الأفلام الوثائقية العربية: عقلية ثنائية ترى العالم شرا مطلقا أو خيرا مطلقا

وغيرها كثير، ومثلها كتب عن كبار العلماء أو الفنانين أو الفلاسفة إلى آخره، كانت قراءة تلك الكتب تدرب خيالنا الخصب على التمدد، ليسع الكون بأكمله، من خلال تجارب هؤلاء الأفراد، الذين عبروا بفكرهم وابتكاراتهم وإبداعاتهم عن حلم البشرية(بحياة أفضل)، تتخيل صورة وصوت وملامح تلك الشخصية- قديمة أو حديثة، توفرت لها صورة أو لم تتوفر- وتتخيل البيئة الاجتماعية والمادية التي عاشوا فيها، أو عانوا فيها، طبقا لما يقدمه لك الكتاب من مفاتيح، خاصة إذا كانت الشخصية موضوع الكتاب غير عربية، ومؤلف الكتاب ليس عربياً، إذ تجد حياتها تتقلب بين إبداعاتٍ وتضحيات وكبوات وأخطاء، فلهم هفواتهم أيضاً.. هؤلاء المبدعون.. كما لكل البشر! كان ذلك قبل أن يصبح(الإنتاج التليفزيوني)لسيرة الشخصيات العظيمة أو الشهيرة.. مجالاً واسعاً ومألوفاً في حياة الإنسان المعاصر.
ثم بدأ التليفزيون العربي، منذ وقتٍ باكر في تاريخه، إنتاج أفلام ٍ قصيرة أو مسلسلات، عن شخصيات هامة في تاريخنا، وعندما تراقبها، تجد معظمها يدور في فلك ما يمكن للعقلية العربية الثنائية أن تنتجه، الشخص الذي يتناول الفيلم أو المسلسل حياته هو إما(شرير)محض، أو(ملاك)محض، إذ كيف يصور تليفزيون عربي حياة(أبو لهب)مثلاً! وفي المقابل كيف صورت الأفلام التسجيلية والمسلسلات وحتى الأفلام السينمائية.. حياة شخصية مثل(خالد بن الوليد)! وقريباً في السنوات الأخيرة، كيف تم تصوير حياة(أم كلثوم)، في مسلسل حمل عنوانه اسمها، وكيف رويت حياة(قاسم أمين)وغيرهما، وكيف عالج فيلم(مصطفى كامل)حياة هذه الشخصية في التاريخ المصري المعاصر، وكيف قدمت سيرة حياة(جميلة بوحريد)المناضلة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر، هناك إما(إدانة كاملة)للشخصية، أو(تبجيل كامل)، هذا عن الأفلام والمسلسلات الدرامية التي تصور حياة تلك الشخصيات تمثيلياً، هناك نوع آخر هو الأفلام الوثائقية، وهو الذي يروى حياة الشخصية(على الطبيعة)، ويستشهد بما توفر لهم من صور تليفزيونية حقيقية، لأحداث شاركوا في صنعها، وشهادات أشخاص آخرين كانوا حولهم أو عاصروهم أو شاركوا معهم في صناعة الأحداث أو شهدوا عن قرب إبداعاتهم، أي بدون اللجوء إلى ممثلين ودون اللجوء إلى تحويل حياتهم إلى قصة درامية، كتلك الأفلام التي أنتجت عن جمال عبد الناصر، أو نجيب محفوظ، أو ياسر عرفات أو الملك حسين، أو عبد الحليم حافظ، أو ناجي العلي، أوغيرهم، وفي كل تلك الأفلام.. تتجلى هذه الثنائية العربية في تصور وتصوير(سلوك البشر)حتى المبدعين منهم، شر مطلق أو خير مطلق، خائن أو شهيد، جشع مريض أو إنكار تام للذات، عبقري فذ تنطلق منه الإبداعات بسهولة كالسحر، أو غبي بليد فاشل، وفي المقابل.. هناك مثل هذا النوع من الأفلام من إنتاج غربي، كفيلمٍ وثائقي عن(نيلسون مانديلا)أو عن(غاندي)أو(جاكلين كينيدي)أو(ألبرت أينشتاين)أوغيرهم، تجد فيها تناولاً قريباً إلى حدٍ كبير(وليس تام)من الموضوعية والواقعية.. لذلك الجانب البشري في حياتهم، أخطائهم، هفواتهم، خطأ بعض حساباتهم، إلى جانب إبداعاتهم وتضحياتهم، صحيح أن بعض الأفلام التي أنتجتها السينما الغربية(الأمريكية خصوصاً)أو التليفزيونات الغربية(كتليفزيون BBC)، تتخفى فيها(مواقف ما)من الشخصية وانتماءاتها، كذلك الفيلم الذي أنتج عن(هتلر)مثلا، أو الفيلم الذي تناول حياة(تيتو)، لكنها لم تصل أبدا إلى إلغاءٍ(كامل)لجانبٍ ما من حياته لحساب جانبٍ آخر، هناك(حرفية عالية)في تناولهم لسيرة الأشخاص، تراعي(احترام عقل)المشاهد المتلقي، السؤال هو: لماذا تحكمنا هذه الثنائية دائما في معالجة سيرة حياة الشخصيات المؤثرة في حياتنا؟ هل العيب في كتاب تلك الأفلام؟ أم في الثقافة التي تترعرع في ظلها(معاييرهم)؟ أم في المشاهد العربي نفسه.. الذي(لا يستسيغ)إلا(تصنيف)الشخصية الشهيرة في خانة(الشرير)أو خانة(البطل الطيب)؟ لماذا يغضب العربي إذا(انتقدت قداسة) شخصيات في تاريخه؟ حتى أن شخصية مثل أبي بكر الصديق.. لا تجرؤ جهة أبدا على إنتاج فيلم ٍ عنه.. مستعينة بممثل يقوم بدوره، وتستخدم صوتا(حكواتي)مكانه، درءً لحملةٍ شعواء متوقعة! بينما استقبل سكان الأرض ببساطة- وبأقل قدر من الاحتجاج-، فيلما- بل أفلاما- عن المسيح، تنتقده أحيانا، وتشكك فيه أحيانا أخرى، فإلى جانب فيلم(آلام المسيح)الذي تناول حياته بتقديس ٍ ديني واضح، هناك أفلام عن المسيح تتضمن تشكيكا في قدرته مثلاً على(إعادة البصر للأعمى)، بل وحتى(سخرية)من مسألة(بنوته)لأم ٍ دون أب، ترى.. هل يتحمل العربي- مثلاً- فيلماً عن على بن أبي طالب.. المبشر بالجنة.. يشير فقط.. مجرد إشارة.. إلى عدد زوجاته وجواريه؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 5 + 5 ؟
Please leave these two fields as-is: