تقرير حول إدماج حقوق المرأة

الشبكة الاورومتوسطية لحقوق الإنسان

تقرير حول إدماج حقوق المرأة
في بلدان الشرق الأوسط و شمال إفريقيا
ضمن عملية الشراكة الاورومتوسطية

الجزائر- المغرب- تونس- مصر- لبنان- الأردن- سوريا و فلسطين

نسخة وقتية

تقرير أعدّته ربيعة نصيري
مع

ايزيس نصير

ماي 2002
الفهرس

مقدمة

الجزء الأول : كشف بأهم التعديات و الانتهاكات لحقوق المرأة في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا

1- التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية و العلاقات العائلية
2-عدم المساواة في القوانين الأخرى و على صعيد الممارسة
3- الحق في التربية و العمل
4- الحقوق السياسية و ممارستها
5- العنف المسلط على المرأة
6- العنف المسلط على المرأة في حالات الخلاف
7- دول الشرق الأوسط و شمال إفريقيا و المعاهدات الدولية المتصلة بحقوق المرأة

الجزء الثاني: الحركية الاجتماعية و المدنية من اجل المساواة بين الأجناس في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا
1- الحركية الاجتماعية و المدنية
1-1 حركة الدفاع عن حقوق المرأة في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا
1-2 شبكات النهوض بحقوق المرأة في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا

2- رد الدول على هذه الحركية: عقبات يتعين تحديدها و تخطيها ومكتسبات يجب إبرازها و تعزيزها
2-1 رد فعل الأوساط المحافظة و الإسلاميين
2-2 رد فعل الدول

الجزء الثالث: حقوق المرأة في مسار الشراكة الاورومتوسطية
1-كشف بالوضعية الراهنة/تقييم مبادرات الشراكة على الصعيد المؤسساتي
1-1 مسار الشراكة الاورومتوسطية
1-2 حقوق المرأة في الحوار السياسي المؤسس للشراكة الاورومتوسطية
1-3 المكان المخصص لحقوق المرأة في إرساء مسار الشراكة الاورومتوسطية
1-4 تقييم لعملية إدماج المرأة في مسار الشراكة الاورومتوسطية

2المبادرات و الحركية الجمعياتية في الفضاء المتوسطي من اجل حقوق المرأة.

الخلاصة

توصيات

ملاحق

مقدمة

برز منذ سنة 1995، تاريخ بيان برشلونة و انطلاق الشراكة الاورومتوسطية، أمل جديد يتمثل في التقريب بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، مع انهما متقاربتين إلى حدّ كبير، و في بعث فضاء للتقاسم و التبادل و الازدهار للرجال و النساء على حد سواء.

إلا أن الصراعات و عدم التفاهم و الحروب و انتهاك حقوق المرأة و الاعتداء عليها لا زالت مستمرة بل و تتفاقم لتملأ أخبارها صفحات الجرائد
و في الوقت الذي لم تشهد فيه الإنسانية مثل هذا التراكم من الثروات و المعارف ما فتئ التباين بين البلدان الثرية للضفة الشمالية و جيرانها من الضفة الجنوبية للمتوسط يتزايد مُسهما بذلك في احتداد مشاعر عدم التسامح و تنامي الأحقاد التي ترعاها إلى حدّ كبير الأنظمة غير الديموقراطية و الفاسدة في أغلب الأحيان.

ربما لم تكن ظروف إرساء الشراكة الاورومتوسطية ببرشلونة سنة 1995، بعد عدة اشهر من المفاوضات و المشاورات، مواتية لحقوق المرأة حيث حظيت اعتبارات سياسية و اقتصادية أخرى بالأولوية أما اليوم و قد أصبحت الشراكة واقعا و مكسبا -حتى و إن كانت هناك حاجة إلى تدعيمه و تحسينه-.فقد حان الوقت لفتح حوار سياسي جوهري و على أعلى المستويات حول وضعية حقوق المرأة في البلدان المتوسطية من منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا.

و لا يهدف هذا التقرير إلى وضع البعض محلّ المسائلة بقدر ما يرمي إلى المساهمة في إثراء الحوار و الإسهام في التفكير حول الوسائل الكفيلة بجعل الشراكة اكثر عدلا و مساواة تجاه السكان الأقل حظا و سيما منهم المرأة التي تعيش تحت وصاية الرجل و بتواطؤ فعّال من قبل أنظمة تلك المنطقة.

كما يهدف من ناحية أخرى إلى تشكيل أداة إعلام، موجهة إلى المتدخلين الرسميين و غيرهم ممن ينتمون إلى المجتمع المدني في مجموع البلدان المشاركة، حول وضعية المرأة في المنطقة و حول نضالات و تعبئة المنظمات العاملة من اجل المصالح الاستراتيجية للمرأة و من أجل تغيير أوضاعها و دورها في مجتمعاتها المختلفة.
كما تهدف هذه الدراسة أيضا إلى إبراز إضافة المسار الأورومتوسطي في تنمية التضامن الوليد و الواعد بين الشعوب و بين نساء الضفتين بوجه خاص.

كما يمكن لهذه الدراسة أن تُسهم أخيرا في تقديم الوسائل و الحجج لمنظمات حقوق الإنسان و المنظمات النسائية التي تناضل من اجل إيلاء مكانة أهمّ لحقوق المرأة في مسار الشراكة الاورومتوسطية و قد دخلت مرحلتها الثانية منذ بداية هذا القرن.

و نظرا لأوجه التشابه في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية-الثقافية فقد تركزت هذه الدراسة على البلدان المتوسطية المشاركة التالية: الجزائر، المغرب، تونس، مصر، لبنان، الأردن، سوريا و فلسطين.

الجزء الأول :كشف بأهم التعديات و الانتهاكات لحقوق المرأة في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا

1- التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية و العلاقات العائلية

ما انفك الحوار حول المرجعية الدينية، باعتبارها منبعا لتقنين العلاقات العائلية، يشق مجموع العالم الإسلامي اعتبارا إلى ما يكتنفه ذلك الحوار من تحديات و رهانات سياسية و إيديولوجية.
و بالفعل فإنّ مسالة المساواة بين الأجناس في بلدان الشرق الأوسط و شمال إفريقيا تُطرح أساسا كمسألة ذات أبعاد سياسية و إيديولوجية.

و باستثناء تونس ، فان قوانين الأحوال الشخصية، على اختلاف تسميتها، المستوحاة من القانون الإسلامي و المعتمدة على تأويل إنساني للقرآن و للحديث، تكمن وراء الوضعية القانونية الدونية للمرأة في البلدان العربية من منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا (1)

و بالفعل تشكّل الأحكام التمييزية لهذه القوانين و التركيز حول الهوية و السياسة مسّا بحقوق و بحرية المرأة وهي الحقوق التي تضمنها دساتير (2) تلك البلدان كما تمثّل أهم عائق في وجه المشاركة الكاملة للمرأة في النشاط الاقتصادي و في الحياة العامة و السياسية (3) في تلك المنطقة.
و على الرغم من تغيّر الأشكال و الظروف، يكمن أساس التمييز في مجال الحقوق المدنية في جعل المرأة تحت وصاية الزوج و الأب و أحيانا الأخ. ويتجلّى هذا القصور القانوني و يتجسد في كافة مجالات الحياة، المدنية و السياسية و الاقتصادية منها، في تدرّج الحقوق و الأوضاع و الأدوار المناطة بالنساء و الرجال.
و بالفعل تُستمد و تُمارس الحقوق المدنية للمرأة، في البلدان العربية المتوسطية، تحت وصاية الأب أو الزوج أو باقي الذكور من بين أفراد العائلة أو القبيلة و الذين فوّضت لهم الدول، أحيانا حق الموت و الحياة على قريباتهم (4).

كما تسمح قوانين الأحوال الشخصية في مختلف تلك البلدان بالزواج المبكر بالنسبة للفتاة ( بداية من سن الخامسة عشرة في المغرب و الأردن و 16 سنة في مصر و 17 سنة في كلّ من تونس و سوريا) في حين حُدّدت تلك السن بالنسبة للرجل و في جميع تلك البلدان بـ18 سنة.
و يجوز للقاضي أن يسمح للفتاة بالزواج دون تلك السن القانونية إن كانت هناك خشية على “سلوك أو سمعة البنت”.
و لقد تمّ الاحتفاظ بهذه الأحكام بالرغم من تصديق تلك البلدان على معاهدة حقوق الطفل و بالرغم عن المطالبات المستمرة للحركات النسائية التي تعتبر أن الموافقة على الزواج لا يمكن أن تكون صحيحة عندما تكون البنت قاصرة (5) وأنّ الزواج المبكر يمثّل خطرا على صحة تلك الفتيات و عائقا أمام تربيتهن.(6)

كما يُعتبر وجوب الولاية لإبرام زواج المرأة من أهم مقتضيات مجلات الأحوال الشخصية في مجموع بلدان المنطقة و يرتكز على مبدأ أن المرأة لا يمكنها أن تبرم زواجها (7) بنفسها و كذلك زواج أي امرأة أخرى ( محضونتها إن كانت حاضنة) و انه يتعين أن يمثلها أحد الرجال ليعقد زواجها نيابة عنها أو عن محضونتها.و يمكن أن يكون ولي الزواج من أقارب المرأة من الذكور شريطة أن يكون مكلّفا و سليم المدارك العقلية (8).هذا و لا يجوز للمرأة المسلمة في تلك المنطقة أن تتزوج بغير المسلم في حين لا يطال هذا المنع الرجال.

و باستثناء تونس، لا يزال تعدّد الزوجات مسموح به وفقا لمقتضيات قوانين العائلة في تلك البلدان
(9) علما و أن هذه الظاهرة الاجتماعية أصبحت نادرة في المنطقة. و يمثل السماح بتعدد الزوجات ( أربع نساء في نفس الوقت) تهديدا للمرأة و مسّا بكرامتها بوجه خاص.

و يعتبر الزوج، حيث كان، رئيس العائلة حتى في تونس البلد الذي يتمتع بأكثر مجلات الأحوال الشخصية تحررا في المنطقة. و ينصّ الفصل 23 من المجلة التونسية (للأحوال الشخصية) على أن الأب هو رئيس العائلة. و أما في الأردن فينصّ الفصل 34 من مجلة العائلة أنه يمكن، في صورة وفاة الزوج أو غيابه أو تخليه عن جنسيته، وإن احتفظت زوجته ( أو زوجاته) و أبنائه بالجنسية، أن تصبح إمّا زوجته الأولى أو اكبر أبنائه سنّا رئيسا العائلة.

و يعتبر اليوم واجب النفقة مقابل واجب الطاعة المبدأ المؤسس للتمييز بين المرأة و الرجل في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا. و عدا بعض الاستثناءات (10) فعلى الزوجة أن تطيع زوجها و أن تحترم عائلتها. و يمكن للزوج بموجب هذا المبدأ أن يمنعها من زيارة أقاربها من غير المحرّمين و أن يمنعها من العمل في الخارج أو حتّى أن تخرج بكل بساطة.
ففي سوريا مثلا ( الفصلين 73 و 74من مجلة الأحوال الشخصية) و الأردن ( الفصل 68 ) تفقد الزوجة غير المطيعة أو التي تعمل بالخارج بدون ترخيص من زوجها حقها في النفقة (11).

و يُمنح للزوج حقّ التطليق ( قطع الرابطة الزوجية من طرف واحد) و دون الحاجة إلى تبرير موقفه في حين لا يمكن أبدا للمرأة أن تطلّق بدورها إذ يتعين عليها لذلك أن تتوجه إلى المحاكم أو أن تقدّم تعويضا لزوجها حتى يوافق على الطلاق ( طلاق الخلع). و بإيجاز نقول أن الزوج يطلّق و أن على الزوجة أن تطلب رخصة من القاضي للطلاق وفقا لبعض الشروط المحددة (12).

و يعتبر الطلاق بتعويض (الخلع) صيغة من الصيغ المذلّة لقطع الرابطة الزوجية بالنسبة للمرأة حيث تُجبر هذه الأخيرة على شراء حريتها (13). و مبدأ الخلع واضح، و إن أدخلت عليه بعض التحويرات، حيث يتمثل في إمكانية حصول المرأة على الطلاق مقابل منح تعويض مالي للزوج. ولعل فائدة هذا القانون الوحيدة تتمثل في إمكانية شراء الزوج ليوافق على الطلاق. كما أن هذا الإجراء يأخذ وقتا اقصر من إجراء الطلاق القضائي و فيه تحريرا للمرأة وهو اقل كلفة للنُّظم القضائية بالمنطقة التي تشهد تراكما لطلبات الطلاق المقدّمة من قبل النساء والتي لم تنظر فيها العدالة بعدُ. وهو بالذات القانون الذي تمّت مراجعته مؤخرا و بشكل جزئي في مصر (14) بعد عدة اشهر من الخلافات بين أنصاره و معارضيه و الذي تم تقديمه وكأنه مكسب كبير للمرأة.

و لا يضمن القانون للمرأة المطلقة، في المنطقة، أي حق سوى النفقة ولمدة محدودة أثناء فترة العدة ( فترة اعتكاف الزوجة بعد الطلاق أو وفاة الزوج). و هكذا يمكن أن تجد المرأة المتزوجة منذ عدة عقود نفسها، بين عشية و ضحاها، فاقدة تماما لأي مورد للرزق. هذا من ناحية و من ناحية أخرى لم يقرّ القانون أي شيء للزوجين طيلة إجراءات الطلاق حيث تبقى المرأة، و ما لم يتمّ الطلاق، على ذمة زوجها الذي يحتفظ بجميع حقوقه عليها. و يجعل تباطأ إجراءات الطلاق القضائي المرأة تعيش في هذه الوضعية لسنوات عدة في حين يمكن للرجل، بفضل السماح بتعدد الزوجات، أن يتّخذ زوجة ثانية في انتظار الطلاق. إضافة إلى ذلك يستطيع الرجل، نظرا لانعدام العقاب، أن يفلت من التزاماته القليلة الناشئة عن امتيازاته ( ترك العائلة و عدم تسديد النفقة للأطفال).

و تشكو وضعية الأم أيضا، وهي التي تحظى بقدر كبير من الاحترام في مجمل بلدان المنطقة، من التمييز حيث تُعتبر الأم، و رغم التغييرات الطفيفة التي أدخلت في بعض البلدان ( تونس مثلا)، كحاضنة لابنائها و ليس كولي شرعي إلا في حالة وفاة الأب أو في بعض الحالات الأخرى المحدودة جدا (15). و بوصفها حارسة للأطفال فليس لها أي نظر عليهم و يبقى الأب هو الولي دائما باستثناء تونس ( الفصل 57 القسم 60 من مجلة الأحوال الشخصية) حيث يحقّ للمرأة أن تبدي رأيها حول زواج أبنائها القصّر كما تتمتع بحق الرقابة في شؤون أبنائها.

و من ناحية أخرى لا يحقّ للأم المطلقة و الحاضنة للأطفال أن تحتفظ بالبيت العائلي ( إلا في تونس) و الحال أن الفقر و ضعف مساهمة المرأة في النشاط الأجري و أزمة السكن تساهم في تفاقم النتائج الاجتماعية المأساوية لهذا القانون (16). و لا يحق للمرأة المطلقة و الحاضنة لأبنائها في مجموع الدول العربية بالشرق الأوسط و شمال إفريقيا أن تتزوج من جديد خشية أن تُحرم من حضانة أطفالها و ذلك في الوقت الذي لا تنجرّ عنه نفس النتائج بالنسبة للأب إذا ما تزوج من جديد.

و تتعزز هذه الوضعية بالأحكام الخاصة بالميراث و التي تعتمد في كل مكان مبدأ عدم المساواة بين الرجل و المرأة وهو المبدأ الذي يمنح الرجل ضعف ما ترثه المرأة و ذلك بالرغم من أن لهما نفس درجة القرابة بالمتوفى (17).كما تمثّل قاعدة التعصيب مظهرا آخر من مظاهر عدم المساواة (18) إذ تقر تلك القاعدة انه في صورة غياب وارث ذكر للمتوفى يحق لأقاربه أن يشاركوا الوارثات الإناث في الميراث (19).و لذلك السبب نرى العائلات تفضل الخلف من الذكور مما يسمح بالحفاظ على ممتلكات العائلة. و من ناحية أخرى يُمنع، في جميع بلدان المنطقة، على الزوجة غير المسلمة أن ترث. زوجها المسلم.

و في بعض البلدان تسمح مؤسسة الوقف أو الحُبُس بالالتفاف على قانون الميراث غير العادل لفائدة الذكور و حرمان البنات من الميراث. و هناك حيل أخرى يلجأ إليها بعض علماء الدين كالوصايا الواجبة (في المغرب) و التي تمكّن الأحفاد المولودين لأحد الأبناء الذي سبق و أن توفى بالانتفاع بدين على التركة في حين تحرم (تلك الوصايا) أبناء البنت التي سبق و توّفت من نفس الحق.

2- عدم المساواة أمام القوانين الأخرى و في الممارسة.

لقد عزز المشرع الحديث الأحكام التمييزية الواردة في مجلات الأحوال الشخصية بإدخال قوانين تمييزية أخرى ضمن نصوص القوانين الدنيوية (مجلة الشغل، المجلة الجزائية، المجلة التجارية، و مجلة الجنسية) و التي تهدف إلى الحدّ من مبدأ المساواة و من حرية المرأة في نفس الوقت.
و عملا بمقتضيات القوانين المنظمة للعلاقات العائلية يتعين على الزوجة أن تقيم مع زوجها و لهذا الأخير، باعتباره رئيسا للعائلة، أن يحدد مكان المسكن العائلي. و يضعف هذا القانون حق الشغل بالنسبة للمرأة بالرغم من أن دساتير تلك البلدان تحمي ذلك الحق الذي يبقى مهددا باستمرار. و يبقى النشاط المجزي للمرأة المتزوجة، بصفة خاصة، محلّ جدل و نزاع مستمر بين الزوجين (20) بالنظر إلى أحكام مجلة الأحوال الشخصية و إلى الضغوطات الناتجة عن تقاسم المهام المنزلية بين الزوجين.

و بدأت تتقلص، بفضل تجنّد الحركات المساندة للمرأة، تأثيرات مجلة الأحوال الشخصية على مساهمة المرأة في الحياة العمومية و السياسية مثلما هو الحال في المغرب و لبنان حيث حُذف من المجلة التجارية واجب الترخيص المسبق للزوجة لممارسة الأنشطة التجارية. و الواقع أن هذا البند يضع المرأة تحت وصاية الرجل و ينكر عليها حقوقها كمواطنة وهي الحقوق التي تقرّها دساتير تلك البلدان.

و تعزّز عدة بنود واردة في المجلات الجزائية لبلدان المنطقة النظرة القاضية بأن شرف و سلامة الرجل البدنية و الأخلاقية تعلو على سلامة المرأة. إذ تُمنح ظروف التخفيف للرجل ، دون المرأة، في حالة ضرب أو جرح أو قتل الزوجة الزانية أو شريكها في حين لم يفترض المشرع العكس (21). و في سوريا مثلا يُحكم على المرأة التي ثبت ارتكابها للزنا من 3 اشهر إلى سنتين سجنا في حين يكون عقاب الزوج الذي يضبط في نفس الوضعية من شهر إلى سنة واحدة سجنا.

كما يمكن للرجل اللجوء إلى المحاكم لإجبار الزوجة على الرجوع إلى محل الزوجية رغما عن إرادتها و بقطع النظر عن الأسباب التي دفعتها إلى مغادرته.
و نشير على سبيل الذكر انه من بين 5400 حالة عالجتها المحاكم الابتدائية في الدار البيضاء سنة 1993 هناك 167 حالة متصلة بعودة الزوجة إلى محل الزوجية (22).

و يعزز التشريع الجزائي كذلك هذا العنف بمنع المرأة في بعض البلدان مثل المغرب (الفصل 336 من مجلة المرافعات الجزائية) أن تكون مدعية بالحق المدني ضد زوجها بدون ترخيص مسبق من الدائرة القضائية ذات النظر (23).و من ناحية أخرى تخول المجلة الجنائية كذلك للنيابة العامة تتبّع الزوجة التي تقيم علاقات خنائية علانية إذا كان زوجها موجودا خارج البلاد في حين لم يفترض المشرع العكس (الفصل 41 الفقرة 2 من المجلة الجنائية المغربية).

تسمح المجلة الجزائية في بعض البلدان (المغرب، مصر، لبنان) بإيقاف التتبعات بصفة آلية ضد المغتصب إذا ما قبل أن يتزوّج بضحيته القاصرة و البالغة و يجد هذا الإجراء المذلّ و المخجل من يدافع عنه بحجة أنه الحل الأمثل الذي يحفظ شرف الفتاة و عائلتها. و من ناحية أخرى و في العديد من البلدان العربية نرى جرائم “الشرف” مباحة (24) و تتمتع بقدر من التسامح القانوني و التعاطف من قبل المكلفين بتطبيق القانون.

و على الرغم من تجنّد المنظمات النسائية غير الحكومية في المغرب و لبنان فقد بقي القانون صامتا إزاء التحرش الجنسي في أماكن العمل. و تتّخذ بعض الأوساط المحافظة هذه الظاهرة تعلّة للمناداة بالفصل بين الأجناس في مواقع العمل و في كامل الفضاءات العمومية.

كما أن الإجهاض غير الطبي ممنوع حتى وإن كان متّبعا بصفة سرية و يمثلّ مصدرا هاما للدخل بالنسبة لبعض الأطباء و المشعوذين. و بالنظر إلى ارتفاع كلفة الإجهاض يكاد يقتصر إجراء تلك العملية، في ظروف طيبة، على النساء الموسرات. وهكذا تصادر الدولة حقّ المرأة في مراقبة خصوبتها تلك الدولة التي لا ترى فيها سوى وسيلة للحدّ من الولادات.
و إذا كانت تجارة موانع الحمل في العديد من بلدان المنطقة حرّة و تحظى بالتشجيع بسبب سياسات تحديد النسل فهناك تشريعات أخرى تحدّ من حرية المرأة كترخيص الزوج للقيام بعملية ربط القنوات و مراقبة توزيع و بيع موانع الحمل بالنسبة للنساء غير المتزوجات، كما هو الشأن في الجزائر مثلا حيث يتعيّن على المرأة أن تقدّم ما يثبت وضعيتها الزوجية.

و بخلاف الرجل، لا تنقل المرأة المتزوجة بأجنبي مطلقا و بصفة آلية جنسيتها إلى أبنائها حتى و إن ولدوا و عاشوا في البلد. و تخرق مجلات الجنسية في مجمل بلدان الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، و بدون أي عقاب، كافة المعاهدات الدولية و خاصة منها المعاهدة حول إزالة جميع أشكال التمييز تجاه المرأة و الاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل و ميثاق الحقوق المدنية و السياسية (25).

و لقد اقترحت المنظمات النسائية في الأردن تنقيح مجلة الجنسية باتجاه إعطاء مجلس الوزراء صلوحية منح الجنسية الأردنية لاسباب إنسانية لابناء النساء الأردنيات المتزوجات بغير أردنيين و الذين تعترضهم صعوبات كبيرة للالتحاق بالتعليم و الحصول على الشغل.
و ينص المجلس الأعلى للتعليم (قرار سنة 1996) على أنه بإمكان هؤلاء الأطفال المتوفرين على دفتر عائلي الحصول على حق الالتحاق بالجامعات. و الحال انه إذا كان للأردنيات المتزوجات بأجنبي دفتر عائلي فلا يمكن تسجيل الأطفال الذين يحملون جنسيات آبائهم بذلك الدفتر.

أما في مصر، و نتيجة للتمييز الذي تعانيه المرأة في مجال حق نقل الجنسية، فتُنتهك باستمرار الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية للأطفال من أبناء الأجانب المولودين و المقيمين بمصر ( رخصة الإقامة، الالتحاق بالتعليم و الحصول على شغل) (26). و تتم معاملة هؤلاء الأطفال مثل الأجانب الراغبين في الحصول على الجنسية. و ذلك في الوقت الذي يمكن فيه لزوجات المصريين الحصول بسهولة و بسرعة على الجنسية وقلّما ما يتحصل أزواج المصريات على الجنسية المصرية.

و في إسرائيل لا تزال نحو ألف امرأة من اصل فلسطيني، من المواطنات الإسرائيليات و اللائى تزوجن في ما بين سنتي 1967 و 1990 بفلسطينيين من الأراضي المحتلة، تعانين من التمييز في مادة قانون الجنسية.و قد اجبرن على إمضاء استمارة تقضي بالتخلي عن جنسيتهن الإسرائيلية في حالة التزوج بفلسطيني من الأراضي المحتلة و الإقامة معه. و قد أمضت هؤلاء النسوة الاستمارة دون أن تفهمن حقا تبعاتها و أحيانا وقّعن و هنّ قاصرات.

زيادة على ذلك يولد هؤلاء الأطفال بدون جنسية و تُواجه النساء المطلقات أو الأرامل اللائى ترغبن في استعادة جنسيتهن و العودة إلى إسرائيل أو على الأقل التمتع برخصة إقامة دائمة برفض طلبهن. و تعيش هؤلاء النسوة في إسرائيل كلاجئات و يمكن ترحيلهن إذا ما تم التفطن إليهن. و لا يمكنهن الحصول على ترخيص بالعمل أو التمتع مع أطفالهن بتأمين صحي و تغطية اجتماعية كما أن أطفالهن لا يتمتعون بالخدمات التربوية. ولقد وعد وزير الداخلية، إثر تقديم عريضة إلى المحكمة العليا سنة 1998 من قبل جمعية الدفاع عن الحقوق المدنية في إسرائيل، وعد بإعادة منح الجنسية لهؤلاء النسوة و لأبنائهن إلا أن الوعود بقيت إلى يومنا هذا أقوالا بلا أفعال.

و يحدّ القانون و كذلك المناشير الإدارية من حرية تنقل المرأة إذ لا يحق للمرأة في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا أن تتنقل بمفردها أو برفقة رجل غير محرّم. و بالفعل يُفرض، و بدون أي عقاب، على المرأة عند تأديتها لمناسك الحج في المملكة العربية السعودية أن تكون مرفوقة برجل و يتعيّن أن يكون الزوج أو الأخ أو ابن الأخ الخ. و لا تزال المرأة المتزوجة في الأردن تحتاج إلى ترخيص من زوجها للحصول على زواج سفر وهو الإجراء الذي تم إلغاءه خلال السنوات الأخيرة في مصر (1999) و المغرب (27) و لبنان. إضافة إلى ذلك يجبر القانون الأردني المرأة على اتباع زوجها إلا في صورة تعذّر ضمان سلامتها من قبل الزوج

و أمام غياب سياسة إرادية و حازمة لدى المسؤولين يبقى التمييز في الفضاءات العامة و عدم الاختلاط من اكثر الممارسات انتشارا حتى في الدول التي يتم فيها التشجيع على الاختلاط في المعاهد التربوية و في أماكن العمل مثلما هو الحال في المغرب العربي.
و كثيرا ما يكون عدم الاختلاط و التمييز في الفضاءات مقننا في عدد من بلدان الشرق الأوسط و شمال إفريقيا. هذا و يحدّ من ناحية أخرى انعدام الأمن و الاعتقاد الشائع بان الشارع على ملك الرجل، سيما عند هبوط الليل، من حرية المرأة ومشاركتها بشكل جدي في الحياة العامة.

يضاف إلى ذلك الجهل بوجود عدد ضئيل من الأحكام القانونية لفائدة المرأة وهي عادة ما تجهل حقوقها.

الإجراءات القانونية المتناقضة والمعقدة و المحيط الاجتماعي و القضائي غير موات بالفعل للمرأة. فتردّد القضاة في اللجوء إلى المعاهدات الدولية مع انه تمت المصادقة عليها في بلدانهم و غياب المرأة من سلك القضاء في بعض البلدان، و إن كان القانون لا يمنع ذلك كما هو الحال في مصر، و منع المرأة القاضية و بدون أي موجب قانوني- من النظر في مادة الأحوال الشخصية ( المغرب و الأردن) (28) كلّ ذلك يساهم في تعزيز التأثيرات الاجتماعية السلبية للقوانين الجاري بها العمل.

1) لمزيد الإرشادات و التحاليل حول التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية في بعض بلدان الشرق الأوسط و شمال إفريقيا راجع” وثائق ندوة ” الأحوال الشخصية في بلدان حوض البحر المتوسط آدري/ ايارام فيفري 1993 وكذلك الدراسة القديمة نسبيا و المفيدة لموريس بورمان: الأحوال الشخصية و العائلة في المغرب العربي من 1940 إلى يومنا باريس لاهاي موطون 1987.

2) تشتمل جميع دساتير بلدان منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا على بند يقرّ مبدأ تساوي المواطنين أمام القانون.

3) ناديا حجاب: تقرير مرقون مسلّم إلى البنك العالمي أبريل 2001

4) لمزيد التفاصيل بخصوص القوانين المنظمة للوضعية القانونية و العلاقات العائلية في بلدان الشرق الأوسط و شمال إفريقيا راجع الملحق 1

5) في فلسطين، %35 من زيجات البنات تتم فيما بين 12 و 17 سنة.

6) ما فتئ معدّل سن الزواج الأول يتقدّم بالنسبة للمرأة في مجموع بلاد الشرق الأوسط و شمال إفريقيا حيث بلغ مثلا 27.6 سنة في المغرب و 26.7 سنة في الجزائر و 29 سنة في تونس.

7) تم تعديل هذا البند جزئيا في المغرب بمقتضى إصلاح سنة 1993 و نتيجة لتعبئة الحركات النسائية و هكذا اصبح يحق للنساء الراشدات و اليتيمات من الأب أن تبرمن زواجهن بأنفسهن.

8) سيما الابن، الولي الإيصائي المعيّن من قبل الأب، أو الأخ أو ابن الأخ أو أي رجل ينتمي إلى المجموعة الإسلامية.

9) راجع الملحق 1

10) ألغت تونس مؤخرا واجب الطاعة و عوضته بواجب الاحترام المتبادل.

11) في المغرب، ألغى المشروع الجديد لقانون الشغل، و الذي سيعرض على البرلمان بداية من شهر أبريل 02، وجوب ترخيص الزوج بالنسبة لعمل المرأة.

12) بخصوص مختلف أشكال الطلاق انظر الملحق 2

13) انظر الملحق 1

14) يقضي القانون عدد1 (2000) المنقح لإجراء الطلاق بأن يتفق الزوجان، من هنا فصاعدا، على الخلع و إلا فبإمكان المحكمة أن تمنح الطلاق بعد التأكد من إرجاع المهر للزوج.

15) عدم أهلية الأب القضائية- الأب بدون جنسية- الأب مجهول الخ

16) في تونس، يتعين على الأب أن يوفر السكن للطفل و للحاضنة إذا لم يكن لهذه الأخيرة مسكن إلا انه يتضح من خلال البحث الذي قامت به جمعية النساء التونسيات للبحث و التطوير (آفتورد 2000) أن هناك اقل من امرأة مطلقة من اصل أربعة يُسند لها مسكن عائلي.

17) باستثناء الأجداد الذين يرثون بنسب متعادلة

18) باستثناء تونس، حيث يمكن أن ترث البنت الوحيدة والديها بدون تدخل الوارثين الذكور من الحواشي

19) إذا كان للمتوفى بنت وحيدة، تكون حصتها من الميراث نصف التركة وأما إذا كان له اكثر من بنت فتبلغ تلك الحصة ثلثي التركة.

20) انظر بهذا الصدد الدراستين: ” درجة الالتزام بقيم المساواة في المغرب (أدفام 1999)”

و في الجزائر ( تجمع 95 المساواة في المغرب العربي، 2000) بمساعدة أونيفام.”

21) تمّ حذف هذا البند في تونس بموجب إصلاح جويلية 1993وفي المغرب يعتزم مشروع تعديل المجلة الجنائية، الذي قدّم مؤخرا من قبل وزير العدل، إلغاء الفصل 418 من نفس المجلة و المتعلق بظروف التخفيف الممنوحة للزوج في صورة قتل أو جرح زوجته الزانية أو شريكها.

22) معطيات البحث الذي قامت به الجمعية المغربية لحقوق المرأة 1995.

23) ينتظر أن يتم إلغاء وجوب الترخيص من قبل الحاكم في مشروع مجلة الإجراءات الجزائية الذي سيعرض على البرلمان أثناء انعقاده في دورة افريل 2002.

24) و الذي يجوز للرجل بموجبه أن يقتل و بدون أي عقاب إحدى قريباته من المحرّمات (الأخت الأم العمة الخ) ليغسل شرفه”.

25) تم مؤخرا تعديل مجلة الجنسية التونسية ( الفصل 14 1993) للسماح للأطفال بالحصول على جنسية والدتهن بناء على تصريح مشترك و ملزم للوالدين.

26) سمح قرار من وزير التربية لسنة 1994 بالتخفيض في نفقات التعليم بالنسبة لهؤلاء الأطفال.

27) لم يتمّ إلغاء ترخيص الزوج للحصول على جواز سفر إلا في سنة 1994 اثر تجنّد الحركات النسائية في المغرب.

28) لم تكن المرأة تتولى القضاء في الأردن حتى سنة 1997.

3- الحق في التربية والعمل (29) :

بذلت بلدان منطقة “مينا MENA (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) بعد حصولها على استقلالها، جهودا كبيرة في مجال التربية لتدارك أوجه التأخر المسجلة في هذا الشأن ومحو الموروث الثقيل الذي خلفه المستعمرون. على أن المعطيات الإحصائية لسنة 1998 تشير إلى أن عديد بلدان المنطقة ما تزال تسجل نسبا من الأمية بين النساء بالغة الارتفاع (30) . فمتوسط نسبة الأمية بين نساء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو في حدود 42 بالمائة (21 بالمائة لدى الرجال) والحال أنه في حدود 25 بالمائة بالنسبة إلى البلدان ذات الدخل المتوسط (31). وهذا المتوسط يحجب بطبيعة الحال فوارق كبيرة في مجال الأمية بين أوساط النساء : 66 بالمائة بالنسبة إلى المغرب، و58 بالمائة بالنسبة إلى مصر، و17 بالمائة بالنسبة إلى الأردن و21 بالمائة بالنسبة إلى لبنان(32).
إن مؤشر نسبة التمدرس في مجموع مراحل التعليم (من ابتدائي وثانوي وعال) يكشف أكثر من سواه من المؤشرات على ما يبذل من جهود في مجال تعليم النساء الشابات ولكنتما تزال في هذا المجال أيضا فروق بين الرجال والنساء من جهة وبين متوسط هذه النسبة في بعض البلدان المتوسطية من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبلدان التي لها مداخيل مماثلة، من جهة أخرى. وفعلا فإن متوسط نسبة التمدرس بالنسبة إلى بلدان المنطقة (وهي الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس( هي 63.8 بالمائة لدى الرجال بينما تبلغ تباعا 63.3 بالمائة و83.3 بالمائة في البلدان ذات الدخل المماثل .
وتختلف الفوارق في مجال التعليم الإناث بين البلدان المذكورة اختلافا كبيرا : فهي تبلغ نسبة 77 بالمائة في لبنان 68 بالمائة في تونس، و42 بالمائة في المغرب.
إن الافتقار إلى المعطيات بخصوص المشاركة الاقتصادية للنساء في البلدان العربية التابعة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكون المعطيات، عدا بعض الحالات الاستثنائية ليست موزعة بحسب الجنس أمر لا تسمح بالحصول على فكرة دقيقة بخصوص درجة مشاركة المرأة في سوق العمال. إن الإحصائيات عن بطالة النساء إحصائيات غير قويمة BIAISEE بما أن آليات العملية الإحصائية يمكن أن تعدّ المرأة التي تعتني بشؤون بيتها امرأة لا تندرج ضمن طالبي العمل وبالتالي ليست في وضعية بطالة.
ورغم ما أحرزه نشاط المرأة من تقدم في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وهي بلدان انظمت إلى اتفاقية الشراكة الأوروبية المتوسطية “يويوميد”( ) ، فإن هذه البلدان تظل من أضعف البلدان في العالم بما أن نسبة المشاركة في قوة العمل لا تتجاوز 29 بالمائة في البلدان ذات الدخل الضعيف . والبلدان المغاربية ولا سيما المغرب الأقصى (35 بالمائة) هي التي تأتي في رأس القائمة تليها تونس (31 بالمائة) بينما يسجل الأردن أضعف نسبة من حيث مشاركة النساء في قوة العمل.
إن المعطيات بشأن التربية ومساهمة المرأة في سوق العمل تسمح باستخلاص استنتاجين رئيسيين :
ـ أولهما أن الفجوة القائمة بين المساهمة في التربية وفي سوق العمل تدل على أن النساء من ذوات المؤهلات لا يستثمرن، شهائدهن ومؤهلاتهن في سوق العمل بأعداد غفيرة ؛ وفي المقابل، نجد البلدان التي مشاركة المرأة في سوق العمل بها كبيرة، كما هو الشأن في المغرب وفي مصر، ما تزال الأمية ونقص الكفاءة سمة قسم كبير من العاملات الأجيرات.
ـ ثانيهما أنه يوجد تمييز أفقي قوي بين العمال والعاملات في المنطقة : فاستخدام المرأة يرتكز في قطاعات الوظيفة العمومية، والتربية والصحة، والزراعة والخدمات الاجتماعية. وتزيد خصخصة القطاعات العمومية في استفحال بطالة المرأة لأنه لا ترافقها التغيرات الهيكلية المناسبة في مجال التدريب وفي سوق العمالة.
وتسهم عوامل أخرى في الحد من مشاركة المرأة في الحياة العامة، من قبيل التمييز إزاء المرأة في الحصول على العمل المأجور وعلى الترقية في الحياة المهنية، ومن قبيل عدم تكافؤ الأجور بين الرجال والنساء. كما تقف أمام الترقي في المهنة عقبات عائلية منها (رعاية الأطفال والأشخاص الذين في الكفالة) ومنها التمييز الجنسي في مواقع العمل. وعند تكافؤ المؤهلات يصعب على المرأة أكثر مما يصعب على الرجل الحصول على مركز لشغل منصب وظيفي أو منصف إدارة. إن هذه الممارسات منتشرة جدا بل تجد لها حتى مبررا في أسطورة المرأة التي يعولها غيرها وبالفراغ القانوني ولا سيما قانون الأحوال الشخصية CSP حول مسألة حق المرأة في التربية والعمل .
ورغم الفجوات المسجلة بين مختلف البلدان فيما يخص حصول النساء على العمل المأجور، فإنه ـ أي العمل المأجور ـ يظل نسبيا بالقياس إلى الأسرة لأن القانون يعتبر المرأة دوما كائنا ينفق عليه إما الأب أو الزوج. إن جهود الدول والأسر من أجل تعليم البنات معرّضة للخطر بسبب ظروف اقتصادية صعبة، تنوء بوطأتها على النساء أكثر مما تنوء على الرجال.

4 ـ الحقوق السياسية وممارستها :

منذ أن حصلت بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على استقلالها، تؤمن دساتير هذه البلدان المساواة في الحقوق السياسية بين الرجال والنساء. وقد كانت بعض أحكام تلك الدساتير، كما هو الشأن في الجزائر، تسمح للزوج بأن يصوّت نيابة عن زوجته أو أخته، قبل أن يتم إلغاؤها مؤخرا (1995).
أما على صعيد الممارسة، فإن مشاركة النساء في ممارسة السلطة السياسية وفي أخذ القرار ضعيفة جدا. وإن التقسيم التقليدي للأدوار بين الجنسين وتقسيم الفضاءات العمومية والخاصة، بناء على حجم من نوع ثقافي أو ديني ـ تتصل بمنزلة المرأة في الإسلام ـ تسهم في الحد من دخولها إلى القطاع العام الرسمي ودخولها إلى مراكز أخذ القرار السياسي. وتسهم عوامل أخرى في إقصاء المرأة من المشاركة السياسية أو تجعل مساهمتها مجرد مساهمة شكلية. منها انعدام الديمقراطية، وغياب عمليات استشارة تتم في كنف الشفافية، وطرق في التصويت تتم على أساس من التمثيل القبلي أو العرقي أو الطائفي كما هو الحال في الأردن وفي لبنان.
والواقع أن ضعف مشاركة المرأة في الحياة الرسمية يظل مشكلا قائما في الغالبية العظمى من بلدان العالم. ولتصحيح هذا الوضع، تعمد بعض الحكومات وبعض الأحزاب السياسية إلى ضبط قواعد انتخابية دقيقة، فتطالب بأن تكون نسبة معلومة من المترشحين من النساء، أو بأن تخصص لهن عدد من المقاعد في البرلمانات الوطنية.
وفي البلدان التي لا تتوفر فيها الديمقراطية إلا قليلا أو في البلدان غير الديمقراطية، فإن العمل من أجل إثبات حضور المرأة (أي التمييز الإيجابيà الذي يعمد إليه على سبيل المثال النظام الجزائري أو السوري أو المصري أو التونسي، لا تشكل، بأية حال، بديلا جديدا لغياب المرأة من المؤسسات القادمة على التمثيلية. إن تونس، التي تعد في مجلس النواب نسبة حضور للمرا’ تقدّر بـ 11.6 بالمائة تحتل المرتبة الأولى ضمن بلدان المغرب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تليها سوريا بنسبة غير بعيدة، في حين أن المغرب، الذي حركة النساء فيه أكثر حضورا بفضل مناخ سياسي أكثر مناسبة للتعبئة وبفضل حرية تعبير واجتماع نسبية، لا يتجاوز فيه حضور النساء في غرفتي البرلمان نسبة 0.6 بالمائة .
إن العمليات الديمقراطية بالنسبة الى الغالبية العظمى من بلدان المنطقة رهينة بعض أصحاب المصالح وبعض المجموعات ذات النفوذ، التي تعودت العمل خارج إطار القواعد الديمقراطية وتعودت التأثير في الناخبين أو رشوتهم في إطار مشاورات هي في معظم الحالات، تمثيليات يتم إخراجها قصد تلميع صورة الحكام لدى المجموعة الدولية. وبهذا الصنيع فإن هذه الممارسات تساهم هكذا في خيبة أمل الناخبين وإحباطهم وتقصي عن الممارسة السياسية لا فقط النساء، ومستوى انخراطهم في تلك الشبكات، ولكن أيضا النخب والشباب.
وفي معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تجد النساء اللائي يتم تعيينهم وقبولهن أعضاء في إطار العمل الداعم لحضور المرأة في مجلس النواب أو في مراكز مسؤولة أخرى انتخابية، إذا استثنينا بعض الحالات النادرة، نساء يتم اختيارهن في معظم الأحيان بحسب مدى قربهن من السلطة القائمة. وبدل الدفاع عن مصالح المرأة، فأنهن ينبرين أحيانا مناوئات للنسويات اللائي يدافعن عن حقوق المرأة مناوءة تزداد ضراوتها بقدر شعورهن بأنهن موجودات هنالك أساسا من أجل مكافحتهن. وعلاوة على ذلك، فلما كان انتخابهن في تلك المناصب قد تم دون خوض حقيقي للاقتراع العام بل بفضل نظام القاعد المخصصة، فإنهن لا يستطعن التعبير عن عدم موافقتهن على القوانين والسياسات المتوخاة إلا بصعوبة بالغة.
إن هذا الإقصاء للمرأة من مجال السياسة الرسمية قد عوضه، في عدد كبير من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، انخراطها في المجال الجمعياتي والمدني. والحركة النسائية في بلدان المغرب العربي على سبيل المثال تشكل حلقة نشيطة جدا وفاعلة جدا في المجتمع المدني وتشارك في النقاش العمومي حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتلك البلدان. ولتلك المشاركة وزنها الكبير لا سيما أن سياق حرية التعبير وتأسيس الجمعيات سياق مناسب كما هو الشأن في المغرب منذ السنوات الأخيرة.

5 ـ العنف المسلّط ضد المرأة :
منذ زمن غير بعيد، كان العنف المرتكب في حق المرأة موضوعا محرما يحرم الخوض فيه وممارسة تتم في كنف الصمت، وتقبلها بل تبررها مجلة الأحوال الشخصية التي، بحكم ما تخصصه للمرأة من منزلة دونية، تشرّع للعنف ضدها. ولكن بفضل ما تقوم به الجمعيات من عمل فعّال ومتواصل من أجل النهوض بحقوق المرأة في مجموع بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنه قد بدأ كسر طوق الصمت الذي كان يلف هذا الموضوع.
إن عدم توفر المعطيات الكمية والكيفية حول مدى هذا العنف وأشكاله ومظاهره، ولا سيما منه العنف الزوجي (وهو مفهوم يكاد يكون غائبا من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) أمر ينحو في اتجاه الابقاء على أسطورة المجتمع الاسلامي القائم على قداسة العلاقات العائلية وعلى خشية الله. وتظل المعطيات النادرة التي لدينا حول هذا الموضوع شتات من المعطيات وهي ثمرة الجهود التي بذلتها خاصة منظمات غير حكومية من النساء . إن قلة ظهور أوجه العنف المسلطة على النساء أمام العيان يسمح لدول المنطقة بأن تنكر وجوده وبأن لا تتحمل مسؤوليتها، وخاصة فيما يتعلق بالمبادرة إلى إنشاء هياكل استقبال للضحايا وإلى تدريب وتعيين أعوان مختصين لدى السلط الطبية ولدى الشرطة وسلك القضاء.
إلا أن أوجه العنف في تلك المنطقة من العالم تمثل إنكارا لإنسانية المرأة. وهي أولا ذات صبغة قانونية ومؤسساتية كما هو الشأن بالنسبة إلى مظاهر العنفي الزوجي. فالرجل لا يغتصب زوجته البتة لأن له الحق المطلق في جسدها. وله الحق أيضا في تأديب زوجته (ضرب خفيف) إذا لم تكن مطيعة له.
اما فيما يتعلق بالبلاد التونسية، فتدل معطيات مركز الإصغاء والتوجيه للنساء ضحيا العنف على أن أكثر من 64.4 بالمائة من الملفات التي عالجها المركز ذات صلة بالعنف الزوجي.
أما في الجزائر وطبقا للمعطيات التي تم جمعها في مستشفى واحد بالجزائر العاصمة ، فإن حوالي 9000 امرأة يعتدي عليهن زوجهن بالعنف يقصدن المستشفى للتداوي من جراحهن . ويوجد بمختلف أنحاء الجزائر خمسة عشر مركزا استشفائيا جامعيا و15 مصلحة أخرى من مصالح الصحة العمومية. ووفق نسف تلك المعطيات فإن 75 بالمائة من عمليات الاعتداء بالعنف تتم في بيت الضحية كما أن المعتدى عليها هو في معظم الأحيان زوجها. كما أن ثلاثة أرباع المعتدين لم تتم إدانتهم البتة والحال أن معظمهم من الذين أعادوا الكرة.
وفي عديد من بلدان المنطقة، تتنزل التقاليد بمنزلة القواعد والمدركات شبه المقدسة. وما يزال ختان البنات ممارسا على نطاق واسع في بعض بلدان المنطقة، لا سيما في مصر وفي بعض البلدان الاوروبية التي تتم الهجرة إليها (مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهلم جرا(. إن عمليات بتر العضو التناسلي للبنات الصغيرات، وهي ممارسة ليس لها من أساسي ديني أو قانوني، مقبولة على نطاق واسع وتكاد تكون مؤسسة قائمة لما يحظى به مرتكبوها من حصانة مطلقة تجعلهم بمنأى عن كل عقاب. وحسب تقرير الأمن الوطني المصري (1995)، فإن 79 بالمائة من النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 15 و45 سنة، قد خضعن لعملية بتر للعضو التناسلي وأن 10 بالمائة فقط من حالات البتر تلك كانت تحت مراقبة طبية.
إن جرائم “الشرف” في الأردن وسورية ومصر ولبنان وفلسطين وإسرائيل توقع سنويا عديد الضحايا بسبب تساهل القوانين وغض الطرف من أولئك المكلفين بتطبيقها والحال أن ليس لتلك الممارسة أي أساس ديني. والبنات والنساء يدفعن حياتهن ثمنا لـ “شرف الرجال” باسم الدين وقد اتخذ أداة في خدمة الأبوية وفي خدمة مصالح سياسية ومصالح أخرى وضيعة ليس لها أدنى علاقة بـ “الشرف” (من قبيل الغيرة وقضايا الإرث).
وفي الأردن، حيث تأتي تلك الجرائم على ما بين 25 و30 ضحية سنويا فإن مقترح إلغاء تلك الممارسة الذي تقدمت به الحكومة الأردنية مرتين (1999 و2000) قد رفضه المجلس الـ CHAMBRE BASSE من البرلمان، بسبب عملية التعبئة التي قام بها الإسلاميون وقد برروا ذلك الرفض بأن “إلغاء تلك الممارسة من شأنه أن يؤدي إلى الفساد وإلى تدهور الأخلاق”. والواقع أن أولئك النساء يقبعن في السجن بينما الأشخاص الذين يتهددونهن ينعمون بالحرية. وتشير الاحصائيات الرسمية إلى أن حوالي خمسين 50 أو 60 ستين امرأة يتم وضعن سنويا في حالة اعتقال إداري وقائي لمدة تتراوح بين بضعة أشهر وأكثر من ثلاث سنوات.
وينص القانون الجزائي في سوريا (البند 1. 548) على أن الذي “يضبط زوجته أو إحدى النساء من أصوله أو فروعه أو يضبط ابنته متلبسة بجريمة الزنا أو تقيم علاقة جنسية غير شرعية مع رجل ويرتكب، دون قصد منه، جريمة قبل أو ضرب وجرح في حق قريبته وشريكها بتمتع بالإعفاء من الجزاء المنصوص عليه في القانون. كما ينص البند 2. 548 من القانون الجزائي نفسه أن “من يضبط امرأته أو إحدى أصوله أو فروعه من النساء أو يضبط أخته في وضع مريب مع رجل فيرتكب جريمة قتل commet un homicide أو ضرب وجرح يحظى بالتخفيف من الجزاء المنصوص عليه في القانون.
أما على صعيد الممارسة، فإن المطالبة بعذرية المرأة، باعتبارها على الصعيد الاجتماعي شرطا لصلاحية الزواج هي أمر يجعل من المرأة بضاعة والحال أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت إلى حد كبير في تأخير سنّ الزواج جعلت العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج منتشرة انتشارا بعيدا حتى وإن كان هذا الموضوع ما يزال يشكل مسألة يحرم الخوض فيها في مجموع بلدان المنطقة وهي بلدان لا تتصور العلاقات الجنسية فيها إلا في إطار الزواج.
والنساء العزباوات وأطفالهن هن الضحايا الأولى لتضافر وجود قانون مميز بي
ن الجنسين ونفاق اجتماعي يعززه تأثير التيار الاسلامي في المنطقة. وهن في معظم الأحيان فتيات من أشد الأوساط الاجتماعية خصاصة وليس لهن امكانية للجوء إلى سبل أخرى (من قبيل الاجهاض سرا وهو باهض التكاليف ومن قبيل الحصول المعلومات المتصلة بالوقاية من الحمل وهلم جرا) وفي بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا وجود لبنوة طبيعية إلا بين الأم وطفلها.
ولئن أسهمت المنظمات غير الحكومية والحركات النسائية في رفع النقاب عما كان يحضر الخوض فيه من ظروف ذلك الصنف من السكان فإن المانع القانوني للأباء من الاعتراف بأبنائهم غير الشرعيين المولودين خارج إطار الزواج يشجعهم على توخي سلوك لا مسؤول. وإزاء هذا الوضع، فإن النساء يملن إلى التخلي عن مولودهن بعد الوضع، إما في دور الحضانة أو في معظم الحالات، في الشارع.
إن الفقر، وانعدام الحماية الاجتماعية آفة تصيب بعض الأصناف من النساء اللائي أكثر هشاشة من غيرهن على نحو خاص، ومن بينهن أولئك النسوة اللائي ينتمين إلى أقليات والنساء العزباوات والفتيات الريفيات وعاملات المنازل وكثيرا ما يقعن ضحية لشبكات منظمة متخصصة في الاتجار بالنساء على المستوى الوطني فيما بين الجهات وعلى المستوى العالمي في اتجاه أوروبا وبلدان الشرق الأوسط.
وتعوزنا المعطيات حول الدعارة وحول الاتجار بالنساء ولكن من الواضح أن هذه الظاهرة آخذه في الاستفحال بسبب تعزّز حضور شبكات الاتجار بأفقر النساء في بلدان الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط ومن بلدان آسيا (ميل سري ـ لانكا والفيليبين وهلم جرا) في تيار يمتد نحو اوروبا ونحو البلدان النفطية في الخليج والشرق الأوسط.
وحسب تقرير صادر عن إدارة الشؤون الخارجية الأمريكية (لسنة 2001) اعتبرت إسرائيل ولبنان البلدين الذين فيهما أسوأ الممارسات في مجال الاتجار بالرقيق. أما في المغرب، ويأتي في موقع متوسط من التصنيف الذي تم في صلب نفس التقرير، فإن الصحافة تخبر بصفة منتظمة عن تفكيك عديد من شبكات الدعارة التي ترسل بالشابات القاصرات نحو البلدان الأوروبية ولا سيما نحو إسبانيا وإيطاليا. وتستفيد تلك الشبكات من التضييقات التي تفرض على حركة الأشخاص بين ضفتين البحر الأبيض المتوسط وتمنّي تلك الفتيات الأماني بعقود عمل في الشمال. كما أن التشريع الأوروبي الجديد حول الدعارة، وهي ظاهرة لم تعد تتعلق أكثر فأكثر، إلا بالنساء الأجنبيات (من أوروبا الشرقية ومن الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط)، سوف يسهم في تعزيز شبكات الدعارة والاتجار بالنساء.
وتخضع النساء ضحية الاتجار هذه لمعاملات تمثل انكارا لإنسانيتهن : من دعارة وزواج بالإجراء، ومن استرقاق، وخطف وحبس واستعباد وعمل شاق بدون أجر. وهذا النشاط بأيدي شبكات من المجرمين وله علاقة بسائر أشكال الإجرام.
وكل يوم، ترى آلاف الشابات الآسيويات والإفريقيات والمتوسطيات من عاملات المنازل يتم استرقاهن بأوروبا. وعلى سبيل المثال، وطبقا للإحصائيات التي تم جمعها في مراكز لجنة مكافحة الاسترقاق الحديث (CCEM لسنة 2001) في فرنسا، فإن 76 بالمائة من ضحايا الاتجار بالرقيق والاستعباد هن من النساء، وأنهم أصيلات بلدان غربي إفريقيا (بنسبة 36.9 بالمائة) ومن بلدان المغرب (بنسبة 8.5) ولا سيما من المغرب الأقصى (7.7 بالمائة). وفضلا عن ذلك فإن 26.7 بالمائة من الضحايا قد تم انتدابهن بواسطة وكالات، وأن نسبة 6.5 بالمائة عن طريق الوسطاء، وأن نسبة 73.3 من الضحايا لم يحصلن على أي أجر وأن 95 بالمائة من بينهن احتجزت أوراق هويتهن (من جواز ودفتر سفر وشهادة ولادة…) وأخيرا أن ثماني ضحايا من عشرة كنا وفي وضع غير سوي عند وقوع الأحداث .
وفي حين تدر أعمال استرقاق النساء على أصحابها مداخيل طائلة وتقترن بعمليات غسيل للأموال وبمؤسسات وهمية، فإن بعض الدول الأوروبية وبعض البلدان مترشحة للدخول في الاتحاد الأوروبي، ليس لها من تشريعات خاصة باسترقاق النساء أو أن ما لديها من تشريعات غير مطبق. فالعقوبات التي يمكن أن تحل على المتاجرين بالمخدرات مثلا، أكثر صرامة من تلك التي تنطبق على من يتاجر بالنساء .
ففي إسرائيل، على سبيل المثال، ورغم إصدار القانون الذي يحظر الاتجار بالأشخاص من أجل استغلالهم استغلالا جنسيا (2000)، فإن الحكومة لم تنجح في تأمين حماية شرعية للأشخاص ضحايا الاتجار بالرقيق ممن تم ادخالهم إلى إسرائيل للقيام بالأعمال المنزلية أو الزراعية أو في مجال البناء. ويلجأ المتاجرون بالنساء إلى أساليب جديدة للإلتفاف على عمليات المراقبة التي تتم في المطارات وينجحون في إدخال نساء للعمل في مجال الدعارة عبر صحراء سينا. ووفقا لمعهد تودا آه Toda ah يتم في أدنى تقدير إدخال 3000 امرأة إلى إسرائيل سنويا بواسطة شبكات الاتجار بالرقيق. ويضطلع تواطؤ الدولة والفساد بدور كبير في الإبقاء على هذا الاتجار. وحسب دراسة حديثة العهد انجزها ما يسمى بالخط الساخن لورشات المهاجرين Hot-line for Migrant Warkschops أن 55 بالمائة من جملة 29 تسع وعشرين امرأة تم إدخالهن إلى إسرائيل لغرض الدعارة بالإكراه، قد صرحن بأن قوات الأمن تعد ضمن أهم زبائنهن. وأن التقرير الوطني للمنظمات غير الحكومية الاسرائيلة أشار بمناسبة انعقاد الاجتماع السنوي للجنة حقوق الإنسان في شهر أفريل نيسان لسنة 2001 إلى أن السلطات الاسرائيلية ما تزال تعامل النساء ضحية الاتجار بالرقيق باعتبارهن مجرمات وليس باعتبارهن ضحايا.

6 ـ أشكال العنف المسلطة ضد المرأة في حالات النزاعات.
خلال فترات النزاع، مثلما كانت الحال في فلسطين أو الجزائر طوال العقود الماضية، كانت النساء والمراهقات ستصدرن قائمة ضحايا العنف الناجم عن الاحتلال الأجنبي عن عدم التسامح الديني ونقص الديمقراطية.
وما تزال النساء الفلسطينيات يعانين من الحصار الذي تفرضه إسرائيل على الغالبية العظمى من المناطق المحتلة وغزة.. ففي شهر جوان / حزيران من سنة 2001 نقلت وكالة الأمم المتحدة للعمل والمساعدة في فلسطين (الأنروا UNRAWA) أن النساء الفلسطينيات اللائي على وشك الوضع يجدن صعوبات جمة للوصول إلى مراكز التوليد. وفي جويلية / يوليو، وضعت امرأة فلسطينية أصيلة غزة طفلها عند مراكز المراقبة وقضى وليدها مباشرة على إثر مضاعفات وبسبب نقص أعمال الرعاية الطبية وقد أحصت “لجنة الاتحاد الفلسطيني للإغاثة الطبية UPMCR أكثر من 52 حالة تعذر فيها على النساء الوصول إلى مراكز الولادة والحصول على الرعاية الطبية لمرحلة بما بعد الولادة.
وفي الجزائر، كان الاغتيال والاغتصاب، واحتجاز النساء والبنات الصغيرات والزواج بالإكراه من نصيب آلاف النساء الجزائريات طوال مدة النزاع القائم بين الدولة والجماعات المسحلة . فقد اعتبرن سبايا (من غنائم الحرب) واضطررن إلى القيام بالأعمال المنزلية بالإضافة إلى أي “خدمة” جنسية أخرى يطالبن بها . وقد قام بأعمال العنف تلك جماعات مسلحة منعزلة تحتجز من تحتجز وتستفيد من مناخ النزاع ومن عد الوقوع تحت طائلة العقاب لكي تغتصب وتضرب وأحيانا كي تقتل بعض النساء متذرعة بأنهن طائشات من الناحية الأخلاقية أو لأن مظهرهن الخارجي ليس مطابقا لـ “الزي الإسلامي” أو أخيرا لأن أزواجهن أو إخوتهن أو أبناءهن من المعارضين أو من المنتمين إلى جماعات أخرى مناوئة الخ… ورغم تنديد المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان بذلك، فإن المعطيات الكمية والكيفية حلو مظاهر العنف المذكورة ليست معروفة ولا موثّقة .
إن إغتصاب النساء خلال تلك الفترة من النزاع، واستعماله سلاح حرب، كان يهدف إلى إذلال الرجال بالتهجم على أساس فحولتهم ولبيان قوة المهاجمين وعجز خصومهم عن حماية عروض نسائهم وأخواتهم. وبذلك فإن اغتصاب النساء يحمل على التشكيك في أحد الأركان التي عليها يقوم قانون الشرف الذكوري والاجتماعي في المنطقة. إن خوف بعضهم ن ردود فعل من يرفضون مساعدته من أعمال الانتقام التي يقوم بها الإرهابيون، قد اضطرّ آلاف الأسر إلى مغادرة قراها وبيوتها والذهاب للسكنى في المدن الكبرى وتضخيم أعداد أولئك الذين يعيشون في ظروف سكنية غير صحية وفي كنف الفقر.
وحتى إذا لم يتم تحديق دقيق في عدد النساء اللائي كن عرضة لاغتيال أو القتل علي نحو رسمي مدقق، فالراجح حسب بعض التقديرات أن عددهن يناهز عدة آلاف. ففي سنة 2000 قدمت مصالح الأمن لهن رقما هو 2029 امرأة بقيت على قيد الحياة اغتصبتها مجموعات إرهابية. وإلى يوم الناس هذا، ورغم الطلبات التي تقدمت بها حركة النساء وجمعيات الأطباء حتى يتم اعتراف رسمي بعمليات الاغتصاب المذكورة وحتى تعتبر ضحايا الاغتصاب بمثابة ضحايا للإرهاب ويعتبر جلادوهن بمثابة مجرمي الحرب ، فإن الدولة لم تتخذ أية مبادرة في هذا الاتجاه. إن عدم اعتبار مرتكبي عمليات الاغتصاب والعنف الجنسي من قبل السلط العمومية بمثابة مجرمي الحرب، وعدم تعرضهم للتحقيقات لما يسهم في خلق مناخ من عدم الوقوع تحت طائلة القانون يغذي أعمال العنف المسلطة ضد النساء.
وعلاوة على ذلك فإن أولئك النساء اللائي عادة ما يجدن صعوبات في إعادة الاندماج في صلب أسرهن ومجموعتهن اعتبارا للمحيط الاجتماعي ـ وهو محيط ينزع إلى اعتبارهن لا ضحايا ولكن حاملات لوصمة عار تلطخ شرف أسرهم ـ لا يكدن يحظين بأية مساعدة اجتماعية أو نفسية باستثناء تلك التي تؤمنها لهم هياكل المجتمع المدني .

7 ـ بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا والصكوك الدولية ذات الصلة بحقوق النساء :

إن المنزلة التي تتنزلها الاتفاقيات الدولية في النظام القضائي الداخلي وكذلك الإحالة على الإسلام باعتباره دين الدولة في بلدان المغرب العربي ما فتئ يثير التحاليل والتعليقات خلال سنوات الماضية نظرا إلى الازدواجية الكبيرة بين النظام القانوني الداخلي من جهة، وهو يجعل من الإسلام دين الدولة الرسمي وبين الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان المغاربي من جهة أخرى.
وعلى العموم فإن دساتير البلدان المتوسطية التابعة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تنص في أحكامها على مبدإ المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق الخ.. ومن ذلك نادرا ما تتم الإشارة على نحو صريح إلى المساواة بين الرجل والمرأة أمام كافة القوانين. ولا يتم الاعتراف بتلك المساواة إلا فيما يتعلق بالحقوق الإجتماعية والسياسية.
والواقع، أن مصدر الالتباس الرئيسي ناجم عن المنزلة التي تبوؤها الدساتير للاتفاقيات الدولية ضمن مرتبية المعايير القانونية الوطنية. فبعض البلدان شأن الجزائر أو لبنان، تجعل العلوية في دساتيرها للاتفاقيات الدولية على القوانين الداخلية. أما سائر البلدان فتبقى على الغموض من خلال السكوت عن ذلك كما هو الشأن في المغرب حيث لا يتضمن الدستوران المنقحان سنتي 1992 وسنة 1996 أي حكم صريح يقضي بالعلوية وبالقوة الإلزامية للاتفاقيات الدولية على النظام القانون المحلي الداخلي .
إن حكومات بلدان المنطقة قد تعودت التصديق على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة ولكن مع إرفاقها بتحفظات على نحو يجعلها في حل من المسؤولية فيما يتعلق بالتمييز وبأعمال العنف ضد النساء كل في بلده.
وهكذا فإن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي صدّقت عليها كامل مجموعة بلدان المنطقة قد سجلت رقما قياسيا من اللجوء المنتظم إلى بند إبداء التحفظات. وإلى يوم الناس هذا، لم يوقع على البروتوكول الاختياري المتعلق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1999) أي بلد من بلدان الشرق المتوسط وشمال إفريقيا بما في ذلك إسرائيل.
إن طبيعة التحفظات وعدم فاعلية الأحكام التي تمت الموافقة عليها وأخيرا إمكانية أن لا تكون الحكومات مسؤولة عن تعهداتها سواء على الصعيد الوطني والدولي تجعل مناقشة تلك الاتفاقيات ذات الصلة بحقوق الإنسان وبحقوق المرأة وتحليلها عملا باطلا وغير ذي جدوى ورغم ما تقوم به الحركة المناصرة لحقوق المرأة من عمليات تعبئة بهدف رفع التحفظات القائمة بشأن اتفاقية CEDAW فإن الوضع مازال على حاله لم يتطوّر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 3 + 4 ؟
Please leave these two fields as-is: