عمر حجو صديقي

فلاش مارس 09, 2015 No Comments
خطيب بدلة

8 مارس 2015

OmarHajjo

 مثل النبتة الجبلية التي تشقّ الصخر وتخرج؛ خرج عمر حجو إلى الحياة، وإلى الوسط الفني، وبقي ينحت في الصخر، حتى أصبح ذلك النجمَ الكبير.

أبو الليث، عمر بن خيرو حجو، هو ذلك الفتى الصغير الذي نزحت أسرتُه، ذاتَ فقر مدقع، من قرية دركوش، الواقعة بين جبلين على التخوم الغربية لقضاء إدلب، حيث الأعوج بن عناق يهدّد الناس بالغرق، إلى حلب، أم الأغنياء والفقراء ومتوسطي الحال، ليستأجر ربُّ الأسرة داراً يسكنون فيها أسابيع، ثم يقرّر الانتقال إلى دار مستأجرة أخرى، لأن هذه لم يكن وجهُها عليه أغَرّ.
في مقهى السياحي، وسط حلب، قال لي عمر حجو؛ ممازحاً إياي بتقليد لهجتي الإدلبية: يو خاي أبو مرداس، اقعد لأحكي لك. في صغري، جئت مرة من المدرسة إلى الدار، فلم أجد أهلي. سألتُ عنهم صاحبَ الدار، فأخبرني أنهم انتقلوا إلى دار أخرى. سألته إن كان يعرف أين انتقلوا، فأجاب بالنفي. وكان أهلي قد نسوني فعلاً، بدليل أن أخي محمد جاء يبحث عني بعد ساعتين على موعد الانصراف.
تعرفتُ على عمر حجو في 1993، حينما أسندَ إليه المخرج رضوان شاهين دور البطولة في الفيلم التلفزيوني الذي كتبتُه عن قصة للأديب الكبير أديب نحوي “مجلس الرحمة”. من يومها أصبحنا أصدقاء، إذ وجدنا بيننا قاسماً مشتركاً هو عشقُنا التنقيب، درامياً، في قاع المجتمع المديني السوري، وبالأخص في أحيائه الشعبية. إثر ذلك، توالت الأعمال الإذاعية والتلفزيونية المشتركة بيننا. وكان يتصل بي عبر الموبايل، ويخاطبني بجملة أصبحت تقليدية وهي: شلونك يووو خاي؟. ثم يطرح عليَّ فكرة مسلسل أو فيلم أو عمل إذاعي مُقْتَرِحاً عليَّ أن أكتبه. حتى إننا ذهبنا، في إحدى المرات، كلانا، إلى مشفى المجانين في قرية دويرينة، بقصد أن نَطَّلع على عالَمهم، تمهيداً لكتابة مسرحية بعنوان “إمبراطورية المجانين”، وحصلت معنا، هناك، فصول طريفة جداً ضمنتُها كتابي الذي حمل العنوان نفسه، وصدر في حلب 2006.
قلت له بطريقة المزاح نفسها: يووو خاي أبو الليث، لنفرض أنني أريد أن أجري معك مقابلة صحافية. هل تحزر عن ماذا يمكن أن أسألك؟
قال: عن ماذا؟
قلت: أريد، فقط، أن أسمع ذكرياتك غير الفنية. بصراحة، قصة الطفل العائد من المدرسة أدهشتني.
قال وهو يضحك: هل تعرف كيف كنا، نحن الأولاد، نسبح في نهر العاصي بدركوش؟ كان الواحد منا يضع إبهامه في مؤخرة قمبازه، ويسحبه سحبة واحدة ويرميه جانباً ليصبح (ربي كما خلقتني) ونرمي أنفسنا في النهر.
وقال: لا أقول عن طفولتي إنها بائسة، لكنها مضحكة. مثلاً: كنا نذهب إلى المدرسة، أنا ومعظم زملائي، حفاة. ومرة، جاء زميلي علي، وهو يرتدي شحاطة بلاستيكية. وبمجرد ما شاهدتُها في قدميه خرجتُ من المدرسة راكضاً، حتى وصلت إلى كراج السيارات في “باب الحديد”، حيث كان والدي يعمل سائقاً. قلت له وأنا مطرق خجلاً: يا يوب، رفيقي علي اشترى له أبوه شحاطة، وأنا بدي واحدة. فاشترى لي أبي “شحاطة”، استغربتُ أن فردتيها مربوطتان مع بعضهما بخيط من القنب. ومن شدة فرحي عليها، ارتديتُها من دون أن أقص الخيط، وانطلقت أعدو، وأقع، وأقوم، وأقع. حتى وصلت إلى المدرسة وقد تبلل جسمي كله بالدماء!
يمتلك عمر حجو دماغاً يشتغل في الفن، كما أحسب، على مدار اليوم، فهو، لعلمكم، صاحب فكرة المسرح الجوال الذي يذهب فيه الممثلون إلى الأرياف، والقطعات العسكرية وينصبون ديكورات بسيطة ويقدمون ما لديهم من فن. وهو الذي اخترع فكرة مسرح الشوك الذي يُخَلِّصُ عشاقَ المسرح الكوميدي من ثقل دم المسرحيات الطويلة التي تستجدي الضحك، لمصلحة مشاهد كوميدية خاطفة، وعامرة بالفكاهة، واللذع.
رحمك الله يو خاي أبو الليث.

(المصدر: العربي الجديد)

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 4 + 6 ؟
Please leave these two fields as-is: