تقلبات واشنطن حيال المشروع الديموقراطي في العالم العربي

فلاش مارس 29, 2010 No Comments

 بقلم: عمرو حمزاوي
الحياة – 28 مارس 2007

ثمة مفارقة مهمة تبدو اليوم في نقاشات العاصمة الأميركية حول مستقبل دعم الديموقراطية في العالم العربي. ففي حين تتخلى إدارة الرئيس بوش تدريجياً عن خطابها العلني وسياستها المؤيدة للتحول الديموقراطي ونشر الحريات وحقوق الإنسان عربياً، يبدو الحزب الديموقراطي والرأي العام في الولايات المتحدة أكثر اهتماماً بتلك القضايا وأشد اقتناعاً بإمكانات الدور الأميركي الإيجابي. استخدمت الإدارة الجمهورية مقولة الديموقراطية كخطاب تبريري في سياق حربها على الإرهاب ودمجها لمبدأ الحروب الاستباقية في عقيدة الأمن القومي الأميركية بحيث ربطت من جهة بين مواجهة «الراديكالية الإسلاموية» وبين نشر الحريات وتشجيع بناء مؤسسات تعددية في الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة ومن جهة أخرى بين تغيير انظمة الحكم «المارقة» بالقوة العسكرية وبين إعادة التأطير الشامل لعلاقة الدولة بالمجتمع على أسس ديموقراطية ومدنية.

انتهى الحصاد الفعلي لسياسة بوش تجاه العالم العربي الى خسارة مقولة الديموقراطية المصدرة اميركياً فاعليتها ومصداقيتها. حصل ذلك بينما كانت نتائج تلك السياسة تراوح بين كارثة انهيار الدولة والصعود المتنامي لقوى الطائفية والعنف في العراق وبين عدم تغير طبيعة الإدارة السلطوية للمجتمعات العربية. وتحتم بالنتيجة استبدال مقولة الديموقراطية لتبرير استمرار المغامرة العراقية والحرب على الإرهاب بمقولات كلاسيكية – واقعية جلها يدور حول حماية مصالح القوة العظمى ونقل الصراع مع أعدائها إلى مواقع متقدمة. إلا أن الأمر لم يقتصر على تغير الخطاب العلني للإدارة الأميركية، بل اتسع ليشمل التنازل العملي عن دعم الديموقراطية عربياً على وقع تصاعد قوة الحركات والأحزاب الإسلامية – خاصة بعد فوز «حماس» – وحاجة الولايات المتحدة إلى حلفائها العرب لمجابهة تحدي تنامي الوزن الإقليمي لإيران ومشروعها البديل وشبح دخول منطقة الشرق الأوسط في صراعات متوالية.

وعلى رغم أن إدارة بوش كانت قد جوبهت حينما لجأت إلى مقولة الديموقراطية لتبرير سياستها بسيل من الانتقادات اللاذعة من جانب الحزب الديموقراطي والعديد من الجهات الإعلامية ومراكز البحث الليبرالية القريبة منه والمؤثرة في الرأي العام الأميركي، إلا أن هؤلاء عادوا الآن ليعنفوا الجمهوريين أولاً على تخليهم عن المبادئ والقيم الحاكمة لدور واشنطن العالمي والضابطة لهويته الأخلاقية وليتهموهم ثانياً بالعودة إلى أسوأ ما في السياسة الأميركية تجاه العالم العربي قبل 11 سبتمبر 2001. والحقيقة أن خلفيات تبدل مواقف الديموقراطيين ودوائرهم تتجاوز اختزالية الطرح النفعي المستند إلى ضمان القبول الشعبي لأية مجموعة من الانتقادات توجه إلى رئيس مكروه وإدارة مأزومة مفتقدة للمصداقية، لتلقي بإضاءات مهمة على مصير أجندة الديموقراطية والتنازع على مضامينها في الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي.

فقد تأسس رفض الحزب الديموقراطي للخطاب الجمهوري الرابط بين الحرب على الإرهاب والحروب الاستباقية وبين نشر الحريات وحماية حقوق الإنسان في العالم العربي ليس على ادعاء الفساد الذاتي لمقولة الديموقراطية العربية بل على الدفع بأن دعم الديموقراطية هو عملية تدرجية تعتمد أدوات سلمية حكومية وغير حكومية تتناقض جوهرياً مع خيار القوة العسكرية ومنطق التدخل الخارجي القسري. لم يعدم نقد الديموقراطيين لبوش خلال السنوات الماضية إحالات متواترة إلى مواقف ادارة كارتر المبدئية بالنسبة الى قضايا حقوق الإنسان لأول مرة على أجندة الدبلوماسية الأميركية، وإلى نجاحات كلينتون في دعم الديموقراطيات الناشئة في أوروبا الوسطى والشرقية بعد انهيار الكتلة الاشتراكية من خلال صياغة نظام ذكي يربط الحوافز الاقتصادية والأمنية بشرط سياسي جوهره تداول السلطة وحكم القانون. ومع أن أصوات الديموقراطيين تعالت في الآونة الأخيرة مطالبةً بتركيز الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط على البحث عن مخرج من المستنقع العراقي واحتواء إيران وحل الصراعات الإقليمية بتغيير السلوك الخارجي للنظم الحاكمة (كما تجلى بوضوح شديد في تقرير بيكر – هاميلتون)، إلا أن كثيرين في الحزب الديموقراطي يرون اليوم في تراجع إدارة بوش الخطابي والفعلي عن مقولة الديموقراطية فرصة ذهبية لاستعادتها من مختطفيها الجمهوريين والمحافظين الجدد ودمجها من جديد في رؤية الحزب الديموقراطي لسياسة واشنطن الخارجية.

تتبدى إرهاصات تغير موقف الديموقراطيين على مستويين رئيسيين. فمن جهة شرعت الأغلبية الديموقراطية في لجان السياسة الخارجية والاعتمادات المالية في مجلسي النواب والشيوخ في دراسة واقع حقوق الإنسان والحريات السياسية والمدنية في عدد من الدول العربية، بخاصة تلك التي تتلقى مساعدات اقتصادية وعسكرية من الولايات المتحدة كمصر والأردن واليمن، مع التركيز على حتمية الإلحاق التدريجي للمساعدات بشروط الإصلاح السياسي. من جهة أخرى، ركز مرشحو الحزب الديموقراطي لسباق الانتخابات الرئاسية لسنة 2008 في الآونة الأخيرة وبصورة تسترعي الانتباه على صياغة تصورات متماسكة حول أجندة دعم الديموقراطية في الخارج وتحديداً في العالم العربي – الإسلامي. بل انتقلت عدوى ولع الحزب الديموقراطي بقضايا حقوق الإنسان والحريات إلى الصحافة ومراكز الأبحاث الليبرالية. ففي حين توالت خلال الأسابيع القليلة الماضية الانتقادات اللاذعة في افتتاحيات صحيفتي «واشنطن بوست» و «نيويورك تايمز» لإدارة بوش على خلفية تراجعها عن دعم الديموقراطية في مصر وغيرها من الدول العربية، نشر عدد من مراكز الأبحاث كمركز التقدم الأميركي ومؤسسة كارنيغي للسلام العالمي دراسات معمقة حول معضلات التحول الديموقراطي في العالم العربي وفرص إدارة رئاسية ديموقراطية في التعامل البناء معها.

بيد أن محاولات الحزب الديموقراطي استعادة أجندة دعم الديموقراطية من الجمهوريين إنما تتأطر في سياق مؤسساتي أوسع وأهم يطال بيروقراطية النظام السياسي الأميركي ويضفي على نقاشات اللحظة الراهنة أهمية كبرى. فعلى خلاف المتداول إعلامياً في الولايات المتحدة وخارجها، لم تنقلب الجهات السيادية المؤثرة في صياغة السياسة الأميركية تجاه العالم العربي، أي وزارات الخارجية والدفاع ووكالات الاستخبارات المختلفة، على مقولة الديموقراطية العربية أو تطلق أوهامها المراوغة طلقة بائنة بعد سيطرة الطائفية والمذهبية على العراق ونجاحات الإسلاميين الانتخابية في فلسطين ومصر، بل هي اليوم تعيد النظر في تراتبية مصالح الدولة العظمى الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وموقع دعم الديموقراطية عربياً من هذه المصالح وكلفته المحتملة في السنوات القادمة.

في هذا الإطار تتمثل نقاط البدء الجوهرية للمراجعات الحكومية الجارية في فك الارتباط بين الديموقراطية واستخدام القوة العسكرية لتغيير النظم الحاكمة وفي تطوير العلاقة السببية البسيطة التي أنتجتها إدارة بوش بعد 11 سبتمبر 2001 وربطت بمقتضاها بين غياب الحريات السياسية في العالم العربي – الإسلامي وانتشار الإرهاب بالدمج بين عنصري غياب العدالة عن المشهد الإقليمي وغياب حد أدنى من المساواة الاقتصادية – الاجتماعية، على نحو يزيد من أهمية المقاربة الديبلوماسية إقليمياً ودعم التوجهات الإصلاحية التدريجية داخلياً ويقاوم اختزال دور الولايات المتحدة في مغامرات عسكرية ومعالجات محض أمنية. المثير هنا هو أن النزوع النقدي للجهات السيادية الأميركية لا يتمحور حول إسهام بيروقراطية وزارة الخارجية وهي من اضطلع بهذا الدور في لحظات سابقة، بل يكتسب زخمه بالأساس في أروقة وزارة الدفاع والأجهزة التابعة لها. تتنوع العوامل المفسرة لذلك من تداعيات صدمة الفشل في العراق مروراً بنشوة رحيل رامسفيلد ومساحات الحرية الإستراتيجية المتاحة مع الوزير الجديد غيتس وانتهاءاً بحقيقة التمدد غير المسبوق لصلاحيات البنتاغون المتعلقة بصناعة السياسة الخارجية في ظل إدارة بوش، إلا أن الأمر الحاسم هو الحيوية غير التقليدية لوزارة الدفاع في اللحظة الراهنة.

بغض النظر عن قناعات وقراءات الحكومات والمعارضات في عالمنا، لن تختفي الأجندة الأميركية لدعم الديموقراطية عربياً مع رحيل إدارة بوش ومجيء وافد جديد إلى البيت الأبيض في نهاية 2008، تماماً كما لن تغيب حقائق الهيمنة والسيطرة وممارسة القوة. بل ربما عادت الديموقراطية لتصبح أحد مكونات واجهة سياسة واشنطن في منطقة الشرق الأوسط مع إدارة جديدة تحررها من اختزالية ومغامراتية بوش وتحدد بعقلانية مؤسساتية موقعها في تراتبية المصالح الأميركية.

(*) باحث مصري في مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي – واشنطن

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 8 + 7 ؟
Please leave these two fields as-is: