زيارة سبتة ومليلية.. المبررات والأهداف

آراء ومقالات أبريل 19, 2010 No Comments

بقلم: محمود معروف //سويس انفو//

تتساءل مختلف الأوساط السياسية عن الخُـطوة المغربية القادمة تُـجاه مدينتي سبتة ومليلية، بعد تصاعد الاحتجاج الرسمي والشعبي على الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها للمدينتين العاهل الإسباني خوان كارلوس يومي 5 و6 نوفمبر، والتي أعادت وضعية المدينتين إلى الواجهة بعد سنوات من الانشغالات الداخلية والإقليمية.
ويؤكّـد المغرب باستمرار على مغربية المدينتين وحقّـه في استرجاعهما كجزء من تُـرابه الوطني وأن الاحتلال مَـهما طال زمنه، لا يلغي هذا الحق، لكن التساؤل يبقى مشروعا لأن الطرف الآخر لا زال متمسِّـكا بموقفه الرافض لأي بحث أو نقاش حول مستقبل المدينتين، ويعتبره مسألة محسومة بإسبانيتهما.

سبتة ومليلية ثغران يقعان على الضفّـة الجنوبية للبحر المتوسط وتعتبرهما إسبانيا الجزء الترابي الوحيد الذي يربطها بالقارة الإفريقية، لكن الاتحاد الأوروبي الذي التحقت به إسبانيا عام 1986، رفض اعتبار المدينتين جزءا من التراب الأوروبي.

وتبلُـغ مساحة مدينة سبتة 20 كلم مربّـع، ويصل تعداد سكانها إلى 74 ألف نسمة بينهم 30 ألف مغربي، فيما تبلغ مساحة مليلية 12،5 كلم مربع وسكانها 57 ألف نسمة، بينهم 20 ألف مغربي وتتشكّـل الجالية الإسبانية من الجُـنود وعائلاتهم بشكل رئيسي.

السلطات الإسبانية أجبرت في منتصف الثمانينات سكان المدينتين المغاربة، على الاختيار بين الجنسية الإسبانية أو الحصول على بطاقة إقامة الأجانب، وتحاول منذ عدة سنوات فصل هؤلاء السكان عن المغرب، حتى دِينِـيا من خلال تشجيع مذاهِـب دينية متعدّدة، غير المذهب السُـني المالكي، المذهب الرسمي للمغرب، للانتشار في أوساط مغاربة سبتة ومليلية.

ولاحظ مسؤولون مغاربة أن سلطات المدينتين شجّـعت على إقامة مساجِـد خارج إشراف وزارة الأوقاف المغربية (عكس ما هو متفق عليه بين البلدين بخصوص مسؤوليتها على الشأن الدِّيني هناك) ومع أن المسؤولين المغاربة حذّروا السلطات الإسبانية من أن ذلك قد يسمح بوجود تيارات متشدّدة تستقطب نشطين يشنّـون هجمات مسلّـحة، إلا أن السلطات الإسبانية أوحت بأن كل نشاط إسلامي دِيني يتم تحت سيطرتها ولها القُـدرة على محاصرة أي نشاط يهدّد الأمن والقضاء عليه.

عِـبء اقتصادي مستقبلي

احتلت الدولة الأيبيرية مدينة مليلية نهاية القرن الخامس عشر، فيما احتلت مدينة سبتة سنة 1580 في إطار سلسلة الاحتلالات التي قامت بها، لضمان سيطرتها الأمنية على ضفّـتي البحر المتوسط، وورثت الدولة الإسبانية هذه الثغور بعد انهيار الدولة الأيبيرية وانفصال البرتغال عن إسبانيا.

ولأهمية الإستراتيجية في الحرب الكلاسيكية، رفضت إسبانيا التخلّـي عنهما بعد انتهاء الحِـماية الفرنسية على المغرب عام 1956 ووجدت في الموقف الغربي (الأوروبي والأمريكي) سنَـدا لضمان السيطرة على ضفّـتي مضيق جبل طارق في مواجهة الاتحاد السوفييتي إبّـان الحرب الباردة.

الجيش الإسباني اشترط على الأحزاب السياسية الإسبانية، بعد وفاة الجنرال فرانكو عام 1975 للقبول بالانتقال الديمقراطي، أن ينُـص الدستور الإسباني على أن سبتة ومليلية جزءٌ من التراب الإسباني، وهو ما جعل بحث وضعيتهما أو كل ما يتعلّـق بهما مع أي دولة أخرى، خرقا للدستور، وأقصى ما قبِـل به الإسبان هو البحث مع المغرب حول وضعية المواطنين المغاربة في المدينتين، الذين يرفضون الحصول على الجنسية الإسبانية.

وحين اندلعت مُـواجهات بين هؤلاء والسلطات الإسبانية في منتصف الثمانينات، اقترح العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني تشكيل خلِـية تفكير مُـشتركة لبحث مستقبل المدينتين، إلا أن مدريد قبَـرت الاقتراح في مهدِه ورفضت التّـعاطي معه.

ورأت السلطات الإسبانية أن رفع العَـلم المغربي على جزيرة ليلى، المواجهة لمدينة سبتة سنة 2002، إشارة غير ودِّية من المغرب وشرارةَ حربٍ على الوجود الإسباني بالمدينة، فأسرعت بإرسال مئات الجنود جوّا وبحرا لطرد خمسة جنود مغاربة كانوا لا يملِـكون من الأسلحة، غير تلك التي تساعدهم على مواجهة المهرّبين.

وأزمة جزيرة ليلى، التي كادت أن تشعل حربا بين البلدين الجارين، حفّـزت المغرب لتعامُـلٍ مُـختلف مع المستقبل، وبدلا من الأزمات السياسية أو التوترات الأمنية التي قد تذهب نحو المُـواجهة المسلحة يدفع المغرب نحو تنمية متسارعة في الأقاليم المحيطة بمدينتي سبتة ومليلية، وأسرع في إنجاز الميناء المتوسطي، وهو الذي سيكون بعد اكتماله الميناء الأكبر في حوض البحر المتوسط والمهدّد لمستقبل ميناء سبتة والملغي لدوره وجدواه والتقدّم في المشاريع التنموية الأخرى، وتنفيذ المنطقة الصناعية الحرّة سيُـلغي دور مدينة سبتة كسوق لتصدير السِّـلع المهرّبة نحو المغرب.

وحسب الرؤية المغربية، فإن انتهاء دور وجدوى “سبتة” كميناء وسوق، ومع انتهاء دورها العسكري في ظل التطور التكنولوجي للحروب، يجعل المدينة ومعها مليلية، إذا ما استكملت المشاريع التنموية بالمنطقة الشمالية والشرقية، عِـبئا اقتصاديا على مدريد، التي سيصبح مطلوب منها تأمين عمل ومصدر رِزق لعشرات الآلاف من إسبان المدينتين.

مسألة غير قابلة للنقاش

وإذا كانت مغربية مدينتي سبتة ومليلية مسألة غير قابلة للنقاش في المغرب ومحلّ إجماع رسمي وشعبي، فإن إسبانية المدينتين أيضا محلّ إجماع إسباني، أما الأصوات الإسبانية التي ترتفع بين الحين والأخر، تدعو مدريد للتّـفكير في مستقبل العلاقات بين بلدين جارين يتقاسمان مسؤولية الحِـفاظ على أمن مَـضيق جبل طارق، وكلٌّ منهما يعتبِـر البلد الأخر بابه للقارّة المقابلة، فهي لا زالت ضعيفة وسُـرعان ما تخفت.

ولا شك أن المسؤولين في مدريد يُـدركون مخاطر الرؤية المغربية، لذلك، أرادوا إرسال إشارات تفهَـم من خلالها الرباط أن محاولاتها “الحضارية” لاسترداد المدينتين، لن تُـجدي نفعا، ومن هذه الإشارات دفع الملك خوان كارلوس للقيام بزيارة ملكية للمدينتين.

فحسب تنظيم السُّـلط القائم بين المؤسسات الدستورية الإسبانية، فإن الملك لا يُـمارس السياسية إلا بطلب من الحكومة أو بإذن منها، لذلك فإن زيارة مثل التي قام بها إلى سبتة ومليلية كانت بحاجة إلى موافقة الحكومة أو طلب منها.

والمعروف أن الملك خوان كارلوس يحظَـى باحترام كبير في المغرب وتربِـطه علاقات حميمية وودّية مع العائلة الملكية المغربية، لذلك، جاءت زيارته لسبتة مليلية صدمة للمغرب واستفزازا ليس متوقّـعا، فكانت ردود الفعل المغربية عنيفة ومتشدّدة على مختلف المستويات، ووسائل الإعلام المغربية أبرزت أن استدعاء السفير المغربي عمر عزيمان من مدريد للتشاور ولأجل غير مُـحدّد، كان قرارا اتّـخذه الملك محمد السادس.

وذهب العاهل المغربي إلى افتتاح مجلس وزاري عقد يوم 6 نوفمبر ببيان يؤكِّـد “إدانته القوية واستنكاره الشديد لهذه الزيارة”، التي وصفها بـ “الحنين لعهد مُـظلم مضى وانقضى” وحمّـل “السلطات الإسبانية مسؤوليتها عن المجازفة بمستقبل وتطوّر العلاقات بين البلدين وعن الإخلال الجسيم للحكومة الإسبانية بمنطوق وروح معاهدة الصّداقة وحُـسن الجِـوار والتعاون، المبرمة سنة 1991” بين البلدين.

استنكار رسمي وشعبي

زيارة الملك خوان كارلوس لسبتة ومليلية كانت أول أزمة خارجية تُـواجه الوزير الأول المغربي عباس الفاسي بعد 24 ساعة من نيل حكومته الثقة، لذلك، كان على الفاسي أن يذهب بعيدا في التّـعبير عن الرفض والاستنكار للزيارة وفي المطالبة باسترداد سبتة ومليلية “اللتان لا تقبل السيادة المغربية عليهما أية مفاوضات”.

ووجد المغرب الرّسمي نفسه مطوّقا إضافة لمواقفه بتحرّك شعبي مكثف، عبّـرت عنه الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، بعد أن ساد إحساس بالمَـس بالكرامة والشعور الوطني، وهو ما لم يكن الملك خوان كارلوس وحكومة خوسي لوي ثاباتيرو يتوقّـعه أو على الأقل بهذه الحدّة وعلى هذه المستويات، وتجسَّـد هذا التحرّك الشعبي المغربي، إضافة للبيانات والتصريحات في وقفات احتجاجية أمام القنصليات والمراكز الثقافية الإسبانية، لكن أبرزها كانت المسيرة الاحتجاجية التي نظمت يوم الاثنين 5 نوفمبر على باب سبتة أو على باب مليلية يوم الثلاثاء 6 نوفمبر، بالتّـزامن مع وجود العاهل الإسباني.

لذلك يُـطرح الآن سؤال كبير في المغرب: لماذا اختار الملك خوان كارلوس ومعه حكومة بلاده استفزاز المغاربة وزيارة سبتة ومليلية في وقت عرفت فيه العلاقات نمُـوا مطردا في التعاون في كل المجالات، إن كانت تلك التي تهُـم إسبانيا، مثل التعاون في مكافحة الإرهاب أو الهجرة السرية أو تهريب المخدرات أو التي تهُـم المغرب في ميادين الاستثمار والمِـنح والمساعدات المالية، وأساسا في الاقتراب الملحوظ للموقف الإسباني من المُـقاربة المغربية لحلّ نزاع الصحراء الغربية، بمنح الصحراويين حُـكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.

تساؤلات قائمة

الأوساط الاقتصادية المغربية سارعت إلى الربط بين زيارة الملك الإسباني لسبتة ومليلية وما أسفرت عنه زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للمغرب نهاية شهر أكتوبر الماضي من استثمارات ومشاريع فرنسية، بما يتجاوز 3 مليارات يورو، شملت ميادين النقل (القطار السريع) والتسليح والسياحة، وتقول هذه الأوساط إن مدريد لم تنظُـر بعين الرضا لهذه الاتِّـفاقيات الفرنسية المغربية، خاصة وأن القطار السريع (تي جي في)، الذي سينطلق من طنجة، يعني إسبانيا بالدرجة الأولى، فهي ذات تجربة متميِّـزة في النقل الحديدي وأيضا سيكون مستخدمي هذا القطار، إما إسبان أو قادمين من إسبانيا.

وتنظر أوساط أخرى إلى الزيارة من زاويتها الإسبانية الداخلية وضغط اليمين الإسباني المُـناهض للمغرب ويُـهيمن على مدينتي سبتة ومليلية، لخلق توازن إقليمي بعد ذهاب حكومة ثاباتيرو اليسارية بعيدا في تأييدها للموقف المغربي في نِـزاع الصحراء.

الملك خوان كارلوس جهد في كلماته التي ألقاها في سبتة ومليلية أن يتجاهل ردّ الفعل المغربي ومَـحور خُـطبه على المحبّـة والتسامح والتعدّدية الحضارية التي تتمتع بهما المدينتان ومن جهة أخرى، حرص المسؤولون الإسبان على التأكيد على أن الزيارة وردّ الفعل المغربي عليها لن ينعكِـس سلبا على التعاون بين البلدين في مختلف الميادين.

والسؤال الذي يُـطِـل برأسه ويختفي في الأوساط السياسية المغربية، هو ماذا بعد، إن أعلن المغرب الحرب السياسية على إسبانيا؟ حتى الآن لا جواب رسمي، ويتحاشى المختصون التحليل فيما سيذهب إليه القصر الملكي المغربي أو حكومته، لكن الجميع يؤكِّـد على أن حربا عسكرية لن تقَـع وتجميد التعاون الاقتصادي والأمني لن يكون، لكن دبلوماسيا، تبقى الخيارات مفتوحة، ولعل أبرزها التقدّم بدعوى أمام محكمة العدل الدولية، كخطوة أولى قبل الذّهاب بملف المدينتين إلى الأمم المتحدة.

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 2 + 3 ؟
Please leave these two fields as-is: