"/>

حصيلة 2004- مقابلة مع سمير العيطة، الخبير الاقتصادي السوري

آراء ومقالات أبريل 19, 2010 No Comments

هل تسارعت وتيرة تحرر الاقتصاد السوري سنة 2004 أم ما زالت الإصلاحات في مكانها؟

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، الحدث الأهم سنة 2004 هو إعلان السلطات اعتماد اقتصاد السوق. ولمنح هذا الإعلان مصداقية، تم الإسراع بإنجاز اتفاق الشراكة مع أوروبا واتفاق آخر مع تركيا. ولكن لم يكن هناك أية خطوة هامة على صعيد تحرير السوق الداخلي. بل جرى عام 2004 تقييم للوضع الاقتصادي العام، ليس بالعمق المطلوب، وإنما دون مجاملة. وقد أظهر هذا التقييم بعض المعضلات الأساسية للاقتصاد السوري (وصفها بعض المسؤولين بقنابل موقوتة) ومنها تزايد البطالة بشكل متسارع وخسارات القطاع العام التي لا تنتهي والارتفاع الكبير للمستوردات النفطية إلى سورية، مما يسارع في تدهور ميزان تجارة الطاقة للبلاد!

ولكن لم يجر إطلاق أية إصلاح جوهري على الجبهات التي تمت معاينتها، خاصة فيما يتعلق بتحسين مناخ الاستثمار. الورشة الوحيدة التي يبدو أنها تتقدم، هي ورشة الإصلاحات الضريبية. فقد صوت مجلس الشعب على عشرات القوانين أنزلت سقف التكليف الضريبي وأطلقت ضريبة مبيعات تحضيراً لضريبة القيمة المضافة. ولكن ملف إصلاح المصرفي العام والإصلاح النقدي لم يتقدم، وكذلك ملف إعادة هيكلة القطاع الإنتاجي الحكومي والسياسة الصناعية المتسقة، والأمر نفسه بالنسبة للإصلاحات القضائية والإدارية وغيرها التي تهدف المناخ الاجتماعي ومناخ الاستثمار.

هل كان للعقوبات الأمريكية أثاراً سلبية على الاقتصاد السوري؟

المضايقة الأكبر جاءت من اتهام المصرف التجاري السوري بالمساهمة في تبييض الأموال. فالاقتصاد السوري مدولر إلى حد كبير ولدى المصرف موجودات خارجية كبيرة من الدولارات، وصلت حسب الإحصاءات الرسمية عام 2003 إلى حوالي 13 مليار دولار. وهكذا أجبرت العقوبات الإدارة السورية على تنفيذ معاملات التجارة الخارجية باليورو وعبر بنوك أوروبية. كما يعتقد أنه قد تم تحويل الموجودات الخارجية إلى اليورو في حسابات مصارف دول يمكنها الصمود أمام الضغوط الأمريكية. من ناحية أخرى، لقد أدت هذه العقوبات إلى إعاقة الإصلاحات النقدية كما فادت المصارف اللبنانية وكذلك المصارف الخاصة الجديدة في سورية. وهكذا لم تتمكن الإدارة بفعل هذه العقوبات من البدء بتمويل التجارة الخارجية للقطاع الخاص المقيم مباشرة بالقطع من المصرف التجاري السوري. في حين هذا أمر ضروري لإعادة توطين وقوننة سوق القطع داخل سورية.

المضايقات كانت أيضاً كبيرة في مجال التجارة الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالتجهيزات ذات التقانات العالية (وهكذا تأخر مشروع البنية التحتية للانترنت السوري بضعة أشهر) وبالطاقة (التأخر في إطلاق مناقصات محطات توليد الطاقة) وبالتجهيزات الطبية المتقدمة.

صحيح أنه تم استيراد بعض التجهيزات عبر دول ثالثة، ولكن سعة هذه العقوبات والمضايقات التي خلقتها زادت من شعور الاستياء عند الشعب السوري من ظلم مواقف الإدارة الأمريكية.

هل عاد الاقتصاد السور ليستفيد من جديد من السوق العراقية؟

لم تتوقف العلاقات الاقتصادي بين سورية والعراق، التي كانت قد تطورت بشكل كبير في آخر فترة صدام، إلا قليلاً أثناء فترة الغزو، وعادت قوية بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبيرة. وقد أضحت الموانيء السورية موانيء هامة لتفريغ مستوردات القطاع الخاص العراقي. وقد لعبت العلاقات التاريخية بين حلب والموصل دوراً كبيراً في هذا التطور، وكذلك العلاقة مع بغداد والمنطقة الكردية.

وعدا أعمال الترانزيت، عاد بعض الصناعيين السوريين إلى تصدير كميات كبيرة إلى العراق، كما حدث لمشاغل تصنيع صحون الأقمار الصناعية. ولكن السوق العراقية قد تغيرت، إذ أنها أصبحت تنافسية. وهكذا توقفت الصادرات غير المنافسة التي كان يمكن تسويقها أثناء فترة الحظر والتي أمكنت وقتها لبعض شركات القطاعين العام والخاص من تفريغ مخزوناتها.

ولكن المنة العراقية الأكبر أتت من “السياحة”. فكثير من العراقيين الذين يعيشون حالة من اختلال الأمن بفعل التفجيرات أرسلوا عائلاتهم إلى سورية لحمايتها. كذلك كثيرون هم من جاؤوا لقضاء “عطلة” يستحقونها في سورية. وقد شكل هذا التدفق منة حقيقية للقطاع السياحي في سورية.

تعترف السلطات السورية اليوم وبصراحة أن عائدات النفط تنخفض. هل لهذا الوعي نتيجة ذات معنى لوضع سياسات جديدة؟

تعاني سورية اليوم من غياب نشاطات الاستكشاف النفطي خلال أغلب عقد التسعينات. إذ تحولت الشركات العالمية عنها، هرباً من الشروط العقدية الصعبة، نحو المناطق التي كانت في الفلك السوفياتي. ولم تعد هذه النشاطات الاستكشافية إلا مؤخراً، وعبر شركات استكشاف صغيرة، دون أن تؤدي إلى الآن إلى اكتشافات منتجة نوعية.

من ناحية أخرى، ازداد الاستهلاك السوري من المنتجات النفطية مقلصاً الفارق المتاح للتصدير. بالإضافة إلى ذلك، بقيت استطاعة المصافي السورية ضعيفة وقديمة ولم تحصل استثمارات خاصة في هذا المجال مع أنه سمح بذلك منذ منتصف التسعينات. وهكذا أصبحت سورية تستورد جزءاً أساسياً من حاجاتها من المنتوجات النفطية. تبيعها الدولة بعد ذلك بأسعار مدعومة أقل بأضعاف من أسعارها في البلدان المجاورة. هذه السياسة التسعيرية قد “زادت الطين بلة” فزادت من الاستهلاك وخاصة أدت إلى تهريب كميات ضخمة نحو البلدان المجاورة (لبنان، وتركيا والأردن، …). وهكذا تستورد سورية كميات كبيرة من المواد النفطية، بلغت قيمتها عام 2004 للمازوت وحده حوالي مليار دولار.

وقامت الإدارة مؤخراً بزيادة أسعار الفيول. ولكن المعضلة ما زالت كاملة نسبة للمازوت، الذي يدخل في كثير من مكونات مؤشر الأسعار في سورية. ويباع المازوت بثلث أسعاره في لبنان في حين يدخل في كلفة تدفئة المنازل وفي عوامل كلفة بعض المنتجات الزراعية وحتى الصناعية. وقد قدم حديثاً اقتراح إلى مجلس الوزراء برفع سعر المازوت. رفض في النهاية خوفاً من “انفجار” اجتماعي. من ناحية أخرى، يجب على “جماعات المصالح” التي تنظم تهريب الكميات الكبيرة أن تتحول إلى نشاطات أخرى لها ريع بنفس الأهمية.

ويزيد تأخر المشاريع الغازية من هذه المعضلة. فقد تم تحويل معظم محطات الطاقة الكهربائية السورية كي تعمل على الغاز، لتوفير النفط للتصدير. وقد تم تنفيذ مشاريع استثمار الغاز المرافق لنفط دير الزور ولكن ببطء أكثر من المتوقع. الأهم من ذلك هو استثمار حقول الغاز الحر لمنطقة تدمر وهي الأغنى والذي لم يتم الشروع به إلى الآن. وكان من المفترض أوائل التسعينات أن تستثمره الشركة الحكومية، ثم حول ذلك في منتصف الثمانينات إلى مجموعة مشتركة فرنسية-أمريكية، ثم مجدداً للشركة الحكومية أواخر التسعينات، ثم طرح لمناقصة دولية أدت إلى معضلة اقتصادية-سياسية عام 2004. إذ أعلن فوز مجموعة إنكليزية-كندية-أمريكية يقودها رجال أعمال سوريين مقيمين ومغتربين في هذه المناقصة متقدمة على شركة توتال الفرنسية التي يقال أنها تعتمد على دعم مباشر من الرئيس الفرنسي شيراك لكي تفوز بأسعار أشيع أنها أعلى. وفي مناخ العقوبات الأمريكية طلبت الإدارة السورية من المجموعة الفائزة أن تقدم ضمانات سياسية ومادية كبيرة جداً، لم تأتي. وأحيل الموضوع أخيراً للاستثمار من قبل الشركة الحكومية. 15 سنة على الأقل ضاعوا عن ما خطط إليه … وكذلك كميات من النفط ضاعت في الاستهلاك المحلي بدل أن تصدر!

بدأت بعض المصارف الخاصة في العمل في سورية ولكن هل لوجود هذه المصارف فاعلية؟

افتتحت ثلاثة مصارف خاصة أبوابها عام 2004. وهي الآن تطلق برامج تطوير لافتتاح فروع لها في مختلف المدن السورية. كما حصل مصرفين آخرين على رخصة: البنك العربي وبنك عودة، يتحضران لإطلاق مشاريع طموحة منذ أول سنة افتتاح. يشجعهم على ذلك النجاح الذي حققته المصارف الثلاثة الأولى. ولكن لم يمنح أي ترخيص لمصرف دولي كبير. وكذلك لم تبت الإدارة بطلبات المصارف الإسلامية التي قدمتها مصارف خليجية.

المصارف الجدية حققت نجاحات ملحوظة، تختلف حسب المواقع التي اختارتها لفروعها وحسب جودة الخدمات التي تقدمها. وقد حصلت على أحجام كبيرة من الودائع (بما فيها ودائع كبيرة بالقطع الأجنبي) وقد بدأت تلعب دوراً في تمويل التجارة الخارجية للقطاع الخاص (خاصة مع العقوبات الأمريكية على التجاري السوري). ولكن الأمور أشد بطئاً لناحية التوظيفات. فهناك كثير من العوائق لتطور التسليفات: البيروقراطية وكلفة الضمانات العقارية، مناخ الاستثمار الذي ما زال مضطرباً، قلة المشاريع الموضوع في معايير محاسبية وصناعية عالمية، غياب سوق التسليف بين المصارف وعدم تكييف إجراءات المصرف المركزي (الذي أنزل معدلات الفائدة فجأة سنة 2004 إلى النصف !)، الخ. كما يراود بعض المصرفيين الجدد أفكار مشابهة للمنظومة اللبنانية تدفع المصرف المركزي لإصدار سندات خزينة تكتتب عليها المصارف بكميات كبيرة.

ولكن نظراً لحجم القطاع الاقتصادي والنقدي في سورية، سيبقى حجم هذه المصارف متواضعاً لبضع سنين لازمة لتطور أعمالهم وفروعهم. ولن يأتي دورها فاعلاً إلا إذا تمت إعادة هيكلة المصارف الحكومية في العمق.

التطور الرئيسي في هذا المجال أتى أوائل عام 2005 مع حل مشكلة ديون الاتحاد السوفياتي السابق. وفي الحقيقة لم يتسن لي دراسة الشروط التي تم فيها هذا الحل، ولكن هكذا وأخيراً ستظهر أرقام الدين العام السوري الداخلي والخارجي أخيراً ضئيلة مما سيمنح الفرصة للقيام بمشروع إصلاحي طموح.

ما الآثار التي تنتظرونها من توقيع اتفاق الشراكة مع أوروبا؟ ومن خلق منطقة التجارة الحرة العربية؟

لقد دفعت العقوبات الأمريكية سورية للإسراع بإنجاز المفاوضات والوصول أواخر 2004 إلى توقيع اتفاق الشراكة والذي سيدخل حيز التنفيذ منذ 2005 قبل أن ينتظر تصديق مختلف البرلمانات الأوروبية الذي سيأخذ طويلاً. وإذا لم تأتي أية عوائق أوروبية لتوقيف هذا التنفيذ ستصبح سورية آخر دولة متوسطية تدخل الشراكة وفق برشلونة. وسيحسن حتماً اتفاق الشراكة هذا الصادرات الأوروبية نحو سورية والتي انخفضت نسبتها من 50% من مجمل الصادرات إلى سورية إلى أقل من 20% في 2003. إذ ذهب المستوردون السوريون إلى المنتجات الأسيوية الأقل كلفة. ولمساعدة هذا نص اتفاق الشراكة على خفض كبير للرسوم على المنتجات الأوروبية منذ السنين الأولى للتنفيذ. وسيصبح سعر سيارة المرسيدس في سورية نظرياً أرخص من السيارة الكورية!

أما الصناعيون السوريون الذي اعتادوا أن تدعمهم وتحميهم الدولة فسيخضعون إلى منافسة شديدة. وهم يرون الخطر المحدق بهم، خاصة أن الإدارة السورية لا تملك الوسائل لتكافح سياسات “الإغراق” من المنافسين حسب إجراءات اتفاقية الغات كما فرض في الاتفاقية. ولكن هناك فرصة حقيقية مفتوحة في السنين الأولى من الاتفاقية، إذ أن الرسوم على مستلزمات الإنتاج والتجهيزات الرأسمالية ستنخفض بسرعة أكبر بكثير من المواد الاستهلاكية. ويجب التساؤل هنا عن قدرة الاقتصاد السوري من الاستفادة من الفرص والنوافذ الممنوحة، صناعية كانت أم زراعية، لزيادة صادراتها إلى أوروبا، خاصة بوجود سعر صرف عالي لليورو واستقرار سعر صرف الليرة السورية الوسطي على الدولار.

الآثار الأكثر إيجابية يجب انتظارها من حقوق التأسيس ومن متطلبات الشفافية على العقود الحكومية. فهي قد تساعد في صيرورة تحرير التجارة الداخلية والخدمات في البلاد، بعد أن ظلت إلى الآن محظورة على “سعيدي الحظ” المرتبطين “بجماعات المصالح”.

أما منطقة التجارة الحرة العربية فستكون كاملة التنفيذ مع بداية 2005. وستفعل من صادرات سورية الزراعية نحو الخليج التي هي أصلاً كبيرة. ولكن في بعض القطاعات، هناك صناعات سورية ستواجه مشكلة أمام منافساتها من بلدان الخليج، التي تستفيد من مناخ استثماري أفضل ومن أسعار طاقة ضئيلة جداً.

أجرت المقابلة سيبيل رزق ونشرت في صحيفة L’Orient le Jour الاثنين 31/1/2005
//جريدة الرأي الالكترونية//

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 6 + 10 ؟
Please leave these two fields as-is: