تم القضاء على المعارضة السورية… انبسطوا

إذا اتفقنا، أنه منذ عام 2000، ظهر إلى الوجود ما يمكن تسميته المعارضة السورية، بغض النظر عن أن البعض ‏يعتبر هذه ‏المعارضة كانت موجودة في حالة بيات سياسي، منذ عقد الثمانينات من القرن المنصرم، بعد الأحداث التي ‏مرت بها سوريا في ‏بداية ذلك العقد، ثم في وسطه، والتي نتج عنها دخولها في الطور الأمني وعدم استطاعتها ‏الخروج منه لليوم.‏
أي إذا اتفقنا أن المعارضة السورية بحلتها الجديدة، بدأت عند تسلم الرئيس الشاب بشار الأسد سدة الحكم في ‏سوريا، ‏وإلقائه خطاب القسم بتاريخ: 10/7/2000، الذي فسر خطاً أم صواباً بأنه رغبة في فتح باب الحوار، ‏ودعوة لمشاركة ‏أوسع، في تلمس السلبيات والمعوقات وتحديد طبيعتها، وفي اتخاذ القرارات المناسبة وأساليب ‏تنفيذها، لخروج سوريا من واقعها، ‏المتفق، آنذاك، من قبل كل الأطراف، على حاجته لرؤية جديدة ومنهاج جديد. ‏وما تبع الخطاب من بيانات، أولها بيان التسعة ‏والتسعين مثقفاً سورياً (27/9/2000)، وتشكيل لجان المجتمع ‏المدني، وبداية ظاهرة المنتديات العلنية، أي ما سمي (ربيع ‏دمشق)، وكأن من أطلق عليه هذا الاسم، كان يعلم أي ‏فصل خاطف سيكون!. وبغض النظر أيضاً عن صحة تفسير خطاب ‏القسم، وصحة فهم المرحلة المفصلية التي ‏مرت بها سوريا في عام 2000، حيث يرى البعض بأنها ما كانت سوى فقرة ‏الانتقالية، مقطع من طريق مستقيم ‏يوهم تلويه بالانعطاف، أخذ فيها النظام قسطاً من الوقت، ليعيد إنتاج نفسه، ولضبط شيء ‏من الاختلال أصاب ‏توازنه بسبب غياب مؤسسه وعماده، ولملء الفراغ الذي خلفه هذا الغياب، الذي رغم التحسب له وتوقعه، ‏جاء ‏وكأنه قبل موعده.‏
وإذا اتفقنا، أن هذه المعارضة بما هي عليه، من ضعف (قلة – ندرة) العدد، أولاً: حيث تتكون من بقايا أحزاب ‏وتجمعات ‏سياسية: (الحزب الشيوعي (مكتب سياسي)- حزب الاتحاد الاشتراكي العربي (جمال الأتاسي) – حزب ‏العمال الثوري العربي، ‏حزب البعث العربي الاشتراكي الديموقراطي (حركة 23 شباط)، حركة الاشتراكيين ‏العرب، وهي الأحزاب المشكلة لما يطلق ‏عليه التجمع الوطني الديمقراطي المؤسس منذ آذار عام 1980، ‏بالإضافة لحزب العمل (رابطة العمل الشيوعي) الذي نجح ‏أخيراً بالانضمام للتجمع بعد الكثير من التمنع، ‏وبالتأكيد يمكن اعتبار موقفه الايجابي من إعلان دمشق، المبرر الرئيسي لقبوله، ‏خاصة وأنه جاء كرد على اتهام ‏البعض للإعلان بالطائفية! وأريد أن أضع جانباً الأحزاب الكردية الثمانية التي رغم قبولها البرنامج ‏الوطني ‏الديموقراطي للمعارضة وانضمامها لإعلان دمشق، تشكل برأيي طرفاً له خصوصية يمكن أن تربك السرد ‏العمومي المبسط ‏الذي أقوم به الآن)، وهذه الأحزاب إجمالاً ليست سوى فصائل انشقت عن أحزابها الأم ‏المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية ‏بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ذي الأكثرية فيها. وهي محظورة ‏رسمياً، ولو بتفاوت نسبي، وقد لوحق أعضاؤها واعتقلوا ‏وأودعوا السجون والزنازين لسنين وعقود. يردف هذه ‏المعارضة السياسية فئة من المثقفين والكتاب، دفعهم تصديقهم أن الحكم ‏الجديد مقدم على إجراء الإصلاحات ‏والتغييرات الكفيلة بنقل سوريا من واقعها السائد إلى مستقبلها المأمول، لدخول معترك ‏السجال الفكري والسياسي ‏والإدلاء بآرائهم وشهاداتهم في ما حصل ويحصل، مؤكدين على دور الثقافة الحقيقي في أي مجتمع ‏حي، وبأنهم ‏فعلاً (مثقفون)، الصفة التي شكك باستحقاقهم لها كل من ساءه تدخلهم في الشأن العام، ورأى أنهم يدسون أنوفهم ‏‏في ما لا علاقة لهم به، دون أن ينتبه إلى أنهم بهذا التدخل بالذات، يقدمون الدليل على أن المجتمع السوري ما ‏زال مجتمعاً (نابضاً ‏بالحياة) خلاف كل ما يردده أعداء النظام عن قيامه بتصحير المجتمع السوري. ثانياً، وأعود ‏الآن لتوصيفي حال المعارضة، لأصل ‏إلى أهم نواقصها على الإطلاق، وهو ضعف رابطها الاجتماعي، وانعدام ‏جماهيريتها، وخاصة بين فئة الشباب التي تشكل خمسة ‏وسبعين بالمائة من عدد السكان في سوريا، وبالتالي عدم ‏قدرتها تمثل أو تمثيل، ما كانت تدعيه، من رغبة كامنة لدى عموم الشعب ‏السوري في التغيير والإصلاح. وبذلك ‏تعطي هذه المعارضة الصورة المثلى للنخبة بالمفهوم السلبي، النخبة غير الفعالة وغير المؤثرة، ‏بسياسييها الذين ‏جاءوا من أحزاب ذات ايدولوجيات يسارية وقومية مهزومة، متنكبين على أكتافهم كل تاريخهم المأزوم. ‏ومثقفيها ‏أولئك الذين، من وجهة نظر مختلفة، ليسوا سوى حاملين لأفكار مفارقة عن مجتمعاتهم، وتصورات إرادوية، ‏رغبوية، ‏باتجاه مجتمعات أخرى تطورت في سياقاتها الخاصة المغايرة، عابرة مراحل تاريخية دفعت استحقاقاتها ‏الباهظة (الاقتصادية، ‏والاجتماعية، والثقافية، والسياسية) كاملة.‏
أقول إذا اتفقنا، كلياً أو جزئياً، وحتى إذا لم نتفق على الإطلاق، أن ذلك الحراك السياسي والثقافي الذي اتصف به ‏المشهد ‏السوري خلال الست سنوات الأخيرة، كان يشكل معارضة، وأن هذه المعارضة كبنية وفاعلية كانت ‏تقارب، ولا أقول تطابق، ‏الاسم، فإن هذه المعارضة… انتهت.‏
يستطيع أي متتبع للوضع السوري، أن يلاحظ بسهولة أن المعارضة السورية، الواهنة في الأصل، هي اليوم في ‏حالة أسوأ ‏بكثير من الوهن والسقم: (حسين العودات: (ظلم ذوي القربى)- تركي علي ربيعو: (المعارضة ‏السورية إذ تنكفئ على نفسها)- ‏ياسين الحاج‎‎صالح: (المعارضة ‏‎الديمقراطية السورية في أزمة) ‏‎‏.. وغيرهم ‏كثيرون). ولا يتردد المرء كثيراً في الحكم، إنه ما عاد
‏هناك معارضة سياسية في سوريا، و إن الباقي من آثارها، ‏مقالات وبيانات في أراشيف المواقع الاليكترونية، وأخرى ما زالت ‏تكتب من الحين والآخر، ما هو إلا ذيول لذلك ‏الزخم الثقافي والفكري الذي عمَّ سوريا خلال السنوات الخمس الماضية. ما عاد ‏هناك منتديات عامة في أي من ‏المدن سورية، فمنتدى جمال الأتاسي في دمشق، آخر منتدى سوري له صفة المعارضة، وكان يقال ‏إنه مستمر ‏بموافقة الرئيس الأسد بالذات، وقد ذكره في بعض مقابلاته. وكان، كما روي لي، البعثيون والموالون يحتلون ‏صفوفه ‏الأولى، أغلق. ما عاد هناك ما يسمى لجان المجتمع المدني، أودع أهم ناشطيها السجون، على دفعات، ‏ليكونوا عبرة لمن يعتبر، ثم ‏انقسموا، ثم انفرط عقدهم. ولا أدري ماذا حل بإعلان دمشق، قرأت منذ فترة أنهم ‏شكلوا لجاناً ووضعوا برامج، ولكن ذلك، ‏عملياً، لم يسفر عن شيء. توقفت الاعتصامات، بعد أن تكسرت عصي ‏الأعلام السورية التي حملها شبيبيون وطلبة اتحاديون على ‏رؤوس ثلة من المعتصمين. أبطل المثقفون السوريون ‏عادة إصدار الإعلانات والبيانات، مفوِّتين على أنفسهم أن يتم ذكرهم في ‏كتاب (جينيس) للأرقام القياسية، ماعدا ‏البيانات المؤيدة للمقاومة والشاجبة لأمريكا وإسرائيل والعولمة والليبرالية والشرق ‏الأوسط الجديد، فكان إعلان ‏بيروت دمشق- دمشق بيروت، آخر البيانات التي تمادت بطريقة أو بأخرى، وتدخلت في قضية ‏تخص السلطة ‏وحدها، وهي العلاقة بين الشعبين الشقيقين السوري واللبناني!. وهو الإعلان الذي دفعت المعارضة السورية ثمنه ‏‏باهظاً، فبحجته سددت السلطة الضربة القاضية للمعارضة السورية، مع أن المباراة، في جميع جولاتها، كانت ‏ذاهبة، باتفاق جميع ‏الحكام والمراقبين، إلى الهزيمة ساحقة بالنقاط. ثم لوحق الناشطون في جمعيات ومنظمات ‏حقوق الإنسان ولجان العمل الوطني التي ‏تشكلت جميعها دون تراخيص رسمية، وصلت هذه الملاحقة المكثفة ‏أحياناً إلى مستوى جلسات الحوار الأسبوعية ونصف الشهرية ‏والسهرات ، التي يغلب عليها التباين في الآراء ‏أكثر من الاتفاق، والتي تعطي صورة مؤتلقة لحالة الوئام والرغبة في الحوار الذي ‏يحيا بها الشعب السوري، أ ‏كانت في بيوت الأصدقاء المضيافين، حيث يقتضي الأمر وضع طبق الفطائر، وطبق الفاكهة، على ‏سطح الطاولة ‏الصغيرة التي تتوسط المكان، أم كانت في المطاعم المعتدلة الأسعار، حيث يقوم أصحابها وسقاتهم بتقديم بقوائم ‏دقيقة ‏بأسماء الحضور وتقارير تفصيلية عما دار من نقاش فيها!؟ وكل ما احتاجته السلطة لتحقيق هذا الانجاز، ‏هو استدعاء عدد منهم ‏إلى فروع الأمن، وإفهامهم، بالعربي الفصيح، أن الوضع بات لا يسمح بأشياء من هذا ‏القبيل، وأنه لا مجال بعد اليوم للتسامح ‏وغض النظر اللذين اتصفت بهما السلطة سابقاً.. وهذه المرة تمّ حقاً التقيد ‏بالخطوط الخمسة الحمراء التي تتلوى وتلتف حول ‏بعضها لتصير سلكاً خماسياً، يصلح لأمور كثيرة منها تصفيد ‏أيدي وأرجل الجميع. خط أحمر، الاتصال مع الخارج، ولو على ‏مستوى سائح تعرفت عليه عند بائع الأشرطة ‏الموسيقية: (- أنت تعلم أنه لا يمكن الائتمان لهم، وخاصة الأمريكيين والفرنسيين. ‏‏+ إذن.. لماذا تسمحون لهم ‏بالدخول والتجول في طول البلاد وعرضها؟). فما بالك إذا رغب مسؤول ثقافي في سفارة أن يتعرف ‏عليك ‏ويزور مرسمك؟ وفي الواقع، أن الرئيس الأسد قد جعل هذا واضحاً، بتصريحه في إحدى مقابلاته التلفزيونية: ‏‏(إننا ‏حساسون جداً من هذه الناحية)، مشيراً بوضوح إلى أن المشكلة مع أولئك المعتقلين السياسيين الذين سأل ‏عنهم صلاح قنديل هي ‏علاقتهم مع الخارج. فصار السفر إلى لبنان، الشقيق المنشق، مثار ريبة وظنّ واستفسار ‏الجهات الأمنية والإدارية أيضاً. كيف لا، ‏ولبنان يحكم من قبل فريق يجاهر بعدائه الصريح لسوريا، فلا يجد أحد ‏زعمائه مستقبلاً أفضل للشعب السوري من دعوة الولايات ‏المتحدة الأمريكية إلى غزو واحتلال بلده! وإلى أن ‏يخرج نواف غزالي آخر ليغتال رئيسه!؟ وكأن الغزو والاحتلال وعمليات ‏الاغتيال هي ما تحلم به الشعوب ‏العربية، والشعب السوري من بينها. وغير ذلك من مهاترات غير لائقة بأي فريق سياسي، والتي ‏إن كان لها فائدة ‏ما!، فهي إخراج النظام السوري عن طوره ودفعه لإقامة القطيعة الكاملة بين البلدين. (توسعت قليلاً في الفقرة ‏‏السابقة لاعتقادي بتأثيرها السلبي جداً، إن لم أقل الكارثي، في ما آل إليه مصير المعارضة السورية، وخاصة ‏شقها الثقافي).
خط ‏أحمر، التعامل مع التيار الديني، وخاصة الأخوان المسلمين في الخارج، أو من يمكن أن يمثل ‏تياراً دينياً في الداخل. خط أحمر، ‏الاعتصامات ولو كانت مؤلفة من ثلاثين مواطناً لا أكثر، عزّلاً من كل شيء، ‏حتى من الهتافات واللافتات. خط أحمر، أي اقتراب ‏من الشارع والجامعات والمدارس ومؤسسات الدولة ‏والتواصل مع الناس. خط أحمر، التطاول على كل ما يعتبر، رمزاً للوطن، أو ‏يمثل وحدة الوطن، خط أحمر ‏الرئيس الراحل حافظ الأسد، فهو مؤسس النظام، وليس حقبة سياسية سابقة، كما يمكن أن يفهم ‏البعض. خط ‏أحمر، أحمر جداً، أي تدخل في شأن الجيش السوري، وأي تناول لدوره وقدراته. خط أحمر، حزب البعث العربي ‏‏الاشتراكي، الذي تنصّ المادة الثامنة في الدستور السوري، والدستور عند السوريين، نظاماً وشعباً، قرآن لا يمسه ‏إلا المطهرون، ‏بأنه قائد الدولة والمجتمع. إذن لا بيانات مثقفين بعد اليوم، لا مقالات سياسية مباشرة، (-: وهل ‏تريدنا أن نعود للزنزانات!؟)
. لا ‏استضافات أو ظهورات خاطفة في البرامج السياسية بالفضائيات العربية، التي ‏حولت بعض المعارضين السوريين إلى أقطاب ونجوم ‏إعلاميين!؟ فاتهمهم معارضون آخرون، بتشكيلهم سلطة ‏غير منتخبة تحكم المعارضة وتقودها إلى حيث تشاء. لا مواقع اليكترونية ‏سياسية من داخل سورية أو من ‏خارجها تتجرأ على التطاول على النظام السوري ولو فقط بالكلام، فحجبوا ما شاء لهم حجبه ‏منها، وأستغرب ‏لماذا لم يحجبوها كلها!؟ ربما لأنها ساعدت أكثر ما ساعدت الجهات الأمنية في الكشف عن الذين لم يصدقوا هذه ‏‏الخطوط الحمراء، وفي هذا تأكيد كاريكاتوري لمقولة رولان بارت: (لا يمكن للكتابة السياسية إلا أن تدعم ‏المخابرات). فلم ‏يفهموا أنها شبكة من الأسلاك المكهربة على حدود المنطقة المحرمة على الجميع سوى السلطة، ‏وأن الشأن العام هو شأن خاص بها ‏وحدها. وهؤلاء، منهم من أكتفي بتهديده وإخافته، ومنهم من سرح من عمله ‏في الدولة، ومنهم من اعتقل وأودع سجن عدرا، ‏وريث سجني المزّة وتدمر اللذين تم إغلاقهما، ومنهم من أحيل ‏إلى المحاكم بأنواعها، فشمله عفو ما، أو صدرت به الأحكام ‏بالسجن لشهور وسنين، أو ما زال ينتظر صدور مثل ‏هذه الأحكام ليقدر كم من السنين يمكن له أن يعيش بعد انقضائها.‏
في كل هذا أثبت النظام بأنه، لا يقبل أي مشاركة باتخاذ القرار، ولا أي اختلاف في الرأي عما يبثه أعلامه، الذي ‏اعترف هو ‏نفسه بهزاله وحاول جهده دون جدوى أن يصلحه، بل أنه لا يقبل أن يصل إلى مسامعه أو مسامع من ‏يريد أن يعرف عنه شيئاً، ‏أي صوت آخر غير صوته، ولا الهمهمات… فكما هو القوي الذي لا يحتاج لمساندة ‏أحد، هو العارف الذي لا يحتاج لمشورة ‏أحد، ولا لنصيحة أحد. ولكنه رغم ذاك يشك ويرتاب، ليس بهؤلاء ‏الحالمين فحسب، مهما أظهروا من وطنية ووفاء لبلادهم في ‏واقعهم وأحلامهم، بل أيضاً بمواليه السابقين ‏واللاحقين، الذين لديهم لسبب أو لآخر ما يتبرمون منه. وهو بهذا، محق مائة بالمائة، ‏كيف لا، والنظام نفسه يفسر ‏انشقاق أحد سدنته، بأنه قد باع نفسه لتيار يعمل على توريط سوريا في جريمة اغتيال رفيق ‏الحريري. ما لم ‏يعرف لليوم أن معارضاً سورياً من الدرجة العاشرة قد قام بمثله.‏
ولتبيان المسار السياسي للمعارضة السورية خلال هذه الست سنوات، أبين ما يلي:‏

    * ‏ كان رهانها الأول على وجود خط إصلاحي في النظام، توسمت ملامحه في القيادة الجديدة الشابة، لما ‏بدت عليه من ‏صفات خلقية وإنسانية، ولما تضمنه خطاب القسم، وكذلك في عبر ودروس الحقبة الماضية في ‏سوريا وفي العالم، التي ‏كانت المعارضة تتوقع أن النظام قد فهمها واستوعبها.‏

    * ‏ أعلنت أهدافها، على شكل مطالب محددة، محدودة، من النظام: (وقف العمل بالأحكام العرفية، إطلاق ‏سراح ‏السجناء السياسيين، عودة المنفيين، الاحتكام لصناديق الاقتراع..). حيث اعتبرت محطة بي بي سي ‏البريطانية أن ‏بيان ال 99 مثقفاً، عبارة عن مناشدة رفعها بعض المثقفين السوريين إلى رئيسهم الشاب لمباشرة ‏إجراء ‏الإصلاحات، التي هي من مصلحة أي نظام وأي شعب. ‏

    * ‏ عملت بمؤشر النظام، سلباً وإيجاباً، أي أن النظام كان مرآتها ومحور دورانها.. فقد انصب كل عملها ‏في ردود الفعل ‏على ما يقوم به النظام، وما يحدث فيه.. بمعنى أنها ظلت تتوجه (أحادياً) إليه، ولم تخرج عنه، لا ‏إلى المجتمع ولا إلى ‏الخارج.‏

    * ‏ طمأنت المعارضة النظام وأهله، مراراً وتكراراً، بأنه ليس من أهدافها الظاهرية والمبطنة، المرحلية ‏والمستقبلية، ‏إسقاطه، أو تغييره. فهي لا تطمع بأكثر من حثه، ودفعه، إن استطاعت، لإجراء إصلاحات تدريجية. ‏ووافقت أن ‏يبدأ النظام بأي نوع من الإصلاحات الجزئية، فلم تشترط الإصلاح السياسي أولاً، رغم قناعتها بأنه ‏البداية ‏الصحيحة لكل الإصلاحات. وهذا ما أثبتته محاولات الحكومات السورية المتعاقبة في الإصلاح الإداري ‏‏والاقتصادي.‏

    * ‏ اتخذت العلنية أسلوباً لنشاطها. أي أنها رفضت أساليب العمل السياسي السري، وكشفت نفسها كلياً ‏للسلطة، ‏فقيل إنها معارضة علنية لسلطة سرية!؟.‏

    * ‏ نبذت كل وسائل العنف، وأعلنت ببيان تم توقيعه من قبل أطرافها ومؤيديها ومتتبعي نشاطها كافة ، ‏هيئات ‏وأفراداً، أنها ترفض فكرة الاقتتال وحمل السلاح ضد أي طرف، وضمن أي ظرف.‏

    * ‏ دعت للمصالحة الوطنية، ورفضت التعامل الثأري واستغلال أي من الفرص التي لاحت للبعض، في ‏ظروف محددة ‏مرت بها سورية، بعيد الاحتلال الأمريكي للعراق، أو خروج الجيش السوري من لبنان، وحددت ‏أن ما تعمل ‏لأجله هو أولاً وأخيراً أمن ومستقبل كل الشعب السوري.‏

    * ‏ تمسكت بالاعتدال في كل شيء، وبالممكن، في الأهداف وفي الوسائل على حد سواء، ونبذت أسلوب ‏التصعيد، ‏وتعففت عن المزاودات والمهاترات، رغم أنها ووجهت بالتشكيك والتخوين، ليس فقط من قبل أهل ‏النظام بل أيضاً ‏من قبل معارضين سوريين في الخارج، يستطيعون الكلام على هواهم، أخذوا عليها اعتدالها ‏ووسطيتها، واتهموها ‏بالعمالة والتبعية للنظام.‏

    * ‏ لم تركب المعارضة السورية، مركوب الدين، ولا الطائفية، ولا القومية (أنظر اشتراطاتها لقبول ‏الأحزاب الكردية) ‏مع علمها وعلم السلطة والجميع، بأن العوامل الدينية والطائفية والقومية، هي الأشد تأثيراً في ‏الشعوب العربية ‏جمعاء. والشعب السوري ليس على رأسه ريشة.‏

    * ‏ اتصفت المعارضة بعقائدية مثالية، معتبرة المعيار الأخلاقي معياراً أساسياً في العمل، حتى إنها لقبت ‏من قبل البعض ‏بالمعارضة الطهرانية، وتحسبت لأي خطر يمكن له أن يمس المجتمع والبلاد، في حال انتهاج ‏البعض الأسلوب ‏المكيافيلي، ألف باء السياسة: (الغاية تبرر الوسيلة)، بل انطلقت من أن ما تدعو إليه وتطالب به ‏غايته الأولى ‏والأخيرة مواجهة الأخطار التي تهدد أمن واستقرار ومستقبل سوريا.‏

    * ‏ حملت كل دعاوى النظام الإقليمية والدولية، كما في موقفها من القضية الفلسطينية والسلام وعودة ‏الجولان ‏بالرجوع للقرارات الدولية، وكذلك في موقفها المضاد للولايات المتحدة الأمريكية في غزوها واحتلالها ‏العراق وفي ‏محاولاتها تكريس الهيمنة الأميركية وضمان مصالحها النفطية والإستراتيجية في المنطقة. وكانت ‏كلما زادت ‏التهديدات والضغوط على النظام السوري، تطالبه وتعرض عليه وتناشده، وكأن هذا كل ما لديها، ‏بالانفتاح على ‏كل الشعب السوري، والثقة به، وبالوحدة الوطنية الحقيقية، باعتبارها الضمان الأكبر في مواجهة ‏كل ما يمكن أن ‏يتعرض له الوطن من أزمات ومخاطر، وهذا حرفياً خطاب النظام اليوم، مؤكدة أن العامل ‏الخارجي، مهما كان هذا ‏الخارج، ومهما كانت ادعاءاته، يعمل بالضرورة تبعاً لمصالحه الخاصة، وأنه من ‏المحال أن ينطبق برنامجه وتنطبق ‏أهدافه على برنامج وأهداف الشعب السوري.‏

هذه المعارضة… التي أقريتم، أنتم قبل غيركم، بأنها معارضة وطنية، واعتبرتموها المثل الصالح للمعارضة في ‏مواجهة ‏المعارضة الخارجية، وخاصة تلك التي اختلقتها الولايات المتحدة الأمريكية، وأرادت لها أن تسير على ‏هدى المعارضة العراقية في ‏آخر عهد صدام حسين. هذه المعارضة الوطنية التي لم تجدوا يوماً ما تأخذونه عليها ‏سوى استعجالها تحقيق الإصلاحات ‏والتغييرات، متعللين بظروف طارئة خارجة عن إرادتكم، لا تساعد، برأيكم، ‏سوى على إبطائها وتأجيلها، فأنتم أيضاً تعملون ‏لأجل تحقيقها. هذه المعارضة التي واجهت حملات التشكيك في ‏وطنيتها وتخوينها، بمطابقة خطابها السياسي والاجتماعي مع ‏خطاب السلطة، إلا في بعض التفاصيل الإجرائية. ‏والتي نجحت، من بين الأشياء القليلة التي نجحت بها، في أن تكون دليلاً، ‏استخدم لدرجة الاهتراء، لدحض ‏الحملات الإعلامية (المغرضة) ضد سوريا، وما يروج (من أكاذيب) عن سوريا في الخارج… ‏تلك (الإدعاءات ‏والأكاذيب) التي أدت، منذ سنتين، إلى إصدار الكونغرس الأمريكي قانون معاقبة سوريا، وصدور عدة قرارات ‏‏من مجلس الأمن ضد سوريا، وحالت دون قبولها كشريك في السوق الأوروبية، ودخول سوريا في شبه عزلة ‏دولية، والتي تلوكها ‏السيدة كوندليزا رايس في كل مرة تريد الظهور بمظهر المهتم بسوريا وبالشعب السوري. ‏نعم للأسف، لم يكن الاعتراف المرحلي ‏والعرضي بهذه المعارضة سوى لاستخدامها كشاهد (ما شافش حاجة) ‏على أن في سوريا، ديموقراطية (على طريقتنا)، وحياة ‏سياسية (كما يناسبنا)، وأحزاب ناشطة خارج دائرة ‏السلطة (على قدنا)، ومعارضة وطنية متنوعة (تعارض بعضها أكثر ما تعارض ‏أي طرف آخر)، يمكن ‏للمشككين بوجودها، الالتقاء ببعض ممثليها، في مقهى الروضة أو نادي الصحفيين أو كافتريا الهافانا، لا ‏على ‏التعيين، متمتعين بحريتهم الكاملة، برشف القهوة السادة والجلوس مع الشعراء والفنانين مستنكرين ذلك التهافت ‏السوري ‏غير المفهوم على كتابة الرواية. وأن هناك لجاناً وجمعيات مدنية (ترفض، بسبب عنادها الأخرق، ‏تسميتها أهلية)، ومنتديات عامة ‏مفتوحة للجميع، وهناك حرية التعبير عن الرأي (الموافق)، وثلاث أربع صحف ‏ومجلات تتباهى كل منها بالإدعاء أنها أول… ‏سياسية مستقلة منذ أربعين عاماً!؟.‏
هذه المعارضة… بفضلكم، بفضل وطنيتكم، بفضل إخلاصكم وتفانيكم، بفضل غيرتكم وحرصكم على سوريا، ‏أرضاً ‏وسماء وبشراً وتاريخاً وهوية ومستقبلاً…تم القضاء عليها… انبسطوا.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 7 + 7 ؟
Please leave these two fields as-is: