"/>

لم يكن في ظنها

آراء ومقالات أبريل 14, 2010 No Comments

لكنه لم يسأل من الذي جلس قربها هذه المرة؟
كانت أمسية لطيفة، رغم ان ادخال الغيتار على مقطوعات كلاسيكية لم يكن موفقا كثيرا، اتفقنا العصفور وانا على هذه النقطة. احب ان ادعوه هكذا. عصفوري.. الحب الصغير..وردتي.. في ذلك العالم الذي لم تعد تدركه يدي. ومعا عدنا لنأخذ الكتيب الذي يضم برنامج الحفل والذي نسيته على الكرسي.
يدي ويد حبيبي الصغير تتعانقان، واليد الاخرى تحمل البرنامج اليه، وكل من “هو” و”إليه” تدلان عليه، وكأنه الرجل الوحيد في حياة امرأة.
عرض نوار علي حمل الكتيب.. فرفضت.
بإصبعه قلب نوار شفتي السفلى، التصق بي هامسا “دعيني اقبلك من الداخل”.
حقا انا في ورطة!.
كفي وكفه ممدودتان، ذراعانا متعانقان على طوليهما، خطانا تسحبنا، كل اهتزازة ملامسة، تدغدغ جلدي.. وجلده ايضا. نحن في المدينة الكبيرة.. وفي المدينة الكبيرة-نوار وانا- هكذا نسير.
لعوب ضاحكة، الا ان روحي تدور وتدور تطفر عبر ماء عيوني.

***

يوم عيد ميلاده.. ميلاد كمال ذهبت اليه احمل شمعدانين من الحديد المطلي الاخضر والمتداخل مع القش. كنت قد امضيت يومين اتجول في الاسواق بحثا عن هدية موحية-هكذا اسمي الهدايا التي تليق بالخاصين في مناسباتهم الخاصة- ومع الشمعدانيين حملت الكاتو الذي يحب وكذلك تبولة وبعض المعجنات، قبلت خده، عيني كانت على كتفيه مرة كتبت له “اخاف امام الآخرين ان تفتح ذراعك لسبب ما فانهمر على كتفك”، كتفه نقطة ضعفي، يوما ما سأهرع اليه، على صدره سأعود غاويته الصغيرة، هو الذي لا يحب ان يكبر، سأهرب يوما من عصفوري صافي العينين، او ادفعه للهرب.. لا يمكنني التفكير بنهاية لعلاقتي معه. اليه..معه ..هو.. دلالات الرجل الوحيد في حياة امرأة.
اية ورطة هذه؟؟

***

“تعال نلعب لعبة بلّ الشعر” قلت لنوار، كنا نجلس في مقهى رصيف قبالة القلعة، قلعة حلب. دخلنا، كل الى قسم الحمامات الخاص بجنسه، تقابلنا عند المخرج كلانا شعره يقطر بالماء، ضحكنا بمكر طفولي، وقد وجدنا وسيلة للتغلب على حر آب القاسي. عدنا الى الطاولة غير عابئين بنظرات فضولية او مستنكرة.
/يا للفراغ الذي يتركه كمال! كبير أحار في ملئه./
حبيبي الصغير يدي تمسح ظهره، “لماذا لا يقف الزمن” بقهر قالها.. “عند اية لحظة؟؟” تساءلت بين نفسي وبيني.
“انا لحبيبي وحبيبي الي..” ارفع سماعة الهاتف، تسبق صوته، ويمر الوقت. احاديث معظمها بلا معنى حقيقي، احاديث العشاق التي يقتلون بها الوقت، كنا نبني بها السر المشترك.
مرة قال لها- كانت تزوره في محترفه الصغير حيث يصنع اوانيه الفخارية ويرسم عليها ما شاءت له الالوان والمخيلة- “لا احب ان ان ابيع هذه القطع التي رأتك، هذه القطعة بالذات” وأشار الى جرة ممشوقة القوام “رأت النور على وجهك، لقد تصادف ميلادها من الفرن مع اول زيارة لك الى محترفي، اتذكرين؟ انها طفلتنا البكر”، ضحكت. لم يخطر ببالها يوما ان تنجب جرة!
انها تعلم كل شيء، كما يقول كمال، تعرف ان هذا لا يمكن ان يستمر، لا بد للتوهج ان يخمد، والا احترقا..

***

“محروق! كعادتك تحرقين كل شيء” قال كمال في الاحتفال الصغير بعيد ميلاده الذي اقاماه مع بعض الاصدقاء- “احتفال الاصدقاء” كما اقنعت نفسها- قاصدا الكاتو الذي تصنعه بوجه ملذوع وزبيب ملذوع كما يحب لكنها هذه المرة بالغت ربما في لذعه. هل هو جاد رغم ابتسامته؟ تعرفه، قادر ان يضحك حتى في أحلك الظروف. تراه شعر بشيء؟؟ كيف لا وهو الذكي.
“هل ستذكرين في روايتك عني ذلك المساء المعتم حين كنت اقف مع احمد تحت شرفتك؟؟ وكان هو يتكلم ويتكلم، وأنا..” كمال المجنون، كمال الفنان دون ان يكون، حقول الرغبة التي حلقا فيها، وما انجباه معا من ملائكة صغار-تنجب مخلوقات مختلفة من رجال مختلفين- هل صحيح انها احرقت كل شيء؟! هي العاجزة عن احراق أصغر ورقة اعطاها، تلك الصغيرة المدعوكة “انت حلوة. أنا جاي على بالي بوسك”.
قال لها “في غيابك اتصلت ببيتكم، أجابت أختك فأقفلت الخط، وددت لو أحادثها شعرت أنها مثلي، كلانا يعتب على غيابك”، كانا معا في سيارة اجرة، وكان بإمكانها ان تمسك يده، تشد حتى تدخل فيها، نافية شكوكه، ومن كل قلبها.

***

-انت معي؟ سألها ذلك العذب.
-نعم معك.
ولم تكن تكذب، كيف؟ وهي التي فكرت ان تخترع أي عذر أحمق لتسافر إليه في الصباح الباكر وتعود مساء اليوم نفسه عندما احست من صوته انه مصاب بوعكة.
الساعة قاربت الواحدة، ونوار لم يتصل بعد، تحب صوته. جدول ماء يترقرق في حياتها.

مطر خفيف ينقر زجاج النافذة وخد الارض، العالم يطفو في الهواء، ضباب يغلف عقلها. فوق تلة خضراء ملونة بالأحمر الدامي لشقائق النعمان ونتف زهور صفر، رأتهما، عملاقان عاريان متعانقين يرقصان تحت المطر، لم يكونا من مشاهير مجمع الآلهة، بل الهين صغيرين مجهولين يعبثان تحت المطر، الا ان احدا سواها من ركاب القطار لم يلحظ وجودهما لحسن الحظ.
ليس من موعد بينهما، وهي لا تبحث عن ذلك، انها احدى الرغبات المجنونة تحفر في رأسها. جميل ان تقطع كل هذه المسافة من اجل جلسة في المقهى المقابل للقلعة، فقط لتأمل منظر، لتراقب الطيور السوداء تتقافز ناعقة حول أبراج القلعة، لترى أجنحتها العريضة المفرودة بكل ابهة الوحدة وهي تحلق فوق أعشاشها في العصاري، أليس الغراب طائرا اسود وحيدا.. حتى لو عاش بين الآخرين.
في بداية تعارفهما، نوار وهي، راقبا طويلا الغربان التي تسكن الصرح المهجور، ومن يومها أصبح للمكان معنى آخر، غريب كم تعني لها اشياء كهذه، حياتها كلها محض متع صغيرة، ليس من إنجازات.. نوار يحدثها دائما عن المشاعر، هي أيضا تستعمل كلمات مثل “أحس ، اشعر.. كيف، ولماذا؟ لا أعرف”.
أين كمال؟؟ في أي وكر من أوكاره اختبأ؟ مضى يومان على عودتها، ولم تره. اليس هو من يدفعها الى.. كم طلبت إليه مرافقتها الى أي مكان خارج مدينتهما، لم ترد ان تبني ذكرياتها بمنأى عنه. رفض، بات يرفض كل ما تقترحه، لكأنه يرفضها. بحاجة هي للخروج من دائرتها الضيقة، من المدينة الضيقة المسورة التي تقحم انفها في حميمية سكانها، تلك الاتصالات الهاتفية من أشخاص لا تعرف أسماءهم، ولكنهم مشغولون بخصوصياتها، وما تبع ذلك من حصار حولهما. تراها وقعت في الشرك؟ طلبت اليه ان يتزوجها، وماذا يعني اختلاف الدين بينهما، أية عقبة قاهرة هذه لا يستطيعان تخطيها..! هل رآها ضعيفة ، ملتصقة به فأدار ظهره، أطلق كل ما فيها، علمها كيف تسرق لحظة اللذة. تبعت معتقده حتى الدعوة اليه.. لكن شيئا في داخله لم تدرك كنهه، استكان، انكمش، على عكسها، هي التي لا شيء عاد قادرا على الوقوف في طريقها.
“اعطني قبلة الصباح” قال نوار، لم يكن في ظنها انه يستطيع ان يمتصها هكذا بقبلة.
مرات عديدة كادت تقص عليه كل شيء، لعلها تعيد اضرام ناره، او فقط تستريح، ربما سيسره انها تحمله معها الى العلاقة الاخرى.
جوزة هند كبيرة تسد حلقها، رغم تظاهرها بالخفة. فلتكف عن التفكير، ان أية محاكمة عقلية لم تعد صالحة بالنسبة لها.

شاهدت اليوم فيلما فرنسيا بعنوان “ليلة اكتمال البدر” وكعنوان جانبي ما معناه “من كان له بيتان فسيضيّع عقله!”. لماذا تلاحقني هذه الفكرة؟
عواطف مهتاجة خلف قناعي البارد. امرأة ناضجة اقترب من الثلاثين، أهذه أنا؟؟ انها سنوات القمة بعدها سيبدأ الخط بالانحدار، وكأنني أخافه!
أسكن قوقعة، احاذر أن أمد رأسي لا رغبة لي في شيء، لا رغبة لي في أحد، عواطفي مستكينة، محايدة، انتظر من الآخر ان يفهم، بل اعتبره، بدون أي، دليل، قد فهم.
لقد انسحبت، وطلبت منه عدم الاندفاع في التراجيديا، ما ان اضغط الزر حتى نعود اصدقاء، غريب هذا. غريب ان اصدقه، لكنه يريحني.
اتحدث مع كمال بمرح من لا يعنيه الامر.. اطمئن على نوار بقلق الواجب. لا انتمي الى احد، ارتاح عندما لا يتاح لنوار التعبير عن مشاعره بوجود آخرين، لم اعد استسيغ اندفاعه الطفولي، شكواه من غيابي، شكواه من الايام، وأنا لمن اشتكي؟؟
مع كمال يختلف الامر، نلتقي بدون اسم، نتحدث في كل شيء، محاذرين الاقتراب من حقل الالغام، نتفاهم ربما! او نكتوي، كل على طريقته.

***

شوكة في حلقي، شوكة في رأسي ما ذا فعلت بالحب، ماذا فعلت بكل شيء؟
“اسمعيني يا آنسة..قصدي شريف، واريد ان اتزوجك على سنة الله ورسوله” يكرر الجملة بصوت رجالي، لا رجولي.
“يا اخي هل تظنها كلمة السر؟”، بحنق وللمرة الرابعة أغلق سماعة الهاتف، أية نهاية هذه، انتظار الفرج من رجل غريب يعرض علي سخاء قصده الشريف؟!

***

خدي على خد البحر.. احتاجه، تتسطح امامه المغاور في حياتي.
فنجان قهوة وسيكارة، مكتبي طاولة في هذا المقهى الذي يحط كحوت جانح على شاطئ البحر.
فكرت ان اطبع بطاقات، الاسم .. العمل.. عنوان المكتب..
صباحاتي تأتي هنا.. وتهرب مني في أي مكان آخر.
حقا انا في ورطة!

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 7 + 2 ؟
Please leave these two fields as-is: