العولمة عارية

آراء ومقالات أبريل 19, 2010 No Comments

لقد حّول هذا الإعصار نمط العيش الأميركي أو ما يسمى بالحلم الأميركي إلى كابوس،فقد أظهر انقسام المجتمع الأميركي إلى خطوط تفصل الفقراء عن الأغنياء،والبيض عن السود لدرجة أن بعض المثقفين الأميركيين أطلقوا عليه اسم (التسونامي الأسود في أميركا) من كثرة الدمار الذي ألحقه بفقراء لويزيانا السود،وأكّد شكوكهم بأنهم يرسلون أولادهم لخوض الحروب بينما يستثنون من ازدهارها،وعندما وصلت النجدة كانت كما وصفها أحد محرري صحيفة النيويورك تايمز مثل (التايتانيك):نجا ذوو المال و السلطة أولاً، وترك الفقراء يواجهون مصيرهم بأنفسهم،على الرغم من أن دولتهم هي الأغنى في العالم،وتمتلك كل الموارد اللازمة لإخلائهم،لكن حكومة أقوى دولة على وجه الأرض تتحكم بها كما يقول جورج سورس:

(مجموعة من المتطرفين الذين تقودهم الصيغة الفظة من الداروينية الاجتماعية التي تعني البقاء للأصلح ولا مكان للفقراء في (قارب نجاة العولمة)،إنها الصيغة من العولمة الأكثر توحشاً في شقيها الاقتصادي المبني على المنافسة التي لا ترحم ،والمحصورة بين الشركات الكبرى التي تقتل الصغرى، وشقها السياسي الذي تطيح به الدول الكبرى بالصغرى).

فعلاُ لقد شاهد العالم بأسره مدى احتقار دارويني الحكومة الأميركية للفقراء و المسنين والمهمشين،وآثارعدائهم الفظيع لبرامج الرعاية الاجتماعية للدولة وخاصة لقطاعات الصحة و التعليم،حيث أدى التبني المفرط لبرامج الخصخصة إلى فقدان ملايين الوظائف،وخفض الأجور والتعويضات التقاعدية،وإلى جعل المصانع و الأراضي والثروات الطبيعية بيد حفنة من الشركات والأثرياء،بينما يترك ملايين العاطلين لمصيرهم المحتوم من الفقر والتهميش ،وهاهو مدير شركة (سان) الأميركية الكبيرة جداً يقول:(إن شريعة الغاب تنبعث من جديد عن طريق تطبيق آليات السوق: إما أن نأكل أو نؤكل).

ولعل الانتقادات التي وجهتها الصحافة لتصريحات السيدة الأميركية الأولى السابقة باربارا بوش (والتي تذكرنا بماري انطوانيت) عندما قالت عن النازحين من نيو أرولينز:”إن معظم من لجأوا إلى استاد المدينة المغطى كانوا من الفقراء المعدمين أصلاً وبالتالي فإن ما يتلقونه من إغاثة شيء جيد جداً بالنسبة لهم”.

وتتزامن النتائج التي كشفها الإعصار مع النتائج التي يبينها تقرير التنمية الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2005 عندما يقول:إن تدني الرعاية الصحية للفقراء من الأمريكيين السود في العاصمة الاميركية جعل معدل وفيات الأطفال الرضع بينهم أعلى من نظيره في ولاية كيرالا الهندية،كما ذكر التقرير أن معدل الفقر بين الأطفال الأميركيين اليوم تزيد حالياً عن 20%،وتبلغ نسبة عدد السكان تحت خط الفقر في الولايات التي ضربها الإعصار 28%،ونسبة البطالة فيها 25%.

وإذا كانت كاترينا كارثة طبيعية لم يكن بالإمكان تفاديها، فقد كان من الممكن حتماً التقليل من حجم دمارها و عدد ضحاياها،وذلك بالنظر إلى تحديد الأولويات التي تفرضها آليات العولمة على أجندة الحكومات:

• إذ تجاهلت الحكومة الإنذارات المبكرة التي أطلقها الخبراء حول ضرورة حجز الأموال اللازمة لتدعيم السدود الضعيفة،ولكنها في الوقت نفسه وبسخاء كامل تبني جسراً في اللامكان في الألسكا.

• تغاضت الحكومة عن السياسات الاستثمارية الجائرة لشركات البترول الخاصة،والتي قامت بتجفيف مناطق المستنقعات و الأراضي السبخة التي تخفف من قوة الأعاصير.

• تتبنى الحكومة دوماً سياسة تخفيض الضريبة على الأغنياء فلا تجد بالتالي الأموال اللازمة للخدمات العامة،لا بل قامت باقتطاع 40% من ميزانية الولاية المخصصة لتدعيم السدود.

• قامت بضم الوكالة الفيدرالية للطوارئ إلى وزارة الأمن الداخلي،وقلصت مواردها البشرية و المالية المخصصة للأزمات و الكوارث الطبيعية لصالح ميزانية الحرب ضد الإرهاب التي خصص لها شيك على بياض لتوسيع مهام CIA,وال FBI،ولترسل في الوقت نفسه فرق الحرس الوطني والاحتياطي لخوض حرب قذرة في العراق.

• ما تزال الحكومة الأميركية تنحاز لمصالح الشركات الصناعية ضد مصلحة المناخ العالمي،وهاهي في قمة الثماني الأخيرة تجدد رفضها التوقيع على اتفاقية كيوتو للحد من انبعاث الغازات ،علماً أنها لوحدها مسؤولة عن انبعاث 38% من الغازات المرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري المسؤولة عن تزايد عدد الأعاصير و درجة قوتها إذ أصبحت العواصف الاستوائية الآن أقوى بنسبة 50%،وتدوم فترات تزيد بنسبة 50% عما كان يحدث قبل عقود قليلة، كما يقول الباحث البيئي نورمان مايرز والذي توقع قبل عشر سنوات أيضاً أن 150 مليون نسمة ربما يصبحون بحلول عام 2050 “لاجئين بيئيين”.

لقد عصفت كاترينا بصورة العولمة،وهاهي توجه ضربة قاضية على حد تعبير زعيم الأغلبية السيناتور بيل فريست لخطط الرئيس بوش الساعية لخفض الضرائب بالنسبة للأملاك،وخصخصة نظام التأمين الاجتماعي الذي كان سيتم التصويت عليه مؤخراً لولا حدوث الإعصار،وهو مشروع لا يستفيد منه حسب قول المراقبين إلا 1% من أثرياء البلد،فوضعت الآن هذه الأجندة على الرف حتى إشعار آخر
و أخيراً نقول:إن عالمنا الذي نعيش فيه و الذي يخصص يومياً 2.2 مليار دولار لإنتاج الموت،والذي تكفي فيه كلفة تسعة أيام من النفقات العسكرية لسد احتياجات الغذاء والتعليم والطبابة لكل من يعوزها على سطح الأرض هو عالم يجب النضال لتغييره،لأن عالماً آخر أفضل ممكن.
“نشرة البديل” 19/تشرين الثاني/2005

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 4 + 12 ؟
Please leave these two fields as-is: