جاءك العون يا سوريا

آراء ومقالات أبريل 22, 2010 No Comments

oon_0بقلم: غادا فؤاد السمان

بين جهابذة القول و”سفهاء” التأويل، ليس أمامنا إلا أن نبقى نراوح ببلاهة كجيل مفصلي محكوم أبدا بالأرجحة المؤبّدة على حبال الماضي بأعناق مرفوعة بشموخ واعتداد مقتبس عن حكايات الأجداد في البطولة والأمجاد، وأجيال الثورة ورجال النهضة وأسياد النضال، وبرؤوس مدلّاة على حبال الحاضر المنصوبة كمشانق حتمية عند أول إشارة استفهام أو استفسار نضعها كعلامة فارقة لما يحصل في عالم السياسة اليوم، وفي ظل غياب التوافق حول اصطلاح السياسة كمفهوم يمكن إرجاعه للمنطق أو العلم أو الفن أو الفلسفة أو الثقافة أو العبث أو الجنوح أو حتى “طقّ الحنك”، يبقى الواقع أكثر غرابة من كافة التوصيفات الممكنة والعصيّة بالتأكيد عن التسمية والوضوح والشفافية كما تدّعي الكثير من الأنظمة والحركات والأحزاب في تكريس ممارساتها وتبرير سلوكياتها الغارقة في طلاسم المصالح الذاتية المغلّفة بالشعارات والمثالية، ففي السياسة يصبح المحتمل مؤكدا، والمؤكد مستحيلا، والمستحيل كامنا، والكامن فاعلا، والفاعل منفيّا، والمنفي جازما، والجازم أمرا، والأمر مأمورا، والمأمور مطلقا، والمطلق يتابع دورته الحيوية هذه ليعاود الكرّة من جديد، وما على الأجيال إلا أن تنمو في الوقت الضائع لتستنسل الضياع، وتستبسل في هندسة الفراغ بتفريغه من كامل المحتوى، فلا قيمة للقيمة، ولا مبدأ للمبدأ، ولا تقليد للتقليد، ولا فرادة للفرد، ولا وطن للمواطن، ولا شخصية للشخص، ولا رأي للرأي، ولا معتنق للمعتنق، ولا وجهة للوجهة، ولا إرادة للإرادة، ولا رؤية للرؤية، ولا كرامة للكرامة، ولا ضمير للضمير، وحدها الوسيلة تحكمها الغاية، ووحدها الشعوب تتحكم بمصائرها القادة والزعماء وتجّار المواقف، وما عدا ذلك حبر على جرار الوقت المجرور بالخيبات الظاهرة والمبطنة والمضمرة والمتّصلة والمنفصلة على امتداد الحقب والمراحل والتاريخ!

بدون مقدّمات وبدون تردد النائب ميشال عون الجنرال السابق، في سورية، وسورية محجّ الطامحين، وقبلة التائبين، واستراحة المحارب، وللمحارب القديم ميشال عون وسام استحقاقٍ باستقبال مشرّف وحفاوة باهظة ومرصّعة بالتكريم، بصرف النظر عن تفاصيل الذاكرة، على الرغم من أنّه في الذاكرة حرب ضروس بين المعقول واللامعقول، بين الاستسلام لوجوب المصارحة، والرفض لمشروعية المصافحة، إذ ثمّة أمس قريب يلامس وجدان المتفرجين الكرام، عن سيناريو حافل لمشهدية حرب شرسة خاضها البطل عون في حينه، وبغضّ النظر عن حيثيات الحرب التي خاضها، وبكفّ التنظير عن طبيعة الحرب التي خاضها وكيف خاضها، ولمَ خاضها، وضدّ من خاضها، فقد خاضها والسلام، والسلام لغة الراهن، بعدما سقط المرهون في بئر النسيان وختمت البئر بالشمع “الأورانج ” المبطّن بـ”الأصفر ” وربما العكس. وعون لم يفته في لقائه التاريخي وخطبته العصماء في دمشق الفيحاء، أن يلفت إلى ضرورة اعتذار اللبنانيين من السوريين، والسؤال أليس على عون شخصيا وقبل الجميع أن يعتذر أولا عن حرب التحرير التي وإن تناسيناها ككتاب، وتناستها السياسة السورية كقيادة، فهل ستنسى الأمهات دماء أبنائها التي عادت هدية من جنرال لبنان آنذاك بكفن جماعي، لم تتح وقتها بشاعة الجراح غسل الشهداء، بل تمّ تحويلهم من مشفى “المواساة” في منطقة المزّة وهم بأعداد غفيرة إلى الدفن بصمت مرير، تسرّب رغم متانة كواتمه الإلزامية بعض الهمسات عبر الممرضين والممرضات الذين لم يطقن المشهد ولم يتحمّلن صونه بسرية كما أريد له، بل سرعان ما تفشّت بين عموم الناس وسرت أخبار الشهداء “هدية لبنان إلى سورية” كما كتب على الشاحنات التي أقلّتهم إلى دمشق من بيروت. وكما العادة الماضي في ذمّة التغاضي أو التفرّس حسب ضرورات الحالة ومستجدّاتها وأمزجة السُعاة فيها.

وسورية بنت الحاضر، والحاضر الجدير بالإكبار هنا، هو أنّ بادرة “الصفح” هذه تُحسب للنظام وتوضع في الحسبان وتُنظر بعناية فائقة جدا وتفاؤل بالغ ومنقطع النظير، فحتما وربما على المدى المنظور سنشهد احتفالا استثنائيا يُكرّم به كل “معتقلو” الرأي في سورية على رأي الشاعر: “خلاف الرأي لا يفسد في الودّ قضية”، والودّ ليس بغريب عن مشاعر الساسة والسادة السوريون، الذين بوسعهم طيّ صفحة الخلاف أو حتى الاختلاف الذي كان، بل تمزيقها إن شاؤوا، كماضٍ منتهِ الصلاحية ومحكوم بالشلل لعدم دراية الخطوة وعدم تقدير أبعادها وعواقبها الوخيمة.

فمن الواضح أنّ صدر النظام السوري يتّسع للحوار والمفاتحة والمصارحة والحميميّة والبياض أيضا، ولكلّ المشككين ما عليهم إلا أن يعيدوا النظر في أحكامهم التعسفيّة المُبرمة تجاهه، فهل يُعقل أن يتمّ الصفح عن “الخصم الندّ” للأمس القريب كما يحب الجنرال المتقاعد “عون” أن ينسب إليه، بدلا من تسميته السابقة بـ”العدو اللدود”، وقد أصبح تلقائيا ومنذ اللقاء الأول “صديقا” و”حليفا” وحميما كذلك والقادم أعظم بالتأكيد!

بهذه الحال هل للظنون المتواترة تجاه النظام السوري ما يُبررها، وكل بادرة تؤكد ما تلاها من بوادره الكريمة؟

فلا العدو الإسرائيلي سيظلّ عدوا بعد إبرام اتفاقيات الصلح معه رغم أنّ البشائر لم تلح في الأفق بعد، ولا “عون” ظلّ جنرال حرب “التحرير” بعد الزيارة الأولى لدمشق التي انقطع عنها قرابة العقدين من الزمن!

فهل يُعقل أن يظلّ كلّ معتقلي “الرأي” في سوريا وحدهم البلاء الفتاك، والذنب الذي لا يغتفر، والحكم الذي لا يُردّ، والرقم الصعب في المعادلة، والحرف الساقط من إعادة التأهيل؟!

هل يُعقل….

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 12 + 15 ؟
Please leave these two fields as-is: