العمل الصحفي في سوريا… ثمن الحقيقة واحد

آراء ومقالات مارس 26, 2015 No Comments

بقلم: يارا بدر “الغارديان”MazenDarwish

التقيت مازن درويش أول مرّة من خلال أصدقاء في أحد مقاهي العاصمة السورية في أيلول من العام 2009, وبدأنا العمل على مشروع حول آليات الرقابة الثقافيّة في سوريا. لم ير هذا المشروع النور, إذ كان على طاولة عمل مازن في مكتب “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” الذي أسّسه في دمشق عام 2004, الذي داهمته قوى المخابرات في صباح يوم الخميس 16 شباط 2012.
حين التقيت مازن للمرّة الأولى كان غاضباً من إغلاق مقر مكتبه للمرّة الثانية, لكنه تعلّم خلال سنيّ عمله في سوريا ومعرفته بالقوانين التي تحكم عمل الصحفي فيها كيف يتحكم بهذا الغضب, ويحوّله إلى طاقة للبناء. يملك درويش إصرارأً مُبهر. في لقاءنا الثاني الذي أتى بعد أيام تحدّث عن فكرة المشروع وأهدافه, كان قد وقف على قدميه مُجدداً, وبدأ المشاكسة من جديد.
“المشاكسة” هو ما نصف به غالباً أي فعل هو من حق الإنسان لكنه في سوريا ممنوع. هناك مشاكسة إعلاميّة, وهناك مشاكسة سياسية وقد لا تتعدى الحديث الساخر في مكانٍ عام, أجل كانت حتى جرأتنا اللغوية محدودة فهذا ما فُرِضَ علينا التعامل معه طوال عقود. لكن ليس مازن, فهو لا يشبه الكثيرين منّا نحن الذين نحاول الاندماج في مجتمعٍ مسحوقٍ في واقع الأمر. مازن يثق بالآخر أياً كان, انطلاقاً من قناعته بأنّه لا يمارس أي شيء سرّي, وغالبيتنا ترى في الآخر- أيّاً كان- شخصاً يمكنه أن يكتب تقريراً إلى الجهات الأمنيّة يدّعي فيه أنك تلفّظت بشيءٍ ما, وعليه تختفي!! مازن يتحدّث بلغة ربما لا يفهمها إلى الأقليّة من السوريين, لغة يضم قاموسها كلمات مثل “حقوق الإنسان, الحق في المعلومات, حريّة الرأي والتعبير” وهي للغالبية السورية في عام 2009 مفاهيم تنتمي لشعوب أخرى ربما, تُذكر في أحد الأفلام ربما, سُرياليّة عجائبيّة للأكثريّة التيي قرأت في كتب المدرسة أنّ الدستور السوري يحمي الحق في الرأي والتعبير, لكنها نست هذا السطر وما يعنيه, في بلدٍ تكثر فيها قصص اختفاء البشر.
مازن نفسه, وربما كما كنّا نعلم جميعنا في قرارة أنفسنا, سيعرف هذه التجربة, وإلاّ لما كان لكونه استثناءً أي حقيقة. طوال تسعة أشهر بقي مازن قيد الاختفاء القسري بحسب توصيف لجنة الاعتقال التعسّفي التابعة للأمم المتحدة في قراراها الصادر بتاريخ, تعرّض خلالها للتعذيب الشديد, ثمّ أحيل إلى سجن دمشق المركزي “عدرا”, ومؤخراً وهو على أعتاب انهاء عامه الثالث في المعتقل, قرّرت السلطات المعنية وبشكلٍ مُفاجئ تحويله إلى سجن مدينة “حماة” المركزي.
التهمة! “الترويج للأعمال الإرهابية” رقم (8) من قانون الإرهاب الصادر في وقتٍ لاق لزمن الاعتقال, والمحاكمة أمام محكمة الإرهاب التي تأسّست بعد الاعتقال وتعمل بكونها محكمة استثنائية. أمّا لائحة الاتهام التي قدّمتها النيابة العامّة فاعتبرت أنّ أنشطة عمل “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” يهدف إلى “زعزعة الوضع الداخلي في سوريا بهدف ضمان أنّ المنظمات الدولية تدين سوريا في المحافل الدولية”, وشملت هذه الأنشطة معلومات رصد نشرت على مواقع الانترنت, ونشر تقارير حول حقوق الإنسان وحالة وسائل الإعلام في سوريا، وحفظ سجل بأسماء المعتقلين، المفقودين، وضحايا قتلوا في مسار الصراع السوري.
أجل في سوريا كل شيء ممنوع باستثناء التصفيق, فإنّا تكون معنا, أو لا تكون. فحين لا تكون معنا أنت مع الأعداء. في سوريا رُبِطَ الوطن بالأمن, والأمن بمقياس يضعه بضعة رجال وذلك من تفعيل حالة الطوارئ في البلد في (8) آذار من العام (1963), حين أصبح الاجتماع ممنوعاً, وتشكيل الصحف والجميعات ممنوعاً, والرأي السياسي ممنوعاً, والعمل الصحفي بالضرورة والمحُصّلة ممنوعاً.
رفض مازن درويش هذا التقسيم, واتخذ موقفاً واضحاً مبنيّ على إيمانه بأنّه: (لم تستطع في يومٍ من الأيام أي جماعة أو حكومة, أو نظام احتكار الحقيقة, أو إخفائها, أو حتى طمس وجهٍ من أوجهها حتى في زمن الجدران الفولاذية والأيديولوجيات الأحاديّة, والمجتمعات المغلقة). ولم يمارس سوى دوره الصحفي في أعلى مستوياته فعاليّة, وأكثرها أخلاقيّة, مُذكراً بما فعله كلّ مدافع عن الصحافة وحقوق الإنسان, ألم يتصدّى الصحفي الأمريكي “إدوارد. آر. مور” للحملة “المكارثيّة” ضدّ الشيوعية في أمريكا (1953) حين دافع من خلال برنامجه الإذاعي “شاهدوه الآن”عن الحرّيات المصونة في الدستور الأمريكي وأنّها يجب أن تعلو على مبدأ الأمن الوطني. ألم يهبّ العالم في مطلع هذا العام للتضامن مع صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة التي تعرّضت صباح (7 كانون الثاني 2015), لهجومٍ وحشيّ, مُنظّم راح ضحيته أربع من أهم رساميّها؟!
في نهاية نهاية فيلم “الديكتاتور العظيم -The Great Dictator” الذي عُرِضَ أوّل مرّة في “15 تشرين الأوّل- 1940″, يقول”شارلي شابلن” خطابه الشهير: (جميعنا نريد مساعدة بعضنا البعض, هذه هي طبيعة البشر, لكننا ضللنا الطريق. لقد دخلنا عصر السرعة, لكننا أغلقنا على أنفسنا, الآلات التي وجدت لتسد حاجياتنا قد زادت هذه الاحتياجات, المعرفة جعلتنا كالمغفلين, وذكاؤنا صار وحشيّاً وقاسياً. نفكر كثيراً, ونشعر قليلاً. نحتاج إلى الإنسانيّة أكثر من الآلات. الأفراد يموتون, لكن الحريّة لا تموت).
في كل بلد هناك “شارلي إيبدو”, وفي كل زمن هناك من ينتصر للإنسانيّة, ويرفض أن يتخذ من الصمت درعاً واقياً له, ننتصر لمازن درويش والصحفيين أينما كانوا. في سوريا لا يعترف أيّ من الأطراف المتصارعة بكلمة “Press” كشارة دوليّة توجب الحماية للصحفيين, لكننا في المقابل نرفض أن نكون جزءاً من اللعبة الكبيرة, سنبقى على الهامش. وعلى الرغم من انتصار المكننة على الإنسانيّة, السياسة على الحقوق, لكن أحداً لا يستطيع إلغاء قوّة الهامش. سنقاوم بالكلمة واقعنا كاسرى للوقت, إذ إنّ انتصارنا للفرد في مثل هذه الحالات هو انتصار للإنسانية والفكرة التي لا تموت.

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 8 + 9 ؟
Please leave these two fields as-is: