وجه جديد لسياسة الاحتواء

ديفيد اغناتيوس: الشرق الاوسط 30/1/2007

رسمت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس هذا الأسبوع، إطارا على أساس ما تعتبره مجموعة دول تريد احتواء إيران والجهات المتطرفة التي تعمل لها بالوكالة.
وفي لقاء اجري معها يوم الثلاثاء، لخصت كوندوليزا رايس الاستراتيجية الجديدة التي بدأت تتشكل ملامحها خلال عدة شهور سابقة. وعلى الرغم من أن معلقين ألقوا الضوء على الكثير من عناصر هذه الاستراتيجية، مثل غاري سيك الأستاذ بجامعة كولمبيا، فإن تعليقات كوندوليزا كانت بمثابة توضيح عام مفصل للمساعي الاميركية الجديدة، لتشكيل تحالف أمر واقع بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة في مواجهة التطرف الإيراني.
كوندوليزا رايس قالت من جانبها أن منهج واشنطن الجديد تجاه هذه القضية يعكس القلق العربي المتزايد إزاء محاولات إيران لفرض قوتها وسلطتها عبر الجهات التي تعمل لها بالوكالة، وقالت في هذا السياق: «بدأ يتضح في الشرق الأوسط عقب الحرب في لبنان، وجود حلف متطرف مع إيران يتضمن سوريا وحزب الله وحركة حماس. هناك أيضا الأهداف التي يتهددها خطر هذا التطرف، اللبنانيون والعراقيون والفلسطينيون، والأطراف التي تريد أن تقاوم هذا التوجه، مثل السعودية ومصر والأردن».
محاولة الولايات المتحدة الأخيرة للتلويح بالقوة ضد إيران، اعتقال عناصر إيرانية في العراق، وإرسال سفن حربية إضافية إلى الخليج، جاءت ضمن هذه الجهود الواسعة لطمأنة دول بالمنطقة، على أن واشنطن ستظل حليفا موثوقا به في مواجهة إيران على الرغم من الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق. رايس نفسها قالت لي انه يتعين على الولايات المتحدة أن تظهر من جانبها أنها «موجودة في الخليج وستظل موجودة فيه».
مجموعة الدول التي تحدثت قالت إن كوندوليزا رايس تريد احتواء إيران والقوى التي تعمل لصالحها بالوكالة ترتبط بالمساعي الاميركية الجديدة الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك بتشجيع كليهما على استكشاف «القضايا ذات الصلة بالوضع النهائي»، مثل الحدود ووضع القدس وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، بدلا عن الاستمرار في حالة الجمود في إطار خطة خارطة الطريق.
المساعي الرامية إلى احتواء الضغوط اتخذت بعدا جديدا هذا الأسبوع في الوقت الذي أدت فيه حملة حزب الله ضد حكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى حدوث أعمال عنف خلفت عددا من القتلى والجرحى. وكانت الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية قد رتبت على عجل مشروع إنقاذ مالي بقيمة 7.6 مليار دولار للسنيورة، إلا أن ذلك لم ينجح في اجتثاث التوتر الطائفي المتزايد في لبنان بين المسلمين السنّة، الذين يؤيدون حكومة السنيورة، ومؤيدي حزب الله الشيعة.
ويرى معارضون أن استراتيجية احتواء إيران، من جانب الولايات المتحدة ومجموعة الدول التي تحدثت عنها كوندوليزا رايس، لا تعدو أن تكون محاولة أخرى عالية المخاطر من جانب إدارة بوش في منطقة تعاني أصلا من حالة استقطاب حاد بسبب حرب العراق والنزاع الطائفي.
والى ذلك حذر مسؤول رفيع ومطلع من أن بعض العرب سينظر إلى هذا الأمر بعين التشكيك، ويرى أيضا أن تعميق الخلافات بين المسلمين السنّة والشيعة خطأ فادح. إلا أن مسؤولي وزارة الخارجية الاميركية سيردون من جانبهم على هذه النقطة بحج أن ناتجها هو أن إيران هي التي تعمل على تعميق هذه الخلافات من خلال تشجيع السلوك الاستفزازي لحزب الله في لبنان.
ويمكن القول هنا أن تفكير إدارة بوش في حث بعض دول المنطقة للمساعدة في احتواء إيران، يوضح السبب وراء رفض واشنطن فكرة إجراء محادثات مع طهران ودمشق، وفق ما جاء في توصيات لجنة «بيكر ـ هاميلتون».
كوندوليزا رايس ترى من ناحيتها أن ثمة تحالفا وسط دول المنطقة، وتقول أيضا إن هذا التحالف بلورته الحرب في لبنان ولا يمكن تركه بهذا البساطة، وإذا انصب التركيز، كما تقول، على إجراء محادثات مع كل من سوريا وإيران، فإن هناك احتمالا لخسارة تشكيل محور يضم الدول ذات المصلحة في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفيما يتعلق بسوريا قالت كوندوليزا رايس إن إدارة بوش تسعى إلى تغيير في السياسات بدلا عن تغيير النظام. وردا على سؤال حول تصريح أدلى به وزير الخارجية السوري وليد المعلم في لقاء أجريته معه الشهر الماضي، عرض خلاله تقديم سوريا للمساعدة اللازمة للولايات المتحدة لبسط الأمن في العراق، قالت كوندوليزا رايس: «إذا أراد السوريون استتباب الأمن في العراق، لماذا لا يفعلون ذلك؟»
أما فيما يتعلق بمصلحة إسرائيل في استكشاف المبادرة السورية، أشارت رايس إلى أحاديث الجانبين السوري والإسرائيلي في الآونة الأخيرة، وأضافت في ذات السياق أن الجانب الإسرائيلي إذا توصل إلى أن هناك جانبا مهما، فإنه سيواصل جهوده فيه.
ثمة مراقبون يرون أن موقف الإدارة الاميركية المتشدد تجاه إيران، أدى مسبقا إلى بعض النتائج. إذ أن الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد قد دخل في مشكلة فيما يبدو مع رجال الدين في مؤسسة الحكم، بسبب أحاديثه المتهورة التي أدت إلى إثارة استياء مسلمين آخرين. ومع ذلك فالنفوذ الأقوى ضد إيران، يتمثل فيما يبدو في الائتلاف الدبلوماسي الغربي الموحد. وترى كوندوليزا رايس ان قرار مجلس الأمن القاضي بـ«إدانة المشروع النووي الإيراني وتطبيق عقوبات غير متشددة ضدها»، كان أكثر تأثيرا مما كانت تتصور، على حد قولها.
أثارت استراتيجية مجموعة من الدول لاحتواء إيران كثيرا من الأسئلة بقدر ما قدمت بعض الإجابات. ومن ضمن هذه التساؤلات مسألة تأييد المقاومة السنيّة تجاه إيران في نفس الوقت الذي تقدم فيه الولايات المتحدة دعمها للحكومة العراقية ذات الغالبية الشيعية. ولكن كما هو الحال في أي استراتيجية، فإن فكرة كوندوليزا رايس الخاصة بمحورة الدول لاحتواء إيران، له جانب ايجابي يتمثل في تشكيله لقاعدة نقاش وحوار وتفكير متأن حول منطقة تجلس على حافة بركان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 9 + 5 ؟
Please leave these two fields as-is: