياً مع مجموعة السلام الأزرق من الفلسطينيين والإسرائيليين تحت مظلة المنظمة الهندية.

بالإنتقال الى التجربة الآسيوية في التعاون المائي العابر للحدود، يعرض سوفيرن شييا مدير برنامج لجنة نهر ميكونغ الذي ينبع من هضبة التيبت تجربة كل من لاوس وتايلاند و كمبوديا وفيتنام في تأسيس مفوضية نهر الميكونغ للإشراف والتنسيق على إدارة واستخدام موارده في عام 1995، لتعود وتنضمّ كل من الصين وميانمار إليهم كشريكي تفاوض لموارد النهر.

نهر السنغال

إفريقياً، يشرح السفير الموريتاني السابق ومدير العلاقات الخارجية والإعلام في منظمة “التحالف العالمي للأراضي الجافة” باباه سيدي عبدالله كيفية التسيير التضامني لمياه نهر السنغال، الذي يمرّ عبر 4 دول، هي غينيا ومالي السنغال وموريتانيا، ومصادقة رؤساء مالي والسنغال وموريتانيا عام 2002 على ميثاق لمياه النهر، بشكل يضمن الإدارة المتوازنة لمياه النهر والإستخدام المنصف واعتماد التفاوض سبيلاً لحلّ أي نزاع قد ينشأ.

ويسلّط عبدالله الضوء على دور الوسيط الذي قامت به منظمة استثمار نهر السنغال في تسوية الخلافات بين الأطراف، ولا سيما خلال المواجهات الدامية عام 1989 بين موريتانيا والسنغال.

ويقول: “إنّ المياه لن تكون محور الحروب المقبلة اذا توافرت الإرادة السياسية لتقاسمها بشكل عادل، وانتشر الوعي بالمصالح المشتركة للبشر، ونجحت جهات مثل مبادرة السلام الأزرق في توسيع نطاق دبلوماسية المياه، فالسلام الأزرق لا يكون الّا بالتقاسم العادل للذهب الأزرق”.

توازياً، تشيد المستشارة في اللجنة الروسية – الفنلندية للمياه العابرة للحدود مينا هانسكي بالإتفاق بين روسيا وفنلندا، الذي وُقّع عام 1964 وصمد خلال الحرب الأهلية وحتى بعد انهيار الإتحاد السوفياتي.

وترى صونيا كوبيل ممثلة لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية لأوروبا (UNECE) أنّ الإتفاقية الخاصة بهذه اللجنة يمكن أن تشكّل إطاراً قانونياً يمكن الإستلهام منه في الشرق الأوسط، وتتيح تبادل الخبرات وبناء القدرات للدول في مجال سلامة السدود وحلّ إشكاليات أحواض الأنهار على سبيل المثال.

يتواصل النقاش، ويقترح مدير”برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” في جامعة الأمم المتحدة، الدكتور وليد صالح الكف عن التحجج بغياب الإرداة السياسية لتحقيق التعاون. ويقول:”علينا بحث كيفية تحفيز الإرادة السياسية”، مستشهداً بقدرة سكان الأهواز العرب على منع قرار الحكومة الإيرانية بتحويل مجرى نهر في شط العرب، حيث شكلّ السكان سلسلة بشرية لوقف هذا المخطط.

ماذا تحقق؟

أمّا الخطوات العملية التي انبثقت عن “السلام الأزرق”، استلهمت من تجربة “اللجنة الدولية لحماية نهرالراين” في التعاون، وتتمثّل بإعلان الدكتورة في قسم العلاقات الدولية في جامعة أوكان التركية عيشا غول عن “انطلاق التعاون على المستوى الأكاديمي بين العراق وتركيا كخطوة أولى، والبدء بقياس كميات تساقط الثلج”.

وتقول لـ”الجمهورية”: “إخترنا قياس كميات تساقط الثلج للإيذان بانطلاق النقاش، وقد يمتد التعاون ليشمل قياس التلوث في ما بعد”، وقد عرض كريستوف بوش من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون “SDC” دعم بلاده التقني لهذا التعاون.

إعلامياً، يقترح الصحافيان، العراقي الكردي هوا عثمان، والتركي كريم بالجي، تأسيس موقع الكتروني للشبكة الإعلامية “Blue Peace.me” على أن يُطلق رسمياً مطلع العام المقبل بهدف زيادة الوعي في قضايا التعاون المائي الإقليمي.

على ضوء هذه النتائج، يبدو واسليكر أكثر تفاؤلاً بعد 3 أعوام على انطلاق مبادرة السلام الأزرق، فالشمعة التي أضاءتها “Strategic Foresight Group” استطاعت الصمود في وجه رياح التغيير التي شهدتها المنطقة العربية. ويقول: “في 2010 التقينا الرئيس التركي عبدالله غل في مومباي، حيث ناقشنا بناء مجتمع كامل في الشرق الأوسط .

وعشية انعقاد مؤتمر عمّان، قررت أكثر من 25 وسيلة إعلامية نشر مقال الرأي الذي كتبته والأمير حسن عن التعاون المائي لعالم آمن، وبالتالي نحو 10 مليون قارئ إطلعوا على هذه المبادرة، ولا شك أن وجود موقع الكتروني للشبكة الإعلامية سيجعل الناس أكثر انخراطاً “.

ويختم قائلاً: “هذا نتيجة جهودكم جميعاً، ونتطلع إلى توسيع الهيئة العليا للسلام الأزرق الى منتدى، لنثبت أنّ التعاون ليس رياضة أوروبية، وهو قابل للتطبيق في الشرق الأوسط ” . ويبقى الأمل بأن تنجح دول الشرق الأوسط في التماس نور الشمعة التي أضاءتها المنظمة الهندية لوضع لبنة تعاون مائي إقليمي يجنّب المنطقة المزيد من الحروب، وتتعظ من الحكمة التي جسّدها “الإبن الثالث” بإنجازه الكثير بأقل القليل.

(المصدر: الجمهورية)

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 15 + 4 ؟
Please leave these two fields as-is: