خوان جيلمان

هناك أيضا حياة البحث عن حفيده، وهي الفترة الشاقة التي قضى فيها قرابة الربع قرن من البحث العسير عن (وهم) قبل ان يتحول إلى حقيقة، لتعيد طرح السؤال الكبير في أميركا الجنوبية حول تلك الفترة السوداء التي عرفتها إبان الحكم العسكري. القضية؟
في العام 1976 وبعد مجيء الجنرالات إلى سدة السلطة، نفذ الجنود عملية اغتيال بحق ابن الشاعر وزوجته الحامل في شهرها الثامن انتقاما من جيلمان نظرا لدفاعه المستمر عن الثوار ومساعدته لهم. بيد انه بعد فترة وجيزة، عرف ان زوجة ابنه لم تقتل في الحال، بل أخذت إلى مستشفى عسكري، مجهول المكان، خارج الأرجنتين، حيث وضعت طفلها قبل أن تقتل في ما بعد. كان ذلك في نهاية السبعينيات، ليدخل الشاعر، من منفاه، في عملية بحث مضن. في العام 1988، وبعد سقوط الحكم العسكري وكان ذلك عقب (حرب المالوين) في العام 1982 استطاع أن يعود إلى الأرجنتين في زيارة أولى، ليكتشف فعلا ان زوجة ابنه وضعت في مستشفى عسكري في الأوروغواي. شيئا فشيئا بدأت تتكون خيوط وتفاصيل الحادثة، ولتبدأ معها حملة عالمية اشترك فيها العديد من كتاب العالم، طالبوا فيها، ليس فقط الكشف عن حقيقة قصة غيلمان، بل أيضا عن مصير الآلاف من (مجهولي المصير) الذين اختفوا في حروب أميركا اللاتينية.

هذه القصة لم يكتب لها الخاتمة إلا في العام 2001، حين وجد الشاعر حفيدته، التي تبناها شرطي من الأوروغواي، الذي كان توفي لتوه، ولتعترف زوجة الشرطي، لابنتها بالتبني، بالحقيقة أي أنها كانت ابنة امرأة من الأرجنتين قتلت بعد أن أنجبتها. تتطابق القصتان وينجح الشاعر في الوصول إلى (الحقيقة) التي بحث عنها مطولا.
سيرة تراجيدية بلا شك. ومن هذه المآسي المتكررة، ينبع قسم من شعر جيلمان الذي جمعه في كتاب هي قصائد المنفى وقدم له الروائي الأرجنتيني خوليو كورتاثار قبل موته، ليصدر العام 1994 عن منشورات( فيزور) في مدريد.

يعد خوان جيلمان اليوم، أحد الأصوات الشعرية المتفردة في أميركا الجنوبية، حاز العديد من الجوائز الأدبية، كان آخرها جائزة (خوان رولفو) العام 2000. مؤخرا أصدرت له منشورات (في) في اللكسمبورغ، ضمن سلسلتها الشعرية (غرافيتي)، ترجمة لبعض أشعاره حملت عنوان (رواتب الكافر)، وهي مجموعة تقع عمليا في ثلاثة (فصول). الأول بعنوان (رواتب الكافر) ويتضمن قصائد كتبت في باريس وجنيف ومكسيكو ونيويورك ما بين عامي 1984 و1992. أما القسم الثاني فبعنوان (ديباكسو)، في حين يحمل القسم الأخير عنوان (بطريقة ناقصة) ويتضمن قصائد كتبت في المكسيك بين عامي 1993و1995.

القصائد المختارة والمترجمة هنا، هي من الجزء الثاني من الكتاب (ديباكسو)، ويقول الشاعر في تقديمه لها، إنها قصائد كتبت ما بين 1983 و1985 وتشكل امتدادا وتكملة لكتابي (استشهادات) و(تعليقات) اللذين كتبا في أوج مرحلة المنفى في عامي 1978 و1979، وقد حاول فيها أن يتحاور مع اللغة الأسبانية العائدة للقرن السادس عشر (كما لو أن البحث عن جوهر هذه اللغة الأسبانية كان هاجسي. كما لو أن وحدة المنفى المطلقة كانت تدفعني للبحث عن جذوري في اللغة…).

يصف شاعر اللوكسمبورغ جان بورتانت وهو الذي نقل قصائد جيلمان إلى الفرنسية بالقول: (حين لا يكون الصمت والامحاء موجودين فقط في الفضاءات البيضاء حول الكلمات وبينها، حين يستوليان على كل شيء، بما فيه على نفسيهما، تأتي الكلمات التي تقول ذلك، بدورها، لتنقض ما لا يخرج لا من الجسد ولا من القلب، بل من روح بعيدة، تائهة في تعرجات اللغات، ولترمي كل كلمة نفسها في الأخرى. كما لو أن التضحية بحدودها كانت تضحية متخيلة. إنها تضحية في حدود الآلام الموجودة، بالرؤى التي تكلسها الأضواء أو العتمة. إنها عودة دائمة في هذه الدائرة الحلزونية التي تذهب من (الأنا) إلى (الأنت) الغائب في معظم الأحيان، كما لو أنه وقع في فخاخ التاريخ…).

“القصائد ترجمة: يعقوب المحرقي”

قصائد من ” الغامض المتفتح “

بالكلام ستعرفني

كل الانهيارات، الآلام، النسيان
الظل، الجسد، الذاكرة
السياسة، النار، شمس العصافير
الأقلام الأشد عنفا، الكواكب
التوبة قرب البحر
الوجوه، الهيجان، الحنان
أحيانا بالكاد ما يطل بصيصها
تنسى، تحرق، تهزأ، تلتمع
تسيس، تشمس، تبكي، تتوب وتلوذ بذاكرتها الأمواج
تنظر إلى وجوهها، تتموج، تفيض حنانا
تبحث عن ذاتها، تقوم حين تسقط
تموت كسائل و تولد كسائل
تتصادم، هي سبب للغموض
تتململ، يسيل لعابها، تأكل ذاتها، تتشرب
تمطر في داخلها وعلى النوافذ
ترى ذلها آتيا يجري بين أذرعهم
تنتهي بالارتماء في الكلام كالأموات
أو كالأحياء وهم يتحولون، تطرف أعينهم
إصرار في الصوت، مأخوذون بالصوت
يجولون العالم، إنسانيا لا ينتمون إلى أي كوكب، إلى البحار
كما التائبون، كالنسيان
جحيم آلام أو سياسات
ظل عتمة الجسد، عصافير هذا الوجه
الانهيار والذاكرة المتموجة.

………

 

الرفقة الجميلة

غالبا ما يحدث ويعبث نسر كاسر بأحشائي، دون ان يلتهما، غالبا ما يحبها أو يمزقها، يمنح النهار لوجوهي النهائية. أنظُر إليها… يقول لي: أنظُر ما تأكل أيها الحيوان.. يقول لي النسر الجميل.

……

حيوان غامض

أتقاسم وحيوان غامض المنزل
ما أفعله نهارا يأكله ليلا
ما أفعله ليلا يأكله نهارا
شيء وحيد ينأى عن أكله: ذاكرتي
بإصرار يجس أدنى هفواتي ومخاوفي
لا أدعه ينام،
أنا حيوانه الغامض.
…………….

حب يخبو.. هل ينتهي ؟

أيبدأ ؟ يا له من خبر.
أما تزال الشيخوخة في انتظاره ؟
يا لها من بارقة، حب ـ ذاكرة ذاته ـ ينحني
طوعا على ذاته
ناهشا منها
آه. لعجوز سيمتص عنقه ؟ آه.. الطاعون
زار بلادي
هاجم أعضاءها
غريب كالريح

……

الأمريكان الجنوبيون

هل غادر عبر الريح
أم هو من حيل الحنجور الأخضر ؟
أغادر ايزيدور دوكاس دو لوتريامون *
عبر الريح أم كان:
من حيل الحنجور الأخضر
ايزيدور الحب الآخر
آكل الوجوه العفنة
الكآبات واليأس
الآلام البيضاء والغضب الحزين
مستنفرا شجاعته
مستبدلا البؤس
بوميض أو آخر

***

الأمريكي الجنوبي الرائع
بطحالب في فمه
من أين يجيء بهذا الألق ؟
وجدها في الوجوه العفنة
حزن، كآبات
آلام بيضاء وغضب حزين
تمس قلبه
تعفنه ـ كما يقال ـ
تسلمه لليأس والحزن
رأيناه كطائر صغير
في زاوية ” كانيلون و بول ميش “
يسرح الحزن
كخطيبة نقية
تخبىء الاغتصابات
التي داهمت الحي

***

” آه.. أيتها الخطيبة الرقيقة ” يخاطبها
مستندة على ذراعيه
المفتوحتين، وكبحر يخرج
من نظراته، فمه
قبضتيه وعنقه
” لنر.. كيف تموتين يا جميلتي “
يخاطبها
حين يحبها ـ في باريس ـ يجردها من سلاحها
كعيد ونار
بالأمس ما تني تدوي
في غرفة بحي ” بواسونيير “
تنضح بالعرق الأمريكي

***

أيا.. دوكاس لوتريامون
أيها المونتي فيدي ايا… ايا
أو فيد اوو مونت… لموتك
كما لكرة ذهبية
سعيرا مستلا
الحزن ضُرب عنقه
الغضب خبى
ذهب عبر الريح ـ هذه المرة فقط ـ
حيث مات ايزيدور دوكاس
أو كمطر حب آخر
بلل “نوتر دام “
الكومونة المسلحة والحبيبة
بالجمال الطالع
من حنجوره الأخضر العفن

***

في السابع والستين وتسعمائة بعد الألف
في وادي الببغاوات الصغير
سمعنا طيرانه الوشيك
أو كما بدى يدوي
مواجها الغابة المثقوبة،
كآبات البلاد،
الأحزان المهولة،
وكان من سقط الآخر
لهذه المرة فقط
حيث كان دوكاس مستريحا
في مخيم الظلال.

لقد كانت أوروبا مهدا للرأسمالية. وغذي الطفل في المهد بالذهب والفضة من البيرو، المكسيك وبوليفيا. كان على الملايين من الأمريكان ان يموتوا ليسمن الطفل، الذي شب قويا، طوّر اللغات، الفنون، العلوم، أساليب الحب والحياة، وأبعادا أخرى لكينونة الإنسان.
من قال بان لا رائحة للثقافة ؟

تجولت في باريس و روما.. ما أبدعها من مدن. في شارع كورسو على البولمش فجأة اصطدت سمكة لقبيلة التينوس تمزقها كلاب اندلسية….
انك لا تشم أوروبا القديمة.

تشم الإنسانية ونظيرها، تلك القاتلة والأخرى القتيلة.
مضت قرون، وجمال ضحية الغزو ما يزال يتفسخ عفونة تحت عينيك.

من كتاب ” رقة لا تَصدق ” مختارات شعرية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 14 + 3 ؟
Please leave these two fields as-is: