أيها الحكام العرب.. خذوا الحكمة من موريتانيا

فلاش مارس 29, 2010 No Comments

د.سعد الدين إبراهيم
المصري اليوم 10 مارس 2007

في بداية العام الماضي طلبت مني مجلة نيوزويك «Newsweek» الأمريكية مقالاً، لعددها الخاص كل عام، والذي كان موضوعه «القيادة في العالم»، وطلبت المجلة الشهيرة نفس الشيء من تسعة كتاب آخرين، وكان دوري أن أقوم بإطلالة خاصة عن القيادة في العالم العربي، وبعد القيام بمسح للأحوال في اثنين وعشرين بلداً عربياً، خلصت إلي الحقائق التالية:

.. تقدم أعمار القيادات العربية، فقد كان المتوسط العمري هو ٦٨ سنة، بينما كان المتوسط العالمي هو ٥٠ سنة. أي أن القيادات العربية كانت الأكثر شيخوخة، بينما هم يتربعون علي السلطة في بلدان معظم سكانها من الأطفال والشباب ـ حيث إن من هم دون عمر ٣٥ سنة (وهو الحد الأقصي لمن تطلق عليهم منظمات الأمم المتحدة مصطلح شاب ـ وهم ما بين ١٥ و٣٥)، وتبلغ نسبتهم ٧٥ في المائة ـ أي ثلاثة أرباع السكان، ويقول عالم الاجتماع الفرنسي «فليب فارج» إن هذه الهوة العميقة قد خلقت «قطيعة نفسية» بين الأجيال العربية، أو بمعني أدق بين الآباء والأبناء، وبشكل أعمق بين الأجيال الشبابية العربية والقيادات السياسية.

.. طول البقاء في السلطة، فقد كان متوسط عدد السنوات التي قضاها الرؤساء العرب في قمة السلطة هو عشرين عاماً، بينما كان المتوسط العالمي في نهاية ٢٠٠٥ هو عشر سنوات. أي أن القادة العرب يمكثون في السلطة ضعف أقرانهم في معظم بلدان العالم الأخري، بل إن حرص الآخرين من غير العرب، علي الإحلال والإبدال في القيادة جعلهم يضعون حدوداً زمنية قصوي لمدة البقاء في أي موقع قيادي تنفيذي، لا يتجاوز ثماني سنوات في أمريكا وروسيا، ففي هذين البلدين تم ضبط هذا الحد الأقصي، بمدتين رئاسيتين (كل منهما أربع سنوات)، وفي المكسيك، ومعظم دول أمريكا اللاتينية، فإن الرئاسة لفترة واحدة، ومدتها ست سنوات.

.. الانقلابات، وليس الانتخابات، هي الأداة للسلطة، فمعظم القيادات العربية جاءت إلي مواقعها بالطريق الانقلابي، أي اغتصاب السلطة، وحتي حينما تحاول هذه القيادة، إضفاء قشرة من الشرعية علي هذا الوضع من خلال الانتخابات أو الاستفتاءات، فإن هذه الأخيرة تأتي في معظمها صورية أو يتم تزويرها أو تلفيقها، وقد كانت البلاد العربية سبّاقة في ممارسة الثلاث تسعات (٩٩.٩) كنتيجة لانتخابات الرؤساء العرب، ولأن صدام حسين، كان قد مل ممارسة الثلاث تسعات، فقد استحدث في آخر انتخابات لفقها عام ٢٠٠٢ الحصول علي ١٠٠% من الأصوات، وهو ما جعل العرب مضحكة للعالم.

.. تصلب شرايين القيادات العربية، نتيجة الخصائص الثلاث المذكورة أعلاه، فإن القيادات العربية في معظمها تعاني من حزمة أمراض، ولكن أخطرها هو تيبس أو تصلب الشرايين، أي تلك التي تضخ الدماء والأوكسجين إلي العقل، هذا فضلاً عن أن معظم هذه القيادات أصبحت معتلة في صحتها العامة، وغير قادرة علي أداء حتي أبسط المهام التي تتطلب أدني لياقة بدنية.

إن هذا المشهد الكئيب، جعل الوطن العربي يبدو في عام ٢٠٠٥، وكأنه «رجل العالم المريض»، مثلما كانت الإمبراطورية العثمانية طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تسمي «رجل أوروبا المريض»، ومع ذلك لاحظنا ونوّهنا في مقالنا المذكور في «النيوزويك» إلي أن أطراف الوطن العربي تتحرك، وتبدي حيوية لا تتوافر لقلب هذا الوطن، فبينما كانت دوله المركزية الكبيرة ـ مصر، وسوريا، والسعودية، والسودان ـ فاقدة للوعي في ظل أنظمتها الاستبدادية، كانت البلدان العربية الأصغر علي الأطراف الجغرافية للعالم العربي تظهر حيوية سياسية ملموسة، ونقصد بالأطراف بلداناً صغيرة في أقصي الشرق العربي ـ مثل دبي وقطر والبحرين والكويت ـ أو في أقصي الغرب ـ مثل موريتانيا والمغرب، ففي العقد الأخير شهدت هذه البلدان حركة دائبة نحو التحول الديمقراطي، فالبلدان الملكية منها في الخليج مثلاً، تحولت أو تتحول إلي ملكيات دستورية، كالكويت والبحرين وقطر، وسلطنة عُمان، والإمارات العربية المتحدة، أما في الحافة الغربية للوطن العربي، فإن المغرب سبقت الجميع في تطورها كملكية دستورية، ولكن الأكثر إثارة ومدعاة للإعجاب، فهو ما يحدث في موريتانيا في العامين الأخيرين، وخاصة هذا الأسبوع.

وربما لا يعرف الكثيرون عن هذا البلد إلا النزر اليسير، فإلي جانب موقعها في أقصي الحافة الغربية للوطن العربي، علي المحيط الأطلنطي، فإنها من أفقر بلدانه، فرغم مساحتها الشاسعة (حوالي نصف مليون كم٢)، فإنها في معظمها صحراء قاحلة، تتخللها عدة واحات، وتعتمد علي زراعات مطرية محدودة علي سواحلها الأطلنطية، ويعمل معظم سكانها الذين بلغ عددهم أقل من ٤ ملايين رعاة للإبل والأغنام.

ورغم أن الإسلام دخل تلك البلاد من شمالها في المغرب منذ القرن الثامن الميلادي، فإن تعريبها كان أبطأ بكثير، ومازال مستمراً، ففي كل مناطق التماس الجغرافي والحضاري يكون الاختلاط الثقافي واللغوي بطيئاً، وفي حالة موريتانيا، كانت جاذبية الداخل الصحراوي ضئيلة أو معدومة بالنسبة للقبائل العربية الوافدة من الشمال والشرق، والذين كانوا أساساً من بني هلال وبني سليم، خلال الحكم الفاطمي، وهم لم يتزاوجوا إلا مع القبائل البربرية، من ذوي البشرة البيضاء والسوداء من صنهاجة، وظل تزاوجهم من القبائل الأفريقية الزنجية، ذوي البشرة السوداء عبر نهر السنغال، محدوداً، ومع ذلك ما إن أتي القرن السابع عشر، حتي أصبحت الثقافة العربية الإسلامية هي الغالبة، في هذه البلاد التي ظلت إلي ذلك الوقت تُعرف باسم بلاد «شنقيط»، وظهرت فيها أسرة حاكمة من بني حسان (أحد فروع قبائل بني عقيل) بسطت نفوذها إلي جنوب نهر السنغال، حتي أصبحت لغتهم تُعرف باسم «الحسانية»، وإن كانت خليطاً من العربية واللهجات الإمازيغية، أما الأوروبيون فقد أطلقوا علي بلاد «شنقيط» هذه اسم «بلاد المور»، كأنهم امتداد للعرب الأندلسيين، ومنها جاء الاسم الحالي، وهو موريتانيا، وقد غزا الفرنسيون بلاد «شنقيط» من الجنوب، حيث كانوا قد استعمروا السنغال، وأرادوا التواصل الجغرافي مع مستعمراتهم في المغرب والجزائر.

ورغم جلاء الفرنسيين واستقلال موريتانيا عام ١٩٦٠، فإنها لم تدخل عضواً في جامعة الدول العربية، شأنها شأن الصومال، إلا بعد حرب أكتوبر عام ١٩٧٣. ومثلها مثل بقية البلاد العربية والأفريقية المجاورة، شهدت موريتانيا سلسلة من «الانقلابات العسكرية»، كان آخرها قبل سنتين، بقيادة العقيد حمد ولد فال، غير مجموعة من صغار الضباط، الذين كونوا فيما بينهم «مجلساً عسكرياً حاكما»، ولكنهم بعكس الانقلابات السابقة، أعلنوا وتعهدوا أن ينتقلوا ببلدهم موريتانيا إلي حكم ديمقراطي حقيقي، من خلال انتخابات نزيهة، تحت مراقبة دولية. أكثر من ذلك، أعلنوا وتعهدوا ألا يخوض أي من أعضاء المجلس العسكري الحاكم الانتخابات علي أي مستوي (محلي، أو نيابي، أو رئاسي)، كما أنهم لم يخلعوا الزي العسكري ويرتدوا الزي المدني للتمويه، ودخول السياسة من أبواب خلفية أو جانبية.

والجدير بالذكر والتنويه والإعجاب هو أن العقيد حمد ولد فال قد أوفي بتعهده للشعب الموريتاني والعرب والعالم، فقد رفض بإصرار قاطع أن يرشح نفسه لأي منصب، وحذا حذوه بقية أعضاء المجلس العسكري الحاكم، وقد شهدت موريتانيا بالفعل ثلاث حالات انتخابية متتالية في الشهور الأخيرة ـ بلدية (محلية) ونيابية، ثم رئاسية، مع ظهور هذا المقال (١٠/٣/٢٠٠٧)، وهرع مراقبون دوليون، من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمات حقوقية أخري إلي «نواكشوط»، العاصمة الموريتانية، لمراقبة تلك التجربة النادرة عربياً، فهذه هي المرة الثانية فقط، في التاريخ العربي الحديث التي يعد فيها عسكريون انقلابيون بالتخلي طواعية عن الحكم لحكومة مدنية، يتم انتخابها ديمقراطياً، أما المرة الأولي والتي ظلت يتيمة إلي تاريخه، فقد كانت في السودان، حين فعل الشيء نفسه رجل عسكري نبيل هو الفريق عبدالرحمن سوار الذهب، الذي قاد انقلاباً علي مستبد سوداني سابق هو جعفر النميري، عام ١٩٨٥، وتعهد ألا يبقي في السلطة إلا عاماً واحداً، يجري خلاله انتخابات حرة نزيهة، يسلم البلاد بعدها إلي حكومة مدنية، منتخبة ديمقراطياً.

وهو ما فعله في الوقت واليوم المحدد تماماً ـ حيث ترك القصر الجمهوري عام ١٩٨٦، ودخل قلوب السودانيين والعرب والأفارقة، كنموذج للشرف والإباء، وها هو نموذج ثان من موريتانيا، وهو العقيد حمد ولد فال وزملاؤه، فسلام عليهم وتحية إكبار وإجلال لهم، ودعواتنا أن يبارك الله في موريتانيا، وألا تنتكس تجربتها العظيمة، كما انتكس السودان الشقيق، وحبذا لو أخذ بقية العرب الحكمة هذه المرة من موريتانيا.

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 2 + 5 ؟
Please leave these two fields as-is: