نقد عقلانية السوق، الأزمة المالية أنموذجاً

نقد عقلانية السوق، الأزمة المالية أنموذجاً
Warning: Undefined variable $post in /customers/4/2/e/etccmena.com/httpd.www/wp-content/plugins/facebook-like/facebooklike.php on line 81 Warning: Attempt to read property "ID" on null in /customers/4/2/e/etccmena.com/httpd.www/wp-content/plugins/facebook-like/facebooklike.php on line 81

nmورقة عمل مقدمة إلى مركز الإعلام العربي بدمشق
تقديم: أيهم أسد
دمشق، 23/10/2008
نقد “عقلانية السوق”
الأزمة المالية أنموذجاً

مقدمة:

تشكل الأزمة المالية التي تعصف بالبنوك الأمريكية والأوربية، والتي تعود جذورها إلى فوضى سوق العقارات، تشكل مختبراً  لفحص إحدى أهم نظريات الليبرالية الاقتصادية، وهي نظرية “عقلانية السوق” المبنية على الفرضية الاقتصادية الأساسية القائلة بأن السوق قادر وفق آلياته الذاتية على التخصيص الفعال للموارد الاقتصادية، وبالتالي، هو قادر على بناء نظام اقتصادي فعال، ورشيد، وكفوء لإدارة تلك الموارد، أي أنه في النهاية نظام عقلاني، ووفق تلك النظرية، وبناء عليها، اشتقت العديد من الطروحات والنظريات الداعمة والمؤيدة لها، التي لا تبتعد في جوهرها عن تقديس الحرية الاقتصادية الفردية، مستمدة جذورها الفكرية من كلاسيكيات الاقتصاد الليبرالي لفريدرك هاييك، ولودفيغ فون ميزس، وميلتون فريدمان، وهنري سيدغويك، ويوهان نوربيرغ وغيرهم من كبار كتاب التحررية الاقتصادية.

النظرية الأولى: هي نظرية “السلوك العقلاني” المبنية على أن القرارات والمواقف الاقتصادية التي يتخذها  الأفراد والمؤسسات في السوق، أي على المستوى الجزئي، تشكل بمجموعها قرارات حكيمة على مستوى الاقتصاد الكلي، وبالتالي فإن ما هو صالح وعقلاني ورشيد جزئياً هو كذلك كلياً وفق معايير هذه النظرية، أي أن تعظيم المنافع الفردية هو في النهاية تعظيم لمكاسب المجتمع، ويجب عدم إعاقة سلوك وقرارات الأفراد والمنشآت في السوق بأي طريقة كانت.

النظرية الثانية: هي النظرية النافية لـ”فشل السوق” المبنية على أن الأسواق لا يمكن لها أن تصاب بالقصور والفشل إذا ما عملت بحرية تامة، الأمر الذي ينفي أي شكل من أشكال تدخل الدولة، لأنها تعرقل حرية الأسواق، وتخل بآليات توازنها الذاتية، فآليات المنافسة، والعرض والطلب، وحرية تبادل المعلومات والسلع، وحرية اتخاذ القرارات، كلها تقود في النهاية إلى تحقيق التوازن الاقتصادي العام دون ضرورة لتدخل الدولة، وأي حالة اختلال ما هي إلا حالة مؤقتة تعمل السوق على تصحيحها لوحدها.

والسؤال الآن: إلى أي مدى اتفقت أو نفت الأزمة المالية الراهنة تلك النظريات؟ وما هي علاقة الأزمة الراهنة مع بنية الرأسمالية كنظام اقتصادي تاريخي؟ سيحاول هذا التحليل الإجابة على تلك الأسئلة من خلال نقد النظريتين السابقتين الذي ينطوي ضمناً على نقد النظام الرأسمالي ذاته، ونقد مفهوم “أصولية السوق”، التي تدعي أن الأسواق إذا ما تُركت وشأنها بشكل مطلق، ودون أي تدخل من أي جهة، فإنها سوف تضمن التوزيع الأمثل للموارد.

أطراف الأزمة وتناقض العقلانية:

تصرف اللاعبون الاقتصاديون في السوق وفقاً لمبدأ الحرية و”السلوك العقلاني” الذي يعني في النهاية، ومن وجهة نظر كل لاعب، تحقيق أكبر منفعة ذاتية ممكنة باستخدام آليات العرض والطلب، وباستخدام تقنيات وأدوات التمويل المتاحة، فكل لديه معلومات خاصة به عن وضع السوق، وهو يتخذ قرارات البيع، والشراء، والتمويل، بناء على تلك المعلومات، ونتيجة لذلك السلوك لدى جميع الأطراف، ساد التوازن في السوق، لكنه في الحقيقة لم يكن أكثر من “توازن حرج مؤقت”، وأقصد به ذلك التوازن المدعوم نظرياً بمجموعة من الحقوق القانونية، بين الفاعلين الاقتصاديين، وغير المدعوم عملياً بمركز اقتصادي/مالي فعلي لبعض أطراف التوازن، وما أن تعرض طرف من أطراف التوازن للانكشاف الاقتصادي/المالي، واتضحت هشاشته، حتى اختل التوازن العام لباقي أطراف المنظومة الاقتصادية، فبدأت الأزمة،  وفيما يلي الأطراف الأساسية للأزمة والاعتقادات العقلانية لها:

  1. بنوك الاستثمار: اعتقدت أن سلوكها عقلاني عندما سوقت قروضها بضمانات العقارات بمعدلات فائدة متغيرة، وشروط قانونية تحميها ضمن عقد البيع وكذلك عندما ورقت أو سندت تلك الديون دولياً، وتنبع عقلانيتها في هذا السلوك من توظيفها لأموالها لتحقيق أرباح إضافية في سوق متنامية، وهنا استغنت البنوك عن التحليل المالي والاقتصادي للمدينين، وعن تدعيم قرارات الائتمان بمؤشرات بسيطة لنوعية الائتمان، وذلك لكسب موقع تنافسي أكبر في سوق العقارات.
  2. المستثمرون الدوليون: سواء كانوا أفراداً أم صناديق استثمارية، أم مؤسسات، اعتقدوا  أن سلوكهم عقلاني بشراء سندات الرهن العقاري لتنويع محافظهم الاستثمارية، لتعظيم عوائدهم وأرباحهم منها، كون تلك السندات مضمونة، ومدعومة بأصول عقارية ذات قيمة سوقية كبيرة، وصادرة عن مؤسسات مالية عريقة، وذات سمعة وخبرة كبيرة في مجال التمويل والإقراض، كما كانوا عقلانيين عندما رهنوا تلك السندات للاستدانة بضماناتها أيضاً.
  3. شركات التأمين: اعتقدت أن سلوكها عقلاني عندما وافقت على التأمين على سندات الرهن العقاري بأقساط شهرية يدفعها حامل السند لشركة التأمين لقاء التزامها بتعويضه عن تلك القيمة في حال أفلس المصرف أو صاحب العقار كونها سندات مضمونة بالعقارات، وأصحابها هم مستثمرون ذوو سمعة، وملاءة.
  4. المستهلكين الأفراد: اعتقدوا أن سلوكهم عقلاني بشراء المنازل ضمن تسهيلات ائتمانية كبيرة تسمح لهم بذلك، وكونهم يحققون منفعة شخصية مباشرة من شراء المنزل.
  5. البنك المركزي الأمريكي: اعتقد أن سلوكه عقلاني عندما بدأ برفع معدلات الفائدة على الإقراض لضبط السيولة والإفراط في عمليات الإقراض المصرفي.

والنتيجة النهائية المترتبة على اعتبار كل لاعب اقتصادي من اللاعبين السابقين نفسه “لاعب عقلاني”، هي أزمة عمت قطاع المال وبدأت تنتشر بالاقتصاد كله، وتهدد بركود اقتصادي طويل، فالتفاعل بين “عقلانيين اقتصاديين على المستوى الجزئي” أدى إلى “لا عقلانية اقتصادية كلية”، ويتطابق سلوك الفاعلين الاقتصاديين أولئك مع نظرية “جمهور الملعب” التي تقول انه في لحظات الحماس والاندفاع يقف كل صف من صفوف المتفرجين ليؤمن لنفسه أكبر قسط ممكن من المشاهدة (أي من المنفعة الذاتية الخاصة)، الأمر الذي يدفع بالصف الذي يليه لاتباع السلوك نفسه ليحقق المنفعة ذاتها من حضور المباراة، وبتتابع وقوف الصفوف وراء بعضها البعض يصبح من العسير على الجميع تحقيق المستوى نفسه من المشاهدة، والمتعة التي كانت محققة له قبل الوقوف،  وبالتالي فإن محاولة كل فرد الوصول إلى أقصى منفعة ذاتية ممكنة أدى في النهاية إلى  تتناقص المنفعة الكلية للمجموع.

بالإضافة إلى ذلك، لعب جهاز السعر دوراً محورياً في تعقيد الأزمة، فالسعر، من حيث المبدأ، ينطوي على معلومات عن التكاليف والأرباح، والعرض والطلب، وطبيعة المنافسة بين المنتجين، وبالتالي فالسعر هو “خزان معلومات السوق” وينهل منه جميع الفاعلين الاقتصاديين، ويتخذون معظم قراراتهم الاقتصادية بالاستناد عليه، لكن السعر قد لا يكون “المؤشر الأمثل” الوحيد والكافي لاتخاذ قرار اقتصادي ما، أو أنه لا يكون في كثير من الأحيان “السعر العقلاني”، وبالتالي يجب عزل مكونات السعر غير الحقيقية/العقلانية المؤثرة فيه، للوصول إلى السعر الأكثر تعبيراً عن الواقع.

ما حدث خلال الأزمة أن أسعار سوق العقارات مدت الفاعلين بالسوق بمعلومات غير دقيقة، وغير مثلى، حيث انحرفت تلك الأسعار بشكل كبير عن القيم الحقيقية للسلعة، التي هي العقار هنا، وبالتالي اتخذ العديد من أولئك الفاعلين قراراتهم الاقتصادية بناء على أسعار مضللة، التي أوحت بأن السوق هي سوق مثالية وتنافسية، وظلت تلك الأسعار تدور، وتنتقل من سوق إلى أخرى (مصارف، تأمين، سندات…إلخ) دون أن يحلل أحد البنية الحقيقة لتلك الأسعار، ودون أن يكون له القدرة في التدقيق فيها، وارتبط مصير الأطراف بالأسعار ذات المعلومات المضللة، التي ما إن انكشفت حقيقتها حتى انهارت، وأدخلت الجميع في الأزمة، وهذا ما يتطابق تماماً مع قول الاقتصادي تشارلز جونير في كتابه الأسواق أم الحكومات عندما قال: “حيثما تبتعد الخصائص المثالية للسوق من حيث الأسعار، والمعلومات، والحركة بصورة كبيرة عن الخصائص السائدة في الأسواق الفعلية، فإن النتائج الناجمة عن هذه الأسواق ستكون غير فعّالة “، ومما ساهم أيضاً في تعقيد الأزمة هو الاستناد كثيراً إلى النمذجة الرياضية في تحديد الأسعار، والحسابات والتعاملات الاقتصادية التي كانت غلباً منحرفة عن الواقع الاقتصادي الفعلي، وهذا ما أكده المدير السابق لتحليل السياسات في بنك “سيتي جروب” جيرالد أودريسكول بالقول “إن تسعير الأدوات المالية في أزمة الرهن العقاري كان نتيجة لنماذج اقتصادية معقّدة، ولم يكن نتيجةً حقيقية لمعاملات السوق”.

أطراف الأزمة وفشل السوق:

إن الاعتقاد أن كل لاعب اقتصادي بالسوق استخدم الموارد الاقتصادية التي بين يديه بـ”الطريقة الأمثل” أدت إلى هدر وتبديد تلك الموارد، لا بل أكثر من ذلك، أدت إلى تخصيص موارد اقتصادية جديدة لمواجهة وتفادي الأزمة كان من الممكن أن تستثمر بقنوات استثمارية أفضل، وتحقق عائدية أفضل، أي أن السوق وفق تلك الآلية أدت إلى “سوء تخصيص الموارد الاقتصادية” ولم تؤد إلى “تخصيص أمثل للموارد” وفق ما تدعيه النظرية الليبرالية، بالإضافة إلى ذلك فإن هدف تحقيق الربح في السوق، ونتيجة وفرة السيولة لدى المصارف، والخوف من  انخفاض معدلات الربح، شوه الكفاءة الاقتصادية للأفراد والمؤسسات عندما حول جميع المقترضين “غير المؤهلين” إلى مقترضين “مؤهلين”، نتيجة لتخفيض مستويات ضمانات الإقراض من ثم العمل بدونها.

وبالتالي فإن التحليل النظري والعملي يؤكد أن نظام السوق يتسم بقصور واضح ينبع من أن كل واحد من الفاعلين في داخل هذا النظام يتصرف بناء على منطقه الخاص به، وأن المجموع الكلي لهذه التصرفات لا يؤدي إلى وضع اجتماعي كلي يتصف بالرشاد والعقلانية، والأهم من ذلك يمكن القول بأن “آليات السوق تدمر السوق” فيما لو تركت دون ضبط أو رقابة  والنتيجة الأهم هنا هو أن السوق فشلت، ووفق النظرية الاقتصادية العامة فإن السوق تفشل عندما  تبتعد عن “التوازن التنافسي والنتائج الكفؤة فعلاً”، وهذا ما حدث فعلاً.

بالإضافة إلى ذلك، فقد لعب عامل نقل المخاطرة بين الفاعلين الاقتصاديين دوراً مهماً في الأزمة، فالمصارف حولت جزء من المخاطرة للمستثمرين الدوليين عندما سندت قسم كبير من ديونها العقارية، وقامت المصارف بذلك لدرء “المخاطر الإئتمانية” التي تتمثل في عجز المدينين وعدم مقدرتهم على تسديد ديونهم نتيجة تغيير الأحوال الاقتصادية أو غيرها من الظروف الطارئة، والمستمرون الدوليون حولوا جزء من مخاطرهم إلى شركات التأمين عندما أمنوا ضد إفلاس المصارف، وأصحاب العقارات، وطالما أن مخاطر تلك السندات قليلة فلم يمانع أحد مع ضمها لمحفظته الاستثمارية من أجل تنويعها، وتعظيم عوائدها، مما انعكس على كامل قيمة المحفظة الاستثمارية، والمراكز المالية للمستثمرين عندما انهارت أسعارها.

وهذا بالتحديد ما سماه الاقتصادي سمير أمين بظاهرة “التمييل” في النظام الرأسمالي، ويقوم جوهر تلك الظاهرة على وجود فائض في الرساميل لا يستطيع ضمن البنى القائمة أن يجد منفذاً له في توسع النظم الإنتاجية، وهو ما يشكل تهديداً خطراً للطبقة المسيطرة عبر انخفاض كبير في قيمة الرأسمال الذي تسيطر عليه، وبالتالي تفرض إدارة الأزمة إيجاد منافذ مالية تسمح بتجنب الأسوأ، إلا أن الهروب إلى الأمام في نهج التمييل لا يخرج من الأزمة بل على العكس يغلقها في لولب ركودي لأنه يرغم الشركات على الدخول في اللعبة المالية. بهذا المعنى لا يشكل التمييل مرادفاً لهيمنة المؤسسات المالية على الآخرين فقط بل هو سيطرة المنطق المالي في الإدارة لدى مختلف أنواع الشركات.

 أسواق المال ونقد التوازن والفعالية:

لعبت أسواق المال دوراً مهماً في تفعيل الأزمة بوصفها قنوات لتحديد وتبادل القيم والأسعار وخاصة أسعار السندات المدعومة بقيم العقارات، وعلى مدى سنوات، ومع استمرار توسع المصارف في عمليات التمويل العقاري، وشراء بعض صناديق الاستثمار، والصناديق السيادية جزءاً منها، وقبول شركات التأمين، التأمين على تلك السندات، التقطت أسواق المال عبر متعامليها إشارات بأن سندات الرهن العقاري هي سندات مضمونة، ولا مشاكل اقتصادية عليها، أي أنها أداة مالية موثوقة، قليلة المخاطرة، وساد نوع من استقرار سوق السندات تلك، وأصبحت التوقعات المتعلقة بتداول تلك السندات مصنفة على أنها “توقعات عقلانية”، وذلك على افتراض أن أسعار تلك الأصول  قائمة على توقعات عقلانية، لكن السؤال الأهم هو: ماذا عن نتائج تلك التوقعات؟

يقول جورج سورس في تحليله لحركة أسواق المال أنه ثمة تفاعل ذو اتجاهين ما بين التوقعات والنتائج وهو ما يدعوه سورس بـ “الانعكاسية”، وهو على قناعة أن “الانعكاسية” توفر إطاراً مفهومياً أفضل لفهم كيفية عمل الأسواق المالية من مفهوم التوازن التقليدي، فالتوازن يضمن نتيجة حاسمة، ولكن في الأسواق المالية تكون النتيجة غير حاسمة، فقد لا تتطابق النتائج مع التوقعات.

فأسواق المال لديها صفة مميزة لأوضاع انعكاسية مبنية على وجود اختلاف ما بين التوقعات والنتائج، والمشاركون لا يستطيعون بناء قراراتهم على معرفة أكيدة، وبالتالي فإن أحكامهم منحرفة، وانحراف أحكام المشاركين يصبح عاملاً في تقرير النتيجة، وقد يكون الانحراف بسيطاً جداً أحياناً، بحيث يمكن تجاهله، عندها نستطيع التحدث عن توازن واستقرار السوق المالية.

بالوقت ذاته، يمكن الاستفادة من نظرية الاقتصادي هيمان مينسكي الناقدة للنظام المالي، وأسواق المال، والتي تقوم على فكرة جوهرية مفادها أنه كلما طالت الفترة الزمنية التي يكون فيها النظام/السوق المالي ثابتة كلما أصبح غير ثابت، وقد بنى مينسكي نظريته على الفرضيات الأساسية التالية:

  1. كلما طالت فترة النمو الاقتصادي، كلما ارتفع تفاؤل المشاركين في السوق في تحقيق نفس الأرباح السابقة وأكثر.
  2. على أثر تلك الفترة يتساهل المدينون في إعطاء الدائنين قروضاً تفوق حاجتهم، وحتى بدون وجود ضمانات كافية، وفي حالات كثيرة دون التدقيق فيها بالشكل المطلوب.
  3.  قيام أصحاب الديون بتدويل الديون ورهنها كأصول قائمة على أصول أخرى.

والنتيجة الحاسمة لهذه النظرية هي: أنه نتيجة لتفاعل العوامل السابقة تنشأ فقاعة مالية أساسها ديون قائمة على أصول هشة، وبالتالي يدخل النظام المالي في أزمة، ويتهدد بالانهيار.

بنيوية الأزمة وثنائية السوق/الدولة:

الأزمة المالية الراهنة ليست الأزمة الوحيدة التي عانت منها الرأسمالية، فالأزمات وعلى اختلاف أنواعها، هي واحدة من أهم سمات النظام الرأسمالي، الناتجة بالأساس عن عمل قوانين النظام ذاته، أي أنها أزمات ناتجة عن اختلالات في بنية النظام، وعلاقاته الداخلية فيما بين مكوناته الأساسية، وخاصة سعي النظام إلى مزيد من التحرر الاقتصادي، مع  الأخذ بعين الاعتبار أن نموذج الرأسمالية اليوم يميل إلى “الرأسمالية المالية”، أكثر من رأسمالية إنتاجية حقيقية، وبالتالي أصبحت الرأسمالية تتوفر على فوائض مالية كبيرة لا بد من إعادة تدويرها داخلياً وخارجيا، كي لا تنخفض أرباح النظام بشكل عام، ويدخل في حالة من الركود طويل الأجل.

وفي الحقيقة، فإن الأدوات المالية المتطورة، وأسواق المال المحلية والدولية، وتكثيف ترابط الأسواق المالية الدولية عبر ظاهرة العولمة، التي هي بحد ذاتها شكل خاص ومطور من أشكال الرأسمالية، كل تلك العوامل ساهمت في زيادة معدلات تراكم رأس المال، وتحديداً المالي، التي تعني في النهاية رغبة النظام في تحويل الأرباح إلى رأسمال إضافي، ضمن دورة لا نهائية للحفاظ بأي شكل كان على ما يمكن تسميته بـ”المعدل المتوسط للربح” وهو وسطي الربح الناتج عن توظيف رؤوس الأموال في قطاع محدد، وضمن ظروف محددة، وهذا بالتحديد ما ينطبق عليه توصيف إيمانويل والرشتاين للرأسماليين بالقول: إن المرء يراكم رأس المال من أجل أن يراكم مزيداً من رأس المال، والرأسماليون أشبه بالفئران البيضاء، في أنها تجري أسرع من أجل أن تجري أسرع وأسرع.

وإذا اتفقنا أن السوق الرأسمالية ما هي إلا “بنية اجتماعية لتبادل الحقوق”، فالسؤال الآن: من سيحمي تلك الحقوق؟ أو على الأقل من سيوازن بين تلك الحقوق في حال حدوث اختلال ما فيها؟ هل آليات السوق قادرة لوحدها على فعل ذلك؟ أم سيكون للدولة، وسياساتها الاقتصادية حضور ما؟ جواباً على هذا السؤال فقد تعارضت آراء الاقتصاديين بشدة، وتباينت المواقف منذ عقود طويلة، وتنازعت المناقشات الفكرية تيارات ونظريات عدة حول تلك النقطة، وظهرت مدارس وجماعات كثيرة مثل الكينزيون الجدد، والليبراليون الجديد، والليبراليون المنظمون، وغيرهم.

يعتقد الاقتصادي النمساوي فريدرك هايك، مثله مثل كل الاقتصاديين الليبراليين، أن الليبرالية تعارض استئصال المنافسة واستبدالها بطرق متدنية لقيادة الأنشطة الاقتصادية، وتعتبر المنافسة شيئاً سامياً، ليس فقط لأنها الطريقة المعروفة الأكثر كفاءة فحسب، بل لأنها الطريقة الوحيدة التي لا تتطلب تدخل السلطة القسري والعشوائي، فالمنافسة تبطل أو تلغي الحاجة إلى السيطرة الاجتماعية الواعية، وتعطي الفرد فرصة كي يقرر ما إذا كانت الآفاق المستقبلية لوظيفة معينة كافية وملائمة لتعويض السلبيات المرتبطة بها أم لا.

وكان الاقتصادي البريطاني هنري سيدغويك قال قبل قرن من الزمان أنه ليس من المصلحة في شيء أن تتدخل الحكومة كلما عجزت سياسة عدم التدخل عن تحقيق أهدافها، والسبب في ذلك هو أن الأخطاء التي سيكون من المحتم أن ترتكبها الحكومة في أية حالة من الحالات المعيّنة هي أسوأ من أي قصور يعتري جهود القطاع الخاص.

لقد نفت الأزمة الراهنة ووفق ما ورد من تحليل أعلاه، فرضيات أولئك الليبراليين النافية لدور الدولة في الاقتصاد، والمفارقة التي يظهرها النظام الرأسمالي هو أنه يطالب الدولة دائماً بعدم التدخل كي لا يسقط النظام، نظام الحريات الاقتصادية، والمنافسة، وكي لا يشوه تخصيص الموارد الاقتصادية، ويفسد آليات السوق، لكن مطالباته تلك تنصب في النهاية لمصلحته فقط المتمثلة بزيادة الربح لأعلى درجة ممكنة، وتركيزه بيد فئة محددة، أي أن النظام الرأسمالي يبدي ممانعة لاقتسام الأرباح معه لصالح المجتمع، ولكن، حين تقع الأزمة، فإنه يطالب الدولة بالتدخل “لحماية النظام من السقوط”، لحماية نظام الحريات ذاته، وحماية المجتمع، إلا أن تدخل الدولة في مثل هذه الحالات يكون لإنقاذ “مراكز الثروة” بالدرجة الأولى، قبل أن يكون إنقاذاً للمجتمع.

ويمكن القول إن دوافع السوق في رفض دور الدولة التدخلي تكمن في رغبته  بالاستئثار  على أكبر قدر ممكن من المنافع الخاصة به، إلا انه عند حدوث الأزمات فإن نتائجها لا تشمل السوق فقط، بل تمتد لتطال مساحات أوسع من المجتمع،  الأمر الذي يحتم وجود دور فعال للدولة سابق على الأزمة، وخلالها أيضاً، فتدخل الدولة أمر مهم لإحداث الاستقرار الاقتصادي، والفعالية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، ويمكن تكثيف ضرورة دور الدولة التدخلي بضرورة الحفاظ على العقد الاجتماعي بين الدولة والموطنين وصيانته، لا للحفاظ على العقد الخاص بين الدولة ورأس المال.

ينطلق الدور التدخلي للدولة من فكرة “ضبط الأسواق”، فالأسواق يجب أن تكون مضبوطة، وتعمل ضمن شروط قانونية واقتصادية واجتماعية محددة المعالم وواضحة، وإلا ستصل الأسواق إلى حالة من الفوضى والانفلات، كما أن طريقة ضبط السوق والتعامل معها هو مسألة سياسية واجتماعية على أساسها تتحدد طبيعة النظام المجتمعي القائم، عبر تحديد التوازنات الاجتماعية والسياسية، ولا تعني فكرة ضبط السوق كبح نشاطه، أو عرقلة ذلك النشاط، بقدر ما تعني تنظيمه وقوننته، والرقابة على أدائه الاقتصادي، فالأسواق لن تكون وسيلة فعالة لتوزيع المنافع الاقتصادية إلا إذا ضُبطت الشروط التي تعمل هذه الأسواق في ظلها، وفكرة “البقاء للأفضل”ن و”الدارونية السوقية” التي تدافع عنها السوق، أثبتت أن الأفضل وإن استمر البقاء بطريقة مشوهة فإنه يهدد باقي الأنواع كلها، وربما يقضي عليها أيضاً.

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *