ترجمة ليوميات الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو الذي تم اختطافه في العراق يوم 20 آب

آراء ومقالات أبريل 19, 2010 No Comments

 

ويعيد علينا زميلنا الصحفي وهو الذي كان رهينة للجيش الإسلامي العراقي مع “كريستيان شينو” من إذاعة فرنسا الدولية وسائقهما السوري محمد الجندي وصفاً للعلاقات التي رغب الرهائن في إقامتها مع مختطفيهم تخفيفا للتوتر القائم.
وفي غمرة الأحداث يقص أحداث نقله من معتقل إلى آخر، وما صاحب ذلك من استجوابات، وبعض المقتطفات مما أتيح له التقاطه عما يحدث في العالم الخارجي. وفي آخر المطاف يصف تحريره وارتياحه حين وجد نفسه بين يدي السلطات الفرنسية، قال:
اختطفنا يوم الجمعة 20 أغسطس حوالي الساعة العاشرة، وكنا في الطريق إلى النجف لتغطية حصار الجيش الأمريكي لمقر الإمام علي ، حيث تحصّن مقتدى الصدر وأتباعه. وكان عَلَيَّ أن أكتب مقالا لإذاعة “أر.ت.ل” سيذاع مباشرة على الهواء. وقد أعددته في السيارة. وفي الساعة الثامنة وأربعين دقيقة هممت بإرسال مقالي عبر هاتفي الجوال العراقي، ولكنه أشار أن “الشبكة منعدمة”. كنا على بعد 25 كلم عن النجف فخاطبت إدارة التحرير بالإذاعة وطلبت منهم مخاطبتي على الساعة 8 و55 دقيقة حسب توقيت بغداد لأرسل لهم المقال عبر الهاتف الفضائي “الثريا”. ولكن مشكل الثريا أنه يستوجب التوقّف. فتوقفنا عند الساعة 8 و55 دقيقة وانتهيت من إرسال مقالي ثمّ انصرفنا. وبعد حوالي عشرين دقيقة تمّ اعتراض سبيلنا – أتصور – والأمر يبدو محتملا – أنني لوحظت خلال الخمس دقائق التي استغرقها إرسال مقالي من قبل المكلفين باختطاف الرهائن. (اعتقد أنني اخترت الزمان المكان غير المناسبين).
وما قد يبدو سوريالياً بعض الشيء، أن “باتريك فاندو” الصحفي بالقناة الفرنسية الأولى كان قبل ذلك قد خاطبني ليسألني إن كان طريق النجف آمنا، فنصحته بالتزام الحذر لوجود موقع خطر على ذلك الطريق…
منذ عودتي إلى بغداد في 8 أغسطس خضعت إلى طلبات ملحة من وسائل الإعلام. اشتغلت كثيرا ولم يخطر ببالي – كما لم يخطر ببال كريستيان و”أبو أيمن” (السائق السوري محمد الجندي)- أننا كنا في مكان غير مناسب والحال أننا كنا نعرف ذلك.

في الساعة 9 و45 دقيقة تقريبا وصلنا إلى طريق صغير فوجدنا طفلين فوق جسر سألناهما عن طريق كربلاء. أشارا علينا بالعودة على أدراجنا لنسلك نهجا على اليسار. ففعلنا. وبعد خمسة دقائق أستوقفتنا سيارتان؛ واحدة أمامنا والأخرى خلفنا، وأحاط بنا أنفار بجلابيب بيضاء (ثلاثة تقريبا).

أًُسرنا، وحينها كنت في الخلف أقرأ بعض الوثائق، فقلنا في الحين: “نحن صحفيين فرنسيين.. صحفيين فرنسيين،” فأمرونا بالخروج ولم نبد أي مقاومة. لقد تم أسرنا دون طلقة نارية واحدة.
لم يكن مختطفونا يضعون أقنعة. وضعوني في الصندوق الخلفي للسيارة فقلت في نفسي علي بالهدوء، “عليك أن توطن نفسك على أنّك في سفر يدوم يومين أو ثلاثة”.
وكان قبل ذلك قد تم اختطاف صحفي بريطاني وتم إطلاق سراحه بعد ثلاثة أيام، وقبل ذلك أيضا اختطف ألكسندر جوردانوف –من وكالة كابا– اعتقلوه في نفس الوقت وفي نفس المكان في شهر إبريل.
وكنت أقول لنفسي: “كن هادئا” ولكن الصدمة وقعت مع ذلك. يقول المرء: “ما الذي يحدث لي؟” ولكن المرء يهدأ فيتنفس.
دام الأمر نحو عشرين دقيقة، ثم وصلنا. ففتح الصندوق، وعصبوا لي عيناي وخفرونا إلى كوخ حيث تركنا معصوبي الأعين ومشدودي الأيدي، أجلسوني إلى شمال كريستيان وكانوا قد أزاحوا العصابة عن عينيه ثمّ قدّموا له صورة الجنرال كيميت مع ابن سائقنا، ولمّا كان كريستيان حصير النظر بعض الشيء، ولم تكن لديه نظاراته لم يتعرّف على الجنرال كيميت. فنال صفعة على خدّه لأن الآخرين لم يكن من السهل عليهم تصديقه، وهو الذي لم يتعرّف حتى على ابن السائق (معتقدا أنّ ذلك أسلم). عندها قال لي كريستيان “وقعنا في مستنقع نتن”. ثمّ انطلقت بنا السيّارة هذه المرّة “أبو أيمن” هو الذي وُضع في الصندوق وكنت في الخلف مع كريستيان مغمض العينين مشدود الوثاق. قيل لنا “اخفضوا رؤوسكم”. خلال الرحلة عبر طريق صغيرة كان الشخص الجالس عن يمين السّائق يشتم شيراك بلسان عربيّ “شيراك كلب” ممّا يعدونه شتيمة، فالكلب عندهم حيوان نجس حسب الحديث النبوي. لم نقل شيئا، قالوا لنا “نحن الآن في كربلاء” فقلت في نفسي إن قالوا ذلك فالأمر غير صحيح”، وواصلنا التأكيد أنّنا صحفيون فرنسيون.
كانوا يتصرفون كأنهم في منطقة آمنة لهم، إذا كانوا أحيانا يفتحون نوافذ السيارة ويحادثون غيرهم. وصلنا قرية معتقلنا لخمسة عشر يوما. أخرجونا وخفرونا حتّى شبه كوخ. دخل كريستيان أوّلا فلمح شخصين خارجين وكان أحدهما القنصل الإيراني الذي تمّ إطلاق سراحه بعد شهر ونصف. والآخر المسؤول عن محطة توليد الكهرباء وقد قُطَعَ رأسه بعد أن استنطقه العراقيون. وصلنا، رفعوا عنّا العصابات ووضعوا الأغلال في أيدينا، كان أبوا أيمن وكريستيان مقيّدين معا. أمّا أنا فوحدي. وبعد ساعة جاؤونا بطعام فوق طبق؛ لوبيا جافّة غير جيّدة وشاي. من المهمّ التأكيد على أنّ إلقاء القبض علينا تمّ دون عنف إذ سنشهد اختطافات أخرى بالغة العنف. لم يحدث عنف فيما عدا الصفعة. الساعة حوالي الواحدة ونحن بصدد الإفطار. كنّا تحت تأثير الصدمة. ذكرنا انّنا في الأسبوع السابق ذهبنا إلى النجف بسلام. وبالأمس مساء قلت لكريستيان: “يستحسن أن نذهب إلى النجف فالمهلة التي حدّدها علاوي تنتهي غدا” كان كريستيان متردّدا فقلت له: “انصت جيّدا مبدئيّا سيوجد هناك صحفيون وصحفيون فرنسيون …” فقرّرنا الذهاب. كان قسم الشؤون الخارجية بجريدة “الفيغارو” والواقع تحت طلب
شديد في باريس يتصل بي يوميّا فكانت تلك أوّل مرّة يتكاثر فيها العمل. كانت الأحداث غزيرة. كنّا في شهر أغسطس ولم تكن الأنباء تحمل شيئا يذكر وكان عليّ أنا أن ألبّي كلّ المطالب. أعددت إثني عشر مقالا لجريدة “الفيغارو” وكانت ثمة مطالب عديدة من طرف محطة الإذاعة “آر – ت- آل” .
بعد ذلك بساعة شاهدنا وصول ثلاثة أنفار وجوههم مقنّعة وبدأوا يخاطبوننا وللتوّ جرّبنا معهم باللغة العربيّة ورقة “نحن صحفيون فرنسيون”. سألونا من نكون؟ وما نفعل هناك؟ أجبنا أنّنا صحفيون فرنسيون وبأننا هناك لأداء عملنا، وخاصّة لإظهار حقيقة المقاومة. ولمّا كان موقف فرنسا أنّ الاحتلال غير شرعيّ كانت الحرب غير شرعيّة، وكلّما عرف التاريخ احتلالا عرف مقاومة. أكدنا لهم أننا لسنا البتة في موقع مؤيّد لأمريكا، فنحن لا نحمل الشّارة التي تسلّمها الحكومة العراقية المؤقتة ويشهد على ذلك أنّنا منعنا من دخول المؤتمر الوطني لأننا لم نكن نحمل تلك الشّارة. قمنا منذ الوهلة الأولى بالتباين مع الأمريكيين والتزمنا بالموقف الفرنسيّ. مرّ اللّقاء بسلام وكنا نتكلم اللغة العربية قلت له بأننا في المنطقة منذ عشر سنوات وأنني أشتغل بجريدة “الفيغارو” وكريستيان بإذاعة فرنسا. كان أولئك الرجال يضعون كوفيات فوق أعينهم وكان دوما رجل مسلّح بالقرب منهم. بعد ساعة أو ساعتين قدم وفد آخر وشرع في الحديث معنا فأعدنا عليهم نفس الخطاب. قلنا منذ الأوّل علينا أن نتكلّم معهم حتّى نعطيهم عربونا يبيّن لهم أننا صحفيون فرنسيون وأننا هنا لأداء
عملنا وأننا لسنا قطعا موالين للأمريكيين. أنّا ببغداد منذ أكثر من سنة ونصف قلّما كتبت مقالات موالية للأمريكيين. نحن نتفهّم تماما مواقف المقاومة ونحن هنا لنقلها. كنّا مشغولين بإقامة علاقات تواصل مع المختطفين فذاك أمر مهمّ. قالوا لنا: “سيزوركم احدهم من الاستعلامات للتحقّق من هويّتكم”. وقبل أن يرحل سألناه عن حين إطلاق سراحنا. أجاب: “غدا أو بعد غد سنتثبّت من هوّيتكم. وأنتم الآن تحت حمايتنا فلا تجزعوا.” إذا فنحن لم يوقفنا قطاع طرق، اكتشفنا بعد ذلك ان للجيش الإسلامي تقسيماً ما للمهام. فثمة من يوقف النّاس في الطريق ومنهم من يستجوبهم ومنهم من يقوم على حراستهم ومن يطلق الأحكام عليهم. لقد خففت إجابة الرجل من الضغط، قال لنا المختطفون أنّ الوفد الثاني سيحمل معه كاميرا وأنّه سيسجّل شريطا وأنّهم سيستجوبوننا. قلت: “اسمي جورج مالبرنو وأشتغل بج
ريدة «الفيغارو» وأنا بهذه البلاد منذ سنة ونصف وأسعى إلى إبراز حقيقة الاحتلال الأمريكي للعراق”. كان ذلك يوم الجمعة حوالي الساعة الخامسة مساء، كان كلّ شيء يتمّ في ظروف طيّبة، ودون استعراضات مسلّحة. كلّ ما في الأمر أنّه كان بباب الكوخ حارس يحمل كلاشينكوف. أنجز
الشريط ولم يخطر ببالنا شيء سيّء. فكرنا أنّهم سيُعطون الشريط لقناة الجزيرة، فتتولّى الإعلان عن اختطافنا. حوالي الساعة الثامنة فتح الباب ورأينا أحدهم يحمل حقيبتي حيث وضعت حاسوبي، ففتح الحقيبة وشرع يعيد إلينا جوازات سفرنا. تحادثنا فقلنا في الأمر خير. ثمّ اقترب من أبو أيمن وأخرج صورة فوتوغرافية بحنق. وجدوا في السيارة صورة يبدو فيها الجنرال كيميت مع ابن أيمن. فارتابوا بأن الأب جاسوس دسّه الأمريكيون للتجسّس علينا. فقال أحدهم أنّ وجهه وجه جاسوس. وحلّ غضب عظيم. قلنا ليس في الأمر خير. بدا الانفعال على أبي أيمن واحتجّ فسألونا عن رأينا فقلنا: “أبو أيمن ثقة ولنا في ذلك حجة مع ابنه الذي فاز بمنحة جامعية للدراسة بالولايات المتحدة من جامعته وهو لا يرغب في ذلك لمعاداته الأمريكيين. عصبوا عينيه وأخذوه إلى الخارج واستنطقوه. ثمّ قالوا لنا: “لا بأس عليكم أنتم، أما هو فقد كان مكلفا بالتجسس عليكم”. فقلنا لهم: “غير صحيح”. عاد أبو أيمن متأثّرا وقال: “سيحكمون عليّ بالإعدام” فجزعنا جزعا على أبي أيمن طبعا ولكننا كنّا خائفين أن يرتدّ الأمر علينا. كنا متعبين ومثقلي الرؤوس.
كان للكوخ شباكان بقضبان وكان مفروشا بكساء للنوم. كان كثير البعوض، وكان به ركن لقضاء الحاجة البشرية وهو عبارة عن نقرة، وكانت هناك قنينة ماء للشرب ولغسل اليدين.

بدا علينا الإرهاق، كنّا متعبين، لدغنا البعوض لساعتين ثمّ نمنا. ولمّا أفقنا صباح يوم السبت فتح الباب فدخل ثلاثة أنفار بينهم جريح، وهم مقدونيان يشتغلان بقاعدة أمريكية ومعهما سائقهما وكان مشجوج الوجه. وتمّ إلقاء القبض عليهم بعد أن هوجمت قافلتهم. كان خدّ السائق جريحا والدم يسيح منه، وضعوه أرضا. لم يكن المقدونيان يعرفان كلمة عربية واحدة ولا أنجليزية. كان أحدهما وهو شاب فارع مصابا برصاصة في قصبة ساقه. قمنا بدور المترجمين. سألنا المختطفون: “هل هم أميركيون؟” أجبنا: “إنهم مقدونيون”. وكان الجماعة مذهولين. لم يفهموا شيئا مما يحدث. جاؤوا للعمل ولم يدركوا انهم وقعوا رهائن، ولم يكن يبدو عليهم جزع كبير. كان ذلك مؤثّرا. علمنا فيما بعد أنهم قطعت رؤوسهم.
لم يحدث شيء يذكر. كنّا كالمسرورين بالتواصل والتحدّث. استطعنا النوم يوم الأحد صباحا. وجاؤوا يطلبوننا، فعصبوا عيوننا وقيّدونا. ووضعوا ثلاثتنا في كوخ قريب، وهناك تقدّم أحدهم قائلا: “أنا المستر “إستخبارات” ونحن رجال الجيش الإسلامي في العراق (وهي حركة ذات مرجعية سلفية تعدّ من 15000 إلى 17000 عضوا) ولنا أربعة أعداء أوّلهم الجنود الأمريكيون وجنود التحالف الآخرين وثانيهم معاونوهم أي رجال الأعمال الإيطاليين وحتّى الفرنسيين، وثالثهم الشرطة العراقية وقد اخترق قسم منها ورابعهم الجواسيس”.
قلنا له: “نحن لا ننتمي إلى أيّ رهط من هؤلاء”.
قال: “مهمّتي التأكّد من هويّتكم”.
طرح علينا أسئلة في أنجليزية سليمة حول هوّيتنا وما جئنا نصنع وما كنّا نصنع قبل ذلك. ثمّ سجّلوا شريطا كررت فيه أنني جورج ملبرونو صحفي بالفيغارو كان إلى جانبه شخص من أولئك الملثّمين وكان يتكلّم شيئا ما الفرنسية، فقد درس بالجامعة وتلقى دروسا في الفرنسية خلال ستة أشهر. كان كلّ شيء يمر بسلام. استجوبنا كل واحد على حدة. ثم قال لنا ستقيمون في فندق ثلاثة نجوم، وأخذنا إلى كوخ آخر كان “فندق ثلاثة نجوم” مزريا. كان كوخا من الطين مساحته ثمانية أمتار مربّعة تقريبا وكان أنظف بقليل من الكوخ الأوّل ذاك الذي كان حقا غير صحّي وكان به بعوض كثير ومروحة ونور يشتغلان على مدار الساعة.
قال لنا: “دوري أنا التحقيق، وستقاضيكم محكمة إسلامية. سأتولّى التحقيق وسأنقل للمحكمة ما سمعته. سيصلكم الرد غدا أو بعد غد.”
كان مزاجي آنذاك أقرب إلى التفاؤل لأننا كنّا نتجاذب معه أطراف الحديث. كان يفسّر لنا الأشياء، فكانت الأمور تبدو تقنية محضة. عاد بعد خمس دقائق حاملا محفظة أوراق وقال لنا: لقد اختلست سيارتكم وحاسوبكم. ما الذي ينقصكم؟” تنقصنا السيارة والحاسوب والهاتف الفضائي وهواتفنا الجوالة. قال: “إنّ الذين أوقفوكم ظنّوا أنكم أمريكيون وأنكم ستقتلون فسرقوا كل شيء. لسنا لصوصا وسنعوّضكم كل ما فقدتم.” ثمّ حدث فصل سوريالي. أخرج محفظته فلمحنا حزمة كبيرة من الأوراق النقدية من فئة المائة دولار وسأل: “كم ثمن حاسوبك؟” أجبنا مازحين: “احتفظ بمالك. من الأفضل أن تطلب من رجالك أن لا يوقفونا في المرّة القادمة إن جئنا إلى هنا”. فألحّ (بالإنجليزية) “لا، لا” فاستعدنا مائتي دولار عن الحاسوب ومائة دولار عن كلّ جوّال. كان الأمر سوريالياً. قال أيضا: “هذا لا يعني أننا سنطلق سراحكم”. فكرنا أننا نمسك خيوط الحلّ، وكان معه أحد الحراس فقال مازحا: (بالإنجليزية) “أعطيناكم المال ولكننا سنقتلكم لاحقا”. فقال الآخر: “مزاحه مروّع”.
كنّا في الحجرة تلك وبدت الأمور جيّدة يوم الأحد ذاك. سننتظر قرار المحكمة. وكنّا واثقين بعض الوثوق. ثمّ جاء شخص للقائنا يوم الإثنين ففتح الباب ومدّ قطعة ورق قائلا: “وقّعوا هنا وقّعوا ”نعم”، جورج مليرنو ”نعم” هذه الورقة لسفارة فرنسا” قلنا هذا خير. حسن أن تمّ الاتصال مع الفرنسيين.
الكوخ شديد الحرّ والكهرباء كثيرة الانقطاع. من حسن الحظّ أنه لم يكن لنا مرحاض، وكان علينا الابتعاد عشرين مترا عن الكوخ فكنا نرى السماء. كنّا ببستان نخل. لقد كانوا يختطفون رهائنهم ويأخذونهم إلى هذه القرية قرب اللطيفية حيث يودّعونهم في أكواخ.
انتظرنا يوم الاثنين فالثلاثاء فالأربعاء، فكرنا: هل سيتخذون قرارهم اليوم أم غدا؟ نحن لا غبار علينا. رأينا يوم الأربعاء ثلاثة أشخاص جاؤوا ملثّمين كالعادة. وقالوا للسّوري: أنت سوري؟ وأنت هل أنت فرنسيّ ؟ حسنا أنت فرنسيّ”. سألناه إن كان سيطلق سراحنا، فقال لنا: “سيطلق سراحكم هذا المساء عند هبوط الليل”. ثم ارتحلوا، وبدا لنا الأمر أكيدا. فكرنا أننا وصلنا إلى نهاية المطاف، ارتحنا، إلخ… فكرت: حسنا، اليوم الأربعاء، سيحرروننا خلال يومين أو ثلاثة. كنت أحمل معي كتابي الذي ألّفته عن العراق فأخذت في قراءته وبقينا ننتظر. مرّت الساعات ومرّ الليل ولا شيء يحدث. قلنا لعلّ لهم مشاكل نقل. قد يحرروننا في الساعة التاسعة. حسنا، ولا شيء يحدث
يوم الخميس قلت لأصحابي: “قالوا لنا أن لا مطالب لديهم. خلال الاستنطاق سألناهم ألكم مطالب ؟ فقالوا: “لا”، فصدقنا. منذ أوّل وهلة أقمنا معهم هذا التواصل.
قرأت عدّة كتب عن الرهائن في لبنان فكان هوسي أن يطول الاعتقال. ينتاب المرء الخوف رغم كلّ شيء. قلت لكريستيان ولأبي أيمن أوّل وصولنا يوم الجمعة: “حجر العثرة أمامنا تقلّب قراراتهم. ذاك درس الرهائن بلبنان” سنطلق سراحكم غدا”. علينا بالصمود، وتذكرت شتم شيراك يوم الخميس. شيراك منع الحجاب. قلت في نفسي وإن أثاروا مسألة منع الحجاب؟ نحن الفرنسيون غرضنا نقيّ: ليست لدينا فرق عسكرية هنا وليس لدينا مقاولون. ليس لدينا شيء، فماذا يآخذون على فرنسا. لعبت دور نذير الشؤم ف
ي كل هذه القصّة لأننا كنا متفائلين وقلقين في ذات الوقت. المشكلة هي أنّ نذري كانت تحقق. قلنا إذا سنحرر اليوم، انتظرنا ولا شيء، يوم الجمعة لا شيء ويوم السبت لا شيء ويوم الأحد لا شيء. قلنا في الأمر مشكل ما.
كنا في كوخ مجاور لكوخ عائلة تقطن هناك. وكانت عائلة من الناشطين كانوا ثلاثة إخوة أحدهم أبو علي فأطلقنا عليه كنية “أبو ألي” (فصار اسمه كالفرنسي) كان ذلك رائقا. تعاطفنا معه قليلا وتواصلنا معه. من المهم للرهينة أن تكون له اتصالاته مع المختطفين وأن يتحدث إليهم عن العائلة وعن الأبناء وغير ذلك.
القرية التي يخبّئون فيها الرهائن كانت حقيقية فيها حمار ويسمع لها ديك صباحا وبها حقل ذرة في الخلف. وكان بها آجر من تراب لعله كان يصلح لفصل الأكواخ بعضها عن بعض. وكان بها أبو علي وعلى ما يبدو أخويه اللذان كانا فلاحان. كانت لهم أحذية صغيرة يرتدون جلابيب ووجوههم ملثمة. كلهم محجّبون هنا. كنا نلمح النساء محجبات حين كنا نرتاد المرحاض. ما كان أحد غير الأطفال سافرا. أذكر أحدهم كان اسمه عبد الحكيم. قلنا: أي مستقبل لهؤلاء الأطفال في عالم من الأسرى ومن البشر المحجبين.
تعود بي الذاكرة إلى الوراء لأن الأفكار تعاودني، في اليوم الأول تساءلنا إن كانوا سنّة أو شيعة. لم ننتبه إلى “أبو علي” لما قال في سياق حديثه كلمة “أمير”. قال: سنقدمكم إلى أميرنا”. قلنا إن هم تحدثوا عن اميرهم فهم سنة. تحدث مرة أخرى عن “السيّد فايد” وهذا الإسم من سلالة الرسول. قال أبو أيمن هم إذا سنيون. وثبت ذلك فيما بعد لما قال لنا: “نحن فصيل ذو ولاء سني”.
يوم الإثنين ضجروا منا شيئا ما فقد اضطررنا إلى ارتياد المرحاض مرارا وتكرارا. كنا نحادث ابنهم واسمه عبد القادر. كان عمره 7 أو 8 سنوات وهو يكتشف الغربيين لأول مرة.

يوم الإثنين على الساعة السابعة إلا الربع جاؤوا يقتادونا… عصبوا عيوننا وشدوا وثاقنا. قلت: حسنا، سيطلقون سراحنا. ثم ارتحلوا بنا. أعادونا إلى الكوخ الأول. تأثرت لذلك وبدا علي التأثر نحو الساعة التاسعة والنصف. قلنا: ما كان عليهم أن يتعجلوا نقلنا هكذا. كنت مكتئبا بعض الشيء. إلى حد الآن مر كل شيء بسلام. مرت نصف ساعة فثلاثة أرباع ساعة… في المساء عادنا مرة أخرى رئيس الإستعلامات “المستر إستخبارات” يصطحبه أحد رجاله مسلحا. فقلنا له: “متى تطلقون سراحنا” قال: “ثمة عراقيل أمام ذلك. الهجوم الامريكي على الفلوجة وشيك وكل قواتنا مركزة على الفلوجة”. للوهلة الأولى لم نصدق. ثم أضاف: “وثمة أيضا في فرنسا، بلد حقوق الإنسان، مسألة الحجاب ومنعه في المدارس. هذا الأمر لا يليق ببلد كفرنسا… إلخ”. ثم قال لي: “تصور أن حياتك في خطر، ماذا كنت تقول لرئيسك لو علمت ان الموت يحدق بك ؟” أجبت: “إن قتل صحفيين فرنسيين لن يعدل القانون” أجاب بالإنجليزية: “نريد إنهاككم وأنتم السبب”. عندها أجبت: “أتوسل إلى الرئيس شيراك” وكذا فعل كريستيان. كنا وسط ديكور عسكري وحربي والكلاشنكوف على صدغي… وكل ذلك مسجل بالصورة. خرجوا. الخ…
أخرجوا أبا أيمن حتى لا يكون شاهدا على ألاعيبهم.
عدنا، هددونا: قال أحدهم بالإنجليزية: “قد تقتلون”. كما يمكن أن تشاهدوا ذلك بشريط يوم 28. ليس الأمر هينا فقد نقتل في أي لحظة إن لم يفسخ قانون الحجاب. لقد تقبلنا ما في الشريط لأننا قمنا بتحليله بكل هدوء. كان رد فعلنا رصينا، فكل شيء غمامة دخان فالحجاب ذريعة لخلاف مزعوم. كنا نعرف ذلك فلم ننهار. كنا في حالة نفسية جيدة لأننا فهمنا أنهم مجبورون على اختلاق خلاف مع فرنسا. فنرد الفعل بهدوء ومن الغد يأتون فنلاحظ مؤشرات إيجابية. قال أحد المختطفين لأبي أيمن: ” شاهدنا أختك على قناة العربية، ثم أضاف سيأتي نائب وزير.

يوم الثلاثاء بعد عشرة أيام من إيقافنا وغداة تسجيل شريط التهديد لاحظنا علامات إيجابية.
جاءنا حراس: “غدا أو بعد غد سيطلق سراحكم فحالتكم سهلة”. فأطمأننا. قالوا: “سيأتي نائب وزير الشؤون الخارجيّة إلى بغداد، وقد أعلنت قناة الجزيرة عن ذلك، شاهدنا أخت أبا أيمن، حسنا، إنها تقول “أنه غير موال للأمريكيين”. أحسسنا أنّ الأمر يسير في الاتجاه الصحيح، وبقينا ننتظر. وفي نفس الوقت ورغم العلامات الإيجابية فنحن أسرى تخطر ببالهم سيناريوهات أكثر شؤما. تذكرت رهائن لبنان وخاصة كوفمان وتيري أندرسون، فشقّ عليّ ذلك. المرء لا يدري ما قد يحدث .مشكلة الرهينة أنه يتقاذفه الإحباط والأمل. ولا شيء يحدث.
جاء رجل. كان جريحا. علمنا أنه من الحرس الشخصيّ لأحمد الجلبي. هوجمت قافلته على طريق النجف الذي تمّ إلقاء القبض علينا فيه نحن أيضا. لم نستطع التحدّث إليه. قالوا له: “أنت كلب وتعمل لصالح الأمريكيين”. قاموا بمداواته بكلّ تقاعس إذ أصابته رصاصة في ساقه وله جروح برأسه. من الغد عادوا وقالوا له بأنّ الجلبي نفى أن يكون موكبه هوجم. قالوا له سنثبت العكس وسنصوّر له شريطا يرى فيه حارسه الشخصيّ. أعدّوا الشريط وعلمنا لاحقا أن الحارس قطع رأسه.
يوم الجمعة زارنا رئيس الإستخبارات. قال: “لدي أنباء ممتازة، سننقلكم إلى منزل أفضل” (بالإنجليزية). كنّا في كوخ ظروفه قاسية، وكانت الكهرباء تقطع لثماني ساعات في اليوم على الأقل. أعادونا إلى الكوخ المنفّر الأوّل … وهناك شدّوا وثاقنا وعصبوا عيوننا، لم نكن نعلم إن كان أبو أيمن يتبعنا أم لا. أقحمونا في الصندوق الخلفي لشاحنة في ما يشبه التابوت من الورق المقوّى، ووضعوا فوقنا عشرات الأغطية لإخفائنا. فما كانت تبرز إلاّ رؤوسنا مما سمح لنا بالتنفس قليلا. كان وضعنا غير مريح إذ كانت أيدينا مقيّدة وراء ظهورنا. اقتربنا من الإغماء. واصلنا السير . قالوا لنا: “لقد مررنا بثلاث نقاط تفتيش” فعلا، شعرنا أنهم سلكوا ممرات ملتوية. خفنا أن تعترضنا قافلة أمريكية أو أن يطلب منّا التوقف عند إحدى نقاط التفتيش. فيقع ما لا تحمد عقباه.، كنّا قلقين وعصبيين جدّا وكانت الظروف صعبة. أخذنا في الصعود، كنّا نسير باتجاه الشمس كأننا نتجه نحو بغداد. وبعد حوالي خمس وأربعين دقيقة وصلنا، فأنزلونا بغرفة شديدة الحرّ.
نقلونا ستّ مرّات، المرّة الأولى كانت بعد خمسة عشر يوما من إلقاء القبض علينا، ثمّ في 21 سبتمبر لمّا قالوا لنا: “غدا تحررون، سنقرّبكم من بغداد”. وبعد خمسة أيّام نقلونا مرّة أخرى، وكان ذلك يوم 26 سبتمبر، ويومها لم تكن معنوياتي مرتفعة إذ كنت أظنّ أنّي سأكون يومها في فرنسا بعد أن أبلغونا بأننا سنحرر. كان يومها عيد ميلاد “سيلفي” وكنت آمل أن أحضره. وها نحن مازلنا معتقلين. وفي مساء هذا اليوم نقلنا مرّة أخرى إلى “منزل أفضل”.
عدنا إلى تابوت الورق المقوّى الذي كان في الشاحنة. وكانت أيدينا وراء ظهورنا. سلكنا الطريق نحو الشمال. سرنا عشر دقائق فعشرين فثلاثين. قلنا: “هذا مستحيل، أين يأخذوننا؟ إلى الأردن؟ كنّا نبتعد عن بغداد حيث كان من المفروض أن يحرروننا فقلنا “لن يطلقوا سراحنا، فأين يأخذوننا؟” وعند وصولنا أخرجونا وأجلسونا أرضا وعيوننا معصوبة لمدّة ساعتين أو ثلاثة. اجتمعوا وأخذوا يتناقشون، وبعد برهة جاؤوا ليأخذوننا، فوضعونا في شاحنة أخرى. لم نكن ممددين بل مضطجعين تحت الكراسي وحولنا خلق كثير.
شعرنا أنهم بين أهلهم. كانوا يتوقفون أحيانا للتحدث إلى أناس آخرين. أخذونا إلى خليّة للجيش الإسلامي كما عرفنا ذلك فيما بعد. كانت حجرة صغيرة وضيّقة بها بابان وليس بها شبابيك. بدا علينا الانزعاج. كانت أذني تألمني فقد عانيت من مروحة كانت فوق رأسي طوال خمسة عشر يوما. لم نفهم لمَ لمْ يحررونا… عندما كنّا في الطريق سمعناهم يلفظون كلمة “كتابة” ومسؤولين. وضعت عصابة – كنت أغمض بها عيناي ليلا – فوق أذني التي تألمني. كانت هناك مروحة تدور فوقي، أحسست أن الساعة الثانية أو الثالثة صباحا. وفجأة فُتح الباب وقال لنا الدّاخل: “هل كل شيء على ما يرام؟” فأجبت “لا، لسنا بخير، أذني تألمني وأريد طبيبا غدا صباحا.” فقال: “نحن في الصباح، أنا طبيب”. قال كريستيان، وكان أكثر خفة منّي “عجيب أنك وقعت على مختطف وطبيب”. بعد ساعة جاءني بالأدوية. قلنا يريدوننا في صحة جيّدة، فلذلك يعتنون بنا. لم تكن معنوياتنا مرتفعة ولكن ذلك في حدّ ذاته مؤشّر طيّب.
يوم الجمعة 2 سبتمبر أخذوا منّا ساعاتنا لمّا نقلونا إلى الشقّة كما أخذوا كل متاعنا؛ السراويل والقمصان والكتاب وجوازات السفر وأعطوا كلّ واحد منّا تبانا وقميصا.

*
القسم الثاني
بدأ سجانهم الجهادي يحدّثهم عن ابن لادن، كان يشعر أنه في حالة دفاع شرعيّ بعد الهجوم على أفغانستان واعتبارا لفلسطين والشيشان. لم يكن الصحافيان يعرفان أنّ الرأي العام تجنّد لنصرتهم حتّى نداء مسلمي فرنسا. وعندما علم الرهائن بذلك بكى جورج ملبرينيو.

قالوا لنا: “لا تعودوا إلى العراق فهذه أرض حرب”.

بعد ساعة من وصولنا جاءنا رئيس مصلحة الإستخبارات برئيسه قائد الجيش الإسلامي، وكان رجل الإستخبارات قد وعدنا بهذا اللقاء وبحوار مع رئيسه. فكنا نتوقع نقاشا سياسيا معه. كان أقرب إلى الشباب، كانت عيناه فاتحتا اللون، وكان يحمل قناعا وكوفية فوق كتفيه. كان رئيس الإستخبارات حاضرا ليقوم بالترجمة إلى الإنجليزية وكان معهما حرس شخصيّ يحمل كلاشنكوف. استمعنا خلال ثلاثة أرباع الساعة إلى خطبة في عشر نقاط حول تفوّق الإسلام على المسيحية مشفوعة بدعوة لاعتناق الإسلام. قررنا بأن نجيب بأننا جاهزون لذلك، ولكننا نرغب في الدخول في الإسلام بباريس وبأنني سأتحدث في الأمر مع خطيبتي ثم نذهب إلى إمام جامع باريس. كنا سنقول لهم نحن مستعدون لذلك إذ ليس لدينا أي اعتراض على الإسلام ولكننا لا نريد اتخاذ أي قرار في العراق تحت التهديد.
كانت الخطبة مثيرة للاستغراب، لا تحمل أي إحالة سياسيّة. وكما اتفقنا من قبل لم نطرح أي سؤال. سألته في الآخر فقط: “هل لديكم فكرة عن إطلاق سراحنا؟” قال: “حكومتكم مشغولة بتطبيق قانون الحجاب أكثر من انشغالها بتحريركم، أما إذا اعتنقتم الإسلام فإن ذلك في مصلحتكم”. كان الأمر مدوّخا.
نعد قليلا إلى نقلنا إلى الشقّة: بعد أن أعطوني الدواء، بدأنا نكتشف شيئا فشيئا أننا في كوكب ابن لادن. أصبح اسمه يتردد كثيرا. ثم إننا التقينا بجهاديّ تدرّب في مخيمات أفغانستان وأمكننا التواصل معه. كانت لهذه المجموعة “أجندة” عراقية وأخرى عالمية جهادية. كانت لنا علاقات جيّدة مع سجانينا بما فيهم الجهادي. كان أقرب إلى الشباب، عمره ثلاثون أو يكاد. قال أنه متزوّج بأربع نساء يعاملهن بالعدل، “إذا أعطيت واحدة مائة دولار فإني أعطي الأخريات مثلها، لماذا يكون للواحد منكم خليلة وهو متزوّج؟ ” كان يعاملنا بإحسان، فأقمنا معه علاقات جيدة. فكان يعود في المساء بعد أن يقضي يومه يزرع الألغام. يقول: “نحن متأسفون لأننا لم نهتم بكم اليوم، وذات مساء أخرجنا من الكوخ واقترح علينا النقاش. وكان قبل ذلك أخرجنا إلى قاعة أكبر حيث شربنا الشاي واستمعنا إلى أناشيد إسلامية عن البوسنة وكشمير. وشرع يحدثنا عن ابن لادن وعن نضال الحركات الموالية له. قال أنّ العالم الإسلاميّ يحسّ بأن الغرب يهاجمه وبأنّه في حالة دفاع شرعيّ بعد الهجوم على أفغانستان والحرب في فلسطين وفي الشيشان… إلخ. قال إنّ المسيحيين يشنون حربا ضد المسلمين،
وكل ما نفعله نحن المسلمين هو ردّ الفعل، وعلينا أن يكون ردّ فعلنا “استراتيجيا” لا ينبغي أن نضيّع وقتنا بردود صغيرة بل علينا أن نضرب في الصميم.

في اللقاء الثاني، يوم السبت مساء على الساعة العاشرة ليلا، خرجنا وكان قبالتنا وورائنا حرس. قال: “كيف حالكم نفسانيا؟” أجبنا “لا بأس ولكننا لا نفهم جيّدا وضعنا، فأنتم تحسنون معاملتنا ولكنكم لا تطلقون سراحنا”. فقال “أنتم ورقة سياسية لأنكم معروفون في فرنسا. الناس يتظاهرون من أجلكم. ولكن لماذا يتظاهر المسلمون فقط ؟ لم لا يتظاهر المسيحيون من أجلكم؟ ” كانوا مبتهجين بالمظاهرات الإسلامية ولكنهم لم يكونوا يفهمون. قلنا للجهاديّ: “ذاك مؤشّر عن الوحدة الوطنية. المسلمون يتمنون إطلاق سراحنا” حاولنا تهدئته وإفهامه أن الجميع – مسلمون ومسيحيون – فرنسيون قبل كلّ شيء.” قال: “لقد صرتم فعلا مشاهير”. فقلت: “لن تنفعني الشهرة في شيء إن عدت إلى فرنسا في تابوت.” كنت أرغب في إزعاجه – ولكن إلى حدّ ما – لأتبيّن حقيقة ردّ فعله. قال: “لا، لا لو كنّا نريد قتلكم لكنت أمطت لثامي”.

قال حارسنا: “نحن مع بوش”

كنا في الفترة الفاصلة بين 26 سبتمبر و25 أكتوبر ملازمين لزنزانتنا. قلنا له: “تفصلنا خمسة عشر يوما عن الانتخابات الأمريكية، فلمن تتمنون الفوز لكيري أم لبوش ؟” أجاب: “نحن نريد بوش فمعه سيبقى الجنود الأمريكيون بالعراق وفي ذلك تقوية لنا.”

أحسسنا بوجود تطابق بين بوش والجهاديين، فهم جميعا يرغبون في صدام الحضارات. ثم أضاف: “كان تدخل بوش في أفغانستان إيجابيا جدا بالنسبة لنا. لقد سمح لنا ذلك بالانتشار في العالم بأسره. فنحن متواجدون في ستين دولة وهدفنا الإطاحة بالأنظمة العربية والعودة إلى الخلافة من الأندلس حتى الحدود الصينية.” سألناه عن أولوياتهم. قال: “لنا أولويتان العربية السعودية ومصر، أما عن الأردن فنحن نعرف أنه بين أيدي وكالة المخابرات الأمريكية. ولكن الأردن ليس أولوية. نحن نعرف أن كلّ الحكام العرب خونة، وأن لا أحد منهم إسلاميّ” سألناه عمّا يؤاخذ فرنسا، إذ لا وجود لفرنسا بالعراق وعلاقاتها مع الأمريكان متأزّمة. قال: “لنا مشاكل قديمة مع فرنسا؛ لبنان والجزائر.” فقلنا له: “هذه مسائل قديمة”. قال: “الآن توجد قضية الحجاب والوجود الفرنسي بأفغانستان.” فأجبناه بانّ هذا الوجود ليس هامّا. قلنا لا بد من ترتيب الأشياء. ففرنسا غير الولايات المتحدة.

كانت ثقافته السياسية جيّدة. فقد عرف أفغانستان ومخيمات التدريب وكشمير وإيران، فلم يكن غرّا.

كانت تجربته الأفغانية تعطيه هيبة. فكان يعطي الأوامر. وكانت فرنسا بالنسبة لهم تعني الغرب في رؤية شموليّة والغرب هم الكفار ضد العالم الإسلاميّ. ولكن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك.

أردنا تهدئة الجوّ، فقلنا له أننا في سنة 732 أوقفنا زحف العرب عند الساحة الحمراء (مدينة بواتيي). فضحك قليلا. وطلب منا أن نطرح عليه أسئلة فقد كان يعرف أننا سننشر أقواله. ولكننا أحجمنا عن الإغراق في الحديث معه، فهؤلاء أناس مهووسون بالتآمر والجاسوسية.

طرحنا عليه أسئلة ولم نتبع الطريقة الصحفية. في العراق عدد هام من المقاومين الأجانب، وخاصة من السعوديين واليمنيين سألناه إن كان بينهم فرنسيون قال: “رأيت خمسة فرنسيين، مات منهم اثنان خلال المعارك. هم فرنسيون من أصل إسلاميّ تدرّبوا في مخيمات أفغانستان ثم عادوا إلى بلادهم وانخرطوا في الخلايا النائمة.

كنا نتكلم العربية، كان يزعم أنه إيراني من مشهد، فهمنا أن ذلك غير صحيح إذ لم تكن لهجته إيرانية. كان عراقيا، أقام ولا شك بأفغانستان زمن حكم صدام حسين مما كان قليل الحدوث وقتها. قال: “علينا أن لا نبدد جهودنا. يجب أن تكون هجوماتنا استراتيجية كما في أسبانيا مثلا.” كان ذلك بعد أحداث طابا بقليل. بقينا تسعة عشر يوما في تلك الزنزانة. تعلمنا الكثير إذ كانت تعقد بجانبنا اجتماعات الخبراء العسكريين أو اجتماعات المشايخ أو اجتماعات المسؤولين القبليين والمسؤولين الدينيين. كنّا نسبح في جوّ الاجتماعات.

المشكل الوحيد كان القصف الجوي القريب خلال خمس ليال غير متتالية. كنّا نسمع القصف الأمريكي. ومن الغد صباحا كنا نذهب إلى المرحاض وكانت هناك مرآة تهشمت. كنا نرجو أن لا يهدف الأمريكيون إلى أن نلقى حتفنا. فقد كان مختطفونا يعيدون علينا بانتظام أن الأمريكيين يفعلون المستحيل لمهاجمتنا. وكان ذلك مبعثا للقلق.

كان حدسنا يحدثنا بأننا في الشمال لأننا نعرف أن بعض المناطق الشمالية هي مناطق نفوذ للسلفيين. قال أحد حراسنا أننا بالموصل. وكان بديهيا أن ذلك غير صحيح. كان هذا الحارس مؤنسا وكان قد تلقّى تعليمات من بغداد تحثّه على حسن معاملتنا. كان حارسنا الحارس الشخصي لصدام. وقد أثار ذلك اهتمامنا فهو دليل على أنه كان ذا ميول إسلامية زمن صدام ولكنه لم يتكلم إلا عند زوال كابوس النظام. وكان هناك شخص مؤنس يحسن معاملتنا هو الآخر وهو الحارس الشخصي للجهادي الذي حاورناه. قال لنا الجهاديّ: “ذاك نلقبه بالجزار لأنه لا يتوانى عن القتل.”

ولكن الأمر قد ينقلب رأسا على عقب. فلو طلب منهم قتلنا لما ترددوا في ذلك. فالعلاقة بين السجان والرهينة متقلبة وهشة. كل هذا يوضّح أسلمة المقاومة العراقية. لقد استطاعت الجماعات الإسلامية استيعاب رجال كانوا خبراء عسكريين زمن صدّام. وقد فهمنا من جوّ الاجتماعات الذي كنّا غارقين فيه أننا في كوكب ابن لادن، إذ كانوا يتحدثون عن “الشيخ أسامة” ، وكانوا يحددون كيفية النوم ويقولون أن التدخين حرام. وكانوا يتحدثون عن البوسنة والشيشان.

بدأنا نفزع قليلا لأن حبسنا قد يطول بسبب قضية الحجاب وهي قضية خارجة عن الأجندة العراقية.

يوم 3 أكتوبر زارنا رئيس مصلحة الإستخبارات فقال: “تريد السلطات الفرنسية معرفة أحوالكم لذلك سنسجل شريطا عنكم.” ويوم 15 أكتوبر قالوا: “لقد أصبحتم في خط المواجهة، صار المكان جبهة ولذلك سنقوم بترحيلكم.”

يوم الأربعاء 10 نوفمبر اتخذ الأمريكيون لهم مواقع حول المنزل بالتحديد. وكان يُسمع طلق رشاشات تتبعه ردود عراقية. اختبأت أنا وكريستيان تحت الفراش ممدّدين بعيدا عن النوافذ المحمية بألواح خشبية. ولم نكن نصدق ما يحدث.

قبل يومين من ذلك علمنا أنهم لن يطلقوا سراحنا سريعا. ومن الغد، يوم 11 نوفمبر، نقلونا إلى الشقة الأخرى. في الطريق انفلقت عجلة السيارة. أسلمنا أنفسنا للقضاء والقدر. تمنيت أن يتدخّل الأمريكيون ولكنّي عدلت عن ذلك إذ أنهم حينها قد يتخذوننا دروعا بشريّة. وكاد الدم يتجمد في عروقنا خوفا.

يوم الإثنين 8 نوفمبر تغيّر الوضع كلّيا. جاءنا حارس وقال: “الوضع خطير. قد تقتلون في أي لحظة.” فأسقط في أيدينا. إلى حدّ الآن كانت فرنسا تفاوض، وكنا نعرف أنها لم تتخلّ أبدا عن رهائنها أيّا كانت الحكومة. قلنا: ” نحن معروفون، وهناك من يهتمّ بنا. نحن نعرف مسؤولين بوزارة الخارجية وفرنسا معبئة من أجلنا. علينا بالصبر.” أما يوم 8 نوفمبر فقد تغيّر الحال إذ صرنا خائفين طوال الوقت. ويوم 11 نوفمبر قال حارسنا جملة مريبة: “من الحيّ ومن الميّت ؟” ويعني من منّا نحن الإثنين سيبقى على قيد الحياة ومن سيقتل. تأكدنا أنهم سيقتلون أحدنا. أحسسنا بوجود مشكل وبأنهم سيضربون بعنف. وعندها أصابنا الرعب وقضينا أياما عديدة (حتى يوم الأحد) ونحن لا أفق لنا غير الموت. نهتزّ كلما فتح الباب وكلما سمعنا المفتاح في القفل. صلينا كثيرا أنا وكريستيان وكنا نمسك بأيدي بعضنا. كانت محنة رهيبة. كنّا ننظر وأكبادنا حرّى. تواعدنا على أن من ينجو منا يذهب إلى والدي الآخر طالبا له العفو إن هو أساء في حقهم. قلنا: على من ينجو أن لا يعزف عن الحياة. جاءنا الحارس يوم الأحد. فقلنا له نحن خائفين. فقال: “الاتصالات لم تنقطع. إن شاء الله تنفرج
الأمور.” فعادت لنا الثقة قليلا. علينا بالثبات. إن غياب الأخبار مؤشر حسن، فذلك يعني أنهم يتفاوضون.

صلينا كثيرا خلال هذا السيناريو الدامي. لم أكن أطبق الشعائر الدينية ولكن الصلاة منحتنا راحة وسلوى وأعانتنا على تجاوز المحنة.

لقد تفاءلنا أكثر من اللازم. فلنكن رصينين لنتوقع الأسوأ. فإن لم يحدث كانت المفاجأة سارّة. قال لنا الحارس يوم 14 نوفمبر: “كلاّ، حياتكم ليست في خطر”. فاستبشرنا وواصلنا الصلاة لأننا خبرنا مثل هذه الأقوال مرّتين. يعدوننا بإطلاق سراحنا عبثا. ولسنا الآن بمنأى عن خيبة أمل أخرى. يوم الأحد التالي قالوا لنا: “سيطلق سراحكم قريبا، خلال خمسة عشر يوما على أقصى تقدير.” قلنا الأمر يسير إلى انفراج. ومرّت خسة عشر يوما ولم يحدث شيء.

في اليوم السادس عشر، يوم الإثنين 6 ديسمبر، قال أحد الحراس: “الأنباء جيّدة، صبرا” ثم أعطانا ”شامبوان” بعد أن كنّا نغسل رؤوسنا بالصابون. قال يجب أن تكونوا في هيئة لائقة حين تعودون إلى بلدكم. وقال حارس آخر: “لقد حصل تقارب في المواقف. ستحررون بين لحظة وأخرى، غدا أو بعد غد”. قلنا: علينا أن لا نغتبط كثيرا. لنكن رصينين. فهمنا أنهم يتجهون نحو تحريرنا. يوم السبت المنقضي جاء رئيس مصلحة الإستخبارات ومعه كاميرا. قال: “نحن بحاجة لصور للخاتمة، فلقد أشرفتم على إطلاق سراحكم”. أخذوا صورا واجهية وأخرى جانبية ففهمنا أن السلطات الفرنسية “تريد البضاعة حية” حسب الوسطاء. حدث مثل هذا يوم 18 سبتمبر، ولكن هذه المرة فكرنا أن الأمر سيحسم، إذ يستحسن أن يطلق سراحنا قبل أعياد الميلاد. يوم الثلاثاء جاءنا حارس بمرآة ومشط وطلب منا أن نمشط شعرنا لأننا سنلتقي مع مسؤول. كان اللقاء طويلا. سألنا لماذا لم تشارك فرنسا في الحرب ؟ ولماذا تتواجد في أفغانستان دون العراق ؟ سألنا عن مواقف فرنسا وعن مواقفنا الشخصية، ثم قال سيطلق سراحكم اليوم أو غدا.

في الساعة الثالثة مساء، جاءنا رجلان. قلنا المهم أن تسير الأمور على أحسن وجه. قالوا: “باي باي. باريس” ثمّ شدوا وثاقنا بشكل مرن. طلبا أن تكون أيدينا قبلا لا خلف ظهرينا. ثم وضعوا لنا ألثمة ووضعونا في الصندوق الخلفي لسيارة مرسيدس. وقبل ذلك رفعوا عنا الألثمة، وكانوا يدعوننا مغمضي العينين أثناء نقلنا. قلت: “ترى من سيفتح باب الصندوق عند وصولنا ؟”

دعوت الله أن لا تحدث مشاكل. سرنا عشرين دقيقة وفجأة توقفنا. كنا نعتقد أن العملية ستكون محكمة الترتيب وبأنهم سيسلموننا لسفارة دولة مجاورة. فلم أصدق حين توقفت السيارة على قارعة الطريق. قلت سينقلوننا من سيارة إلى أخرى كأكياس الباطاطس. فتح أحدهم باب الصندوق فلمحت على بعد خمسة أمتار الشارة الفرنسية (أزرق وأبيض وأحمر) ورأيت وجها أعرفه.

عندما رفع العراقي باب الصندوق، قال للفرنسيّ: “أتريد أن تراهم؟” فأجابه: “لا أريد أن أراهم، بل أريدهم” فخرجنا والتحقنا بالسيارة الأخرى. لقد استعادنا الفرنسيون.

لم يكن مقررا أن تجري الأمور على هذا الشكل. في الوهلة الأخيرة غيّر العراقيون تكتيكهم، فكان لابد من الارتجال. استغربنا أن يتم كل شيء على قارعة الطريق. كانت هناك سيارات عديدة على جانبي الطريق ورجال مسلحون وكان التوتر واضحا. كان الفرنسيون اتخذوا التدابير اللازمة لتفادي الخسائر إن تعكّرت الأمور. كنّا نعتقد أنا وكريستيان أننا لن نكون أحرارا طالما لم نمتط سيارة للسفارة الفرنسية أو سيارة فرنسية. لم نر الشمس منذ أربعة شهور. وها نحن أحرار ونقاد إلى مكان آمن.

جاء السفير الفرنسي “برنار باجوليه” لزيارتنا. حدثنا عن التعبئة السياسية في فرنسا ثم سلمنا ملفا يحتوي كل التدخلات.

في الليل قرأت الملف على أسماع كريستيان وبكيت. لم نكن نتصوّر كل هذه التعبئة في فرنسا وفي العالم العربي. تأثرنا عندما رأينا أن فرنسا لم تدخر جهدا من أجلنا وعندما رأينا أنه حتى حزب الله نادى بإطلاق سراحنا. وهذا الأمر يبدو عجيبا إذا ذكرنا احتجاز الرهائن في لبنان.

فهمنا لماذا بحث المختطفون عن إشارة فهم من السلطات الفرنسية لما انتهت المهلتان اللتان وضعوهما في آخر شهر أغسطس. كان ذلك قد دعّم صورة المختطفين، وهذا ما كانوا يريدونه. كانوا بحاجة إلى إشهار. ولعل الحكومة الفرنسية أنقذت حياتنا إذ ردّت على إشارتهم.

حولنا مقدونيان قُطع رأساهما، وحارس الجلبي قُطِعَ رأسه أيضا كما قُطِعَ رأس المسؤول عن محطة الكهرباء.

قالوا لنا: “هنا أرض حرب. لا تعودوا للعراق. لسنا بحاجة للصحافة الأجنبية”.

(نُشِرت هذه اليوميات في جريدة “الفيغارو” الفرنسية)

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 10 + 14 ؟
Please leave these two fields as-is: