ما الذي كان على بوش قوله في خطابه؟

والحقيقة أن خيارات إدارة بوش حولت العراق إلى ساحة تفريخ للجهاديين على الرغم من أنه لم يكن كذلك قبل الحرب، ويوجد في العراق اليوم بين 16 إلى 20 ألف جهادي، وهو عدد مرشح للتزايد. لقد وضعت الإدارة نفسها، ووضعت جنودنا الذين يدفعون الثمن كل يوم في مأزق من صنع يديها. ومهمتنا في العراق تزداد صعوبة, لأن الإدارة تجاهلت نصيحة الآخرين، وأقدمت على غزو العراق وحدها تقريبا، وقللت من احتمال، وقوة، التمرد الذي يمكن أن ينشأ, وأرسلت عددا من القوات أقل مما يلزم, ودمرت الجيش العراقي من خلال سياسة استئصال البعث، وعجزت عن تأمين مستودعات الذخيرة، ورفضت الاعتراف بأهمية التدريب العاجل لقوات الأمن العراقية، ولم تخطط لفترة ما بعد الحرب. والسؤال الآن هو: ما الذي يجب أن يقوله بوش في خطابه والذي ينتظره الكثيرون؟.
أول شيء هو أن يخبر الرئيس الشعب الأميركي بالحقيقة كاملة، وأن يبتعد عن العبارات المنمقة التي لا تعبر عن تلك الحقيقة مثل “إن التمرد الحاصل في العراق يلفظ أنفاسه الأخيرة”, لأن مثل هذه العبارات تخلق نوعاً من التوقعات لدى المواطن الأميركي العادي، الذي سرعان ما يصاب بخيبة الأمل عندما يتبين له أن الأمر ليس كذلك.
على الرئيس بعد ذلك أن يعلن فوراً أن الولايات المتحدة لا تنوي أن يكون لها وجود عسكري دائم على أرض العراق. فمحو الشكوك المتعلقة بأن الاحتلال الأميركي للعراق أبدي أو غير محدد المدة، أمر مهم جدا في تقليص الدعم الذي تتلقاه جماعات التمرد.

على بوش بعد ذلك أن يعلن أن الولايات المتحدة تصر على قيام العراقيين بوضع الأسس لعملية سياسية شاملة -حقا وليس قولا- تضم جميع الأطياف والقوى السياسية في البلاد، مع تحديد مواعيد نهائية للانتهاء من عملية صياغة الدستور، وعقد الانتخابات في شهر ديسمبر القادم. بعد ذلك علينا أن نبين للجميع أننا نقوم بدورنا، ونستخدم وجودنا العسكري الضخم في الحيلولة بين الشعب العراقي وبين الانزلاق إلى حالة من الفوضى الشاملة، وأن قواتنا الخاصة تقوم بحماية الزعماء العراقيين.
يحتاج الرئيس بعد ذلك إلى أن يحدد خطة طوارئ حقيقة للانتهاء من تدريب قوات الأمن العراقية خلال فترة ستة شهور من الآن، وأن يتأكد من أن الحكومة العراقية تمتلك الميزانية الكافية لتدريب تلك القوات، وأنها ستتوقف عن استخدام الحاجة إلى تدريب تلك القوات محليا، كحجة تدعوها لرفض العروض التي تتقدم بها دول أخرى مثل مصر والأردن وفرنسا وألمانيا لتدريب تلك القوات.
يجب على الإدارة بعد ذلك أن تشرع مباشرة وفورا – وبمشاركة الكونجرس- في رسم خطة مفصلة، مقسمة إلى مراحل واضحة المعالم، ومزودة بمواعيد نهائية لتحويل المسؤوليات السياسية والعسكرية والأمنية إلى العراقيين. ويجب على تلك الخطة أن تأخذ في حسبانها الاحتياجات والأهداف السياسية والأمنية، وأن تقوم بربطها بمهام وإنجازات محددة. وإذا ما قام العراق بإعداد الدستور، وعقد الانتخابات حسب الخطط المحددة، فإن الدعم الذي يتم تقديمه للتمرد سوف يقل، وسيتهيأ المسرح للشروع في عودة القوات الأميركية للوطن.
إن العراق يحتاج بالطبع إلى جيش وطني موحد، ولكن إلى أن يتوافر له مثل هذا الجيش – وهو أمر قد يستغرق عامين من الآن كما يقول جنرالاتنا- فإن العراق يجب أن يعمل على الاستفادة من مليشياته العشائرية والدينية والعرقية، مثل البشمركة الكردية وقوات بدر الشيعية، للقيام بتوفير الحماية والمساعدة في عمليات إعادة التعمير. وبدلا من التركيز فقط على تدريب جيش وطني، فإن الإدارة مطالبة بحث الحكومة العراقية على ملء الفراغ الأمني الحالي، من خلال إدماج تلك المليشيات في قوة تأخذ شكل الحرس الوطني، وتكون قادرة على توفير الأمن في المناطق الخاصة بها.
يجب على الإدارة الأميركية أن تعمل مع الحكومة العراقية من أجل تأسيس قوة متعددة الجنسيات للمساعدة على حماية حدودها. ومثل هذه القوة، بعد التصديق عليها من قبل الأمم المتحدة، يمكن أن تجتذب مشاركات من جيران العراق، ومن دول مثل الهند.
إن نشر قوات أمن فاعلة أمر في غاية الأهمية، ولكنه لن يكون كافيا وحده لوضع نهاية للتمرد – كما تحاول الإدارة إقناعنا. والإدارة المشلولة بسبب افتقارها السابق إلى التخطيط، والتوقعات المبالغ في درجة تفاؤلها فيما يتعلق ببناء العراق، فشلت في تخصيص درجة كافية من الاهتمام للعمل مع الحكومة العراقية على الجبهتين الاقتصادية والسياسية. لذلك كله كان من الطبيعي أن تتأخر عملية إعادة الإعمار حتى في المناطق الآمنة نسبيا مثل الجنوب الشيعي والشمال الكردي. إن العراقيين من السنة الذين يخشون أن يتم حرمانهم من المزايا التي كانوا يتمتعون بها، سوف يخبو بريق التمرد أمام أنظارهم، إذا ما رأوا التيار الكهربائي يعود، والوظائف تتوفر، والطرق ترصف والحكومات المحلية يعاد تشكيلها.
أما جيران العراق من الدول السنية التي تشكو من أن الإدارة الأميركية قد تجاهلتها، فيمكنها أن تقدم المزيد من العون. فحتى التحسينات القصيرة الأمد مثل توفير التيار الكهربائي، وتوفير الوقود، وهي عروض كان السعوديون قد تعهدوا بها ولكنهم لم يفوا بها حتى الآن, سوف تفيد كثيرا في هذا المجال. ولكننا بحاجة إلى أن نعطي تلك الدول خطة استراتيجية للأمن الإقليمي، مع الاعتراف بمخاوفها من بزوغ هلال شيعي تسيطر عليه إيران، وهمومها المتعلقة بدورنا المنحاز في التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وذلك مقابل ما تقدمه من مساعدة في إعادة إعمار العراق، وحماية حدوده، وإدخال السنة إلى العملية السياسية.
وإذا ما أخفق الرئيس بوش في اتخاذ هذه الخطوات، فإننا سوف نتعثر أكثر على الطريق وستصبح قواتنا معرضة لمخاطر أشد. ليس هذا فحسب بل إن خسائرنا ستتضاعف وإنفاقنا سيتزايد، وصبر شعبنا سوف ينفد تدريجيا خصوصا عندما يحملق شبح الورطة العراقية في وجوهنا جميعا. إن قواتنا هناك تستحق منا جهدا أكبر، كما تستحق كذلك قيادة ترتفع إلى مستوى التضحيات التي تقدمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 15 + 15 ؟
Please leave these two fields as-is: