مافيـش حاجــة مـا بتنبـاعــش

 

بقلم: سعاد جروس الكفاح العربي 12/5/2007
بدت «شرم الشيخ» من نافذة الطائرة, أشبه بحبات من البوشار الأبيض «فرقعت» تحت وطأة الحر الشديد وسط جبال صخرية عارية في مناطق صحراوية شاسعة لا اثر فيها للخضرة والماء. حطت الطائرة على الأرض وكان في استقبالنا مجموعة من كبار المسؤولين عن الملاحة الجوية في مطار امتدت قاعاته على مساحات واسعة وارتفعت جدرانه لتشكل فضاءات رحبة شغلت بهندسة فنية رفيعة, تسترخي بين جنباتها نسائم المكيفات الباردة, لتشكل واحة ظليلة تبدد القيظ الشديد في تلك البقعة من جنوب سيناء.
رحب بنا المسؤولون فظننا بداية أن اهتمامهم جزء من تقاليد سياحية يسعون لتكريسها, وسرعان ما تبين أن اهتمامهم ليس للسياحة ولا لوجودنا برفقة أي من نجوم مؤتمر وزراء الخارجية العرب, وإنما لأن الطائرة التي أقلتنا كانت أول طائرة تحط في المطار الجديد. وبالمقارنة مع المطار القديم يصعب تمييز الفروق بينهما, فكل شيء محدث, لم يتجاوز عمره عقداً من الزمن, الشوارع واسعة ونظيفة, والنخيل زرع هرماً, وشجر الدفلى يكاد يملأ الحدائق بأزهاره الوردية, فيما تنبسط المنتجعات أفقياً على الشاطئ, وكذلك الأسواق والمقاهي والمطاعم, لا ازدحام ولا فقراء ولا متسولون ولا بائعو بسطات, مدن صغيرة أعدت للرفاهية, يتبختر بين خمائلها الشباب والصبايا, كغزلان البراري… ولا يمكن لمن يشاهد تلك المناظر الخلابة إلا أن يقارن بينها وبين باقي المدن المصرية وأن يتساءل عن العلاقة التي تجمع بينها, وأيضاً من سؤال يطرح نفسه بفجاجة لمن تبنى هذه المدن «المنتقاة النقية المنقاة»؟!!
نستشف الجواب من المنشورات الترويجية القائلة إن هذه المنتجعات المختلقة في الأرض اليباب, وجدت لتكون مدينة لصناعة السياحة والسلام معاً, وفق ارفع المعايير الدولية, فليس من شركة سياحية من كبريات الشركات العالمية إلا ولها مشروع أو اثنان, كما أن عشرات المؤتمرات السياسية الدولية والمعسكرات الشبابية التي استضيفت منذ 1996 ولغاية الآن جاءت تحت العناوين المسالمة والسلمية ومشتقاتها بغض النظر عن واقع نتائج السياسات الدولية على أرضنا الغارقة بالدماء. فالسلام المفترض تصنيعه في شرم الشيخ يقتضي أن يكون معزولاً في حاضنة غير طبيعية وملفوفاَ بقطن أمني منيع, تُستجدى له الحياة من سلام متلازم مع الخوف من العمليات الإرهابية!!
ولكي تكون شرم الشيخ آمنة وسط الجبال الشاهقة, كان لا بد من إجراءات أمنية مشددة, فرضت داخل قاعات قصر المؤتمرات, حتى عزَّ على الصحفيين التنقل بين ردهاتها, والجري وراء المسؤوليين لاصطياد التصريحات. كما وللاحتياط فرض ما يشبه حظر تجول على المدينة قبل أيام من عقد مؤتمر وزراء الخارجية, الذي تزامن مع حفل زفاف جمال مبارك ابن الرئيس المصري, ما استدعى حالة استنفار امني عام اثار التوجس في النفوس أكثر من الاطمئنان, وشد الأعصاب إلى حالة من الترقب, لم تفلح معها محاولات الدولة المضيفة لتلطيف الأجواء ببث روح المجاملة والإلفة بين الجميع, كي لا تشذ مناقشات المؤتمرين المختلفين الى حد التصادم عن روح المكان المشغول بأبهة ليكون مصنعاً للسلام والأحلام المستحيلة, وفي سبيل هذا الهدف الإنساني تمت تلبية مطالب وزير خارجية العراق هوشيار زيباري بعدم نقل وسائل الإعلام لكلمات الدول المشاركة في مؤتمر دول الجوار, والاكتفاء بكلمة مصر كدولة مضيفة والحكومة العراقية كصاحبة الشأن, فكانت كلمة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن تجربة العراق تحت الاحتلال, مذهلة في طمسها لحقائق القتل والترويع, كذلك في تأكيدها على نجاعة الديمقراطية إلى حد يحسد عليه, ما دفع وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى التساؤل في كلمته التي حرم من بثها إعلامياً: هل العراق مستقر, وإذا كان كذلك, فلماذا نجتمع هنا؟ موجهاً انتقادات دبلوماسية الى الحكومة العراقية التي تطلب المساعدة والمساندة فيما هي لا تفي بالتزاماتها. وآزر المعلم الوزير السعودي سعود الفيصل الذي طالب الحكومة العراقية بالقيام بدورها للحد من الأعمال الطائفية. كما اتفق غالبية الحضور على ضرورة ان يتفق العراقيون فيما بينهم أولاً , كي يتمكن العرب من مساندتهم!! المفارقة أن تلك الانتقادات على الرغم من أهميتها وعلى الرغم من لفلفتها بعبارات دبلوماسية, لم يُسمح للإعلام بنقلها, بل على الضد تماماً, كان ثمة حرص على نقل صورة للمتابع العربي, أن كل شيء على ما يرام: العرب متفقون على دعم ومساندة حكومة العراق المتفقة والمتوافقة على كل شيء, والجميع يقف صفاًَ واحداً في وجه «الإرهاب», ذلك الشبح الذي يقض مضاجع الآمنين لمجرد ترويعهم لا لعطب في سياسة المحتلين وحلفائهم من العراقيين… ولا لاستمرائهم تجارة الحروب الرابحة… ولا لكذبهم ووقاحتهم في النهب والدجل, وكل ما أدى إلى جعل العراق العظيم الدولة الأكثر فساداً, والأكثر خطراً, والأولى في نسبة وفيات الأطفال وارتفاع اعداد المهجرين واللاجئين… الخ.
في شرم الشيخ لا حقائق سوى التلفيق, تلفيق الخضرة في قلب الصحراء, تلفيق السلام على تخوم الحرب وانعدام الآمان, تلفيق المصالحة في مهب الخلافات… لأنه «مافيش حاجة هنا ما بتنباعش» حسب تعبير بائع نوبي في سوق الشرم العتيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 10 + 13 ؟
Please leave these two fields as-is: