دمشق وواشنطن: مفاوضات "على حد السكين"

آراء ومقالات أبريل 19, 2010 No Comments

بقلم: سعد محيو //سويس انفو//

كل الاستعدادات كانت تجري على قدم وساق في عاصمة الأمويين التاريخية لاستقبال مؤتمر وُصف بأنه تاريخي للفصائل الفلسطينية المسلّـحة، بما في ذلك “حماس” و”الجهاد”، لإعلان رفض مؤتمر السلام الشرق أوسطي، الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي بوش، والذي يُـفترض أن يُـعقد هذا الخريف.
المؤتمر الفلسطيني كان مُـهماً أو تاريخياً، لأنه كان سيُـصبح نواةَ حركةٍ معارضة إقليمية للولايات المتحدة وحلفائها العرب في الشرق الأوسط، بدعم قوي من روسيا وإيران، وربما الصين من طرف خفي (أي القِـوى الرئيسية في معاهدة شنغهاي)..

.. لكن فجأة، ومن دون سابق إنذار، استدعى نائب الرئيس السوري فاروق الشرع بعض قادة الفصائل المتواجدين في دمشق و”نصحهم” بتأجيل المؤتمر، مركِّـزاً على أن مؤتمر السلام قد يتأجّـل من الخريف إلى أوائل الشتاء، وبالتالي، تأثير المؤتمر الفلسطيني ما عقد الآن كما كان مقرراً، إذ قد يضعف أو يتلاشى.

بالطبع، هذا التبرير لم يُـقنع أحداً، خاصة وأن المعلومات المتوافرة في دمشق تُـشير إلى أن سوريا قد تدخل مؤتمر السلام عبر البوابة الروسية.

وفي التفاصيل التي توافرت لسويس إنفو، أن موسكو عرضَـت على دمشق عقد الجولة الثانية من مؤتمر السلام في روسيا، باعتبارها الراعي الثاني لمؤتمر السلام الأول في مدريد، وهذا سيتيح لسوريا طرح قضية الجولان المحتل في المؤتمر.

هذه المعطيات أضعفت أكثر التّـبرير الرسمي السوري لسبب تأجيل المؤتمر الفلسطيني وأفسحت في المجال واسعاً أمام سَـيل من الشائعات التي تمحورت حول السؤال الآتي: هل ثمة مفاوضات سرية سورية – أمريكية، كتلك التي كانت تجري بين الطرفين منذ رُبع قرن من الزمن؟ وهل وصلت هذه المفاوضات إلى مرحلة الصفقة؟

إجتهادان

في العاصمة السورية اجتهادان: الأول، “لبناني المنشأ”، إذا جاز التعبير، ويرى أن دمشق وواشنطن تقتربان بالفعل من مرحلة الصفقة، خاصة فيما يتعلق بالنزاع في لبنان.

وللدلالة على ذلك، يروي سياسي لبناني لسويس إنفو وقائع جلسة سريّـة جرت بين قادة الموارنة اللبنانيين وبين دين براون، السفير الأمريكي السابق لدى لبنان في عام 1996.

في تلك السنة، قرّر قادة المارونية السياسية مقاطعة الانتخابات النيابية كوسيلة ضغط لتغيير قانون الانتخابات، وبالتالي، لمحاولة تحسين مواقعهم السياسية المتضعضة في بنية السلطة اللبنانية.

آنذاك، أحدث القرار الماروني ضجّـة كُـبرى في الأوساط المحلية اللبنانية، الأمر الذي ضخَـم لدى هؤلاء القادة الرِّهانات بأن القوى الدولية والإقليمية الفاعلة على الساحة اللبنانية (أساساً أمريكا وسوريا والسعودية)، ستقيم هي الأخرى الدنيا ولن تقعِـدها قبل حصول الموارنة على ما يرضيهم.

فهؤلاء الأخيرين، يُـفترض أنهم الصخرة التي أقيم عليها بنيان لبنان الكبير عام 1920، من دونهم لا لبنان كبيراً كأن أم صغيراً.

بيد أن القادة فوجِـئوا بأن الرياح تسير تماماً في عكس ما اشتهت سفنهم. فالضجة الكبرى في الداخل اللبناني أثبتت أنها زوبعة كبيرة، لكن في فنجان صغير، والقوى الخارجية، أشاحت بوجهها عن كل ما يجري وكأنها غير معنية به. وحينها، شك الزعماء الموارنة بوجود صفقة أمريكية – سورية ما فَـرضت صمت القبور على تحركاتهم الاعتراضية، فشكَـلوا على وجه السرعة وفداً عالِـيَ المستوى توجّـه من فوره إلى السفارة الأمريكية لاستطلاع حقيقة الأمر.

في مبنى السفارة في عوكر، استقبلهم السفير دين براون هاشاً باشاً، بصفتهم أبرز حلفاء الولايات المتحدة في بلاد الأرز، وهو تحدث بإسهاب واستفاضة عن ضرورة تعزيز العلاقات وتطويرها بين الطرفين، لكن براون قوطع في خِـضمّ خطبته من جانب أحد أعضاء الوفد الذي صرخ في وجهه: “سعادة السفير، هل بِـعتونا للسوريين”؟

ردّة فعل براون كانت الوجوم في البداية، لكنه سُـرعان ما أطلق ضحكة مجلجلة ثم قال: “لا، لا، لم نبِـعكم، فقط أجّـرناكم لهم”!

وهذه الأيام، يشتم قادة المارونية السياسية الجدد روائح شبيهة بتلك التي انطلقت عام 1997. ومجدداً أيضا،ً تتجه أنظارهم إلى السفارة الأمريكية بحثاً عن حقيقة المسار الانتخابي الرئاسي وطبيعة المصير السياسي الذي ينتظرهم، لكنهم كلّـما ركًَـزوا أنظارهم، كلما ازدادوا قلقاً.

صحيح أن دبلوماسيي السفارة في بيروت يكرِّرون آناء الليل وأطراف النهار أن “الصفقة مع سوريا مستحيلة”، إلا أن الهمسات التي تنطلـق من دمشق وواشنطن تُـثير الكثير من الظنون والقليل من الطمأنينة.

فالحملات المتبادلة بين دمشق وواشنطن تراجعت وتيرتها ومشاركة سوريا في مؤتمر بوش للسلام في الشرق الأوسط، كما ألمحنا، لم تعُـد مستبعدة.

وفي هذه الأثناء، كانت في دمشق يزداد الحديث عن فرص واحتمالات التعاون السوري – الأمريكي في أزمة العراق، التي تشكـَل الآن الأولوية القصوى للبيت الأبيض “البوشي”، وقد جاء الاجتماع المفاجئ بين وزير الخارجية السوري المعلم والأمريكية رايس لتُـعزز الشكوك.

كل هذه الأوراق التي يُعتقد أو يعتقد قادة الموارنة على الأقل، أنه يجري تبادلها حالياً تحت الطاولة بين دمشق وواشنطن، تثير القشعريرة في أبدانهم، خاصة منهم المتنافسون على عرش بعبدا، وهم يطرحون الآن على أنهم مرة أخرى السؤال إياه: هل قرر الأمريكيون بيعنا؟

الإجابة على السؤال ربَّـما تعيّـن عليها أن تنتظر ربع الساعة الأخير قبل انتهاء مهلة انتخابات الرئاسة اللبنانية في أواخر هذا الشهر، لكن حين يأتي ربع الساعة الأخير هذا، قد يتأكّـد قادة الموارنة بشكل نهائي بأن عملية “البيع” أفضل و”أشرف” من معاملات الإجارة، فالأولى، تحدث مرة واحدة، فيما الثانية حدث كوميدي – تراجيدي تعذيبي يتكرّر بلا نهاية تقريباً.

غارات إسرائيلية؟

هذا عن الاجتهاد الأول، ماذا الآن عن الثاني؟ المفارقة هنا أن أصحاب الاجتهاد الثاني هم السوريون أنفسهم، فهؤلاء يرون صعوبات جمّـة في إمكانية وصول دمشق وواشنطن إلى اتفاق أو صفقة، ليس لأن الأولى لا تسعى إليها (فالعكس صحيح)، بل لأن الثانية تُـبدي هذه الأيام أقصى درجات التصلَب.

لتأكيد هذا التحليل، تورد مصادر سورية وفلسطينية واسعة الإطلاع، معلومات وصفتها بأنها خطيرة، تُـشير إلى أن سوريا وضعت نفسها قبل نحو الأسبوعين في حال الاستنفار، بعد أن تلقّـت تقارير مَـوثوقة بأن إسرائيل تنوي شن غارات جوية كثيفة على عشرات مواقع الصواريخ والرادارات السورية، خاصة منها أجهزة الدفاع الصاروخي الجوي، التي أقامها الروس مؤخراُ، والتي تستطيع، كما قيل، إسقاط الطائرات الحربية الإسرائيلية فوق تل أبيب.

عملية الاستنفار هذه، والتي أكدت أيضاً مصادر في الجبهة القومية التقدمية، التي تضم الأحزاب المتحالفة مع حزب البعث في السلطة، أنها تلقت تبليغاً رسمياً بها، انحسرت بعد 48 ساعة من بدئها لأسباب لا تزال مجهولة، لكنها على أي حال، كانت مؤشراً على أن المفاوضات السرية بين دمشق وواشنطن، في حال وجودها، تجري فيما الطرفان الأمريكي والإسرائيلي يشحذان السكاكين، ربما لفرض الصفقات وفق شروطهما بالقوة.

الازدواجية

أي الإجتهادان الأقرب إلى الصحة؟ كلاهما! وهذا لسبب مقنع: إنهما يكملان بعضهما الأخر، فالصفقة واردة ومطلوبة، وهذا ما دلّ عليه القرار السوري بتأجيل مؤتمر المعارضة الفلسطينية، لكن الوصول إليها قد يتطلّـب أوراقاً تفاوضية غير دبلوماسية.

أوراق ضغط أمنية أو عسكرية على وجه التحديد، تُـشبه تلك التي استخدمتها إسرائيل حين شنَت قبل نحو الشهر غارات جوية لا يزال الغموض يكتنف أهدافها الحقيقية على الشمال السوري.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ثمة احتمال بأن يؤدّي العنف التفاوضي أو التفاوض العنفي إلى إشراع الأبواب أمام تصعيد عسكري كبير، سواء عن طريق الصدفة أو عن سابق إصرار وتصميم، خاصة في ضوء الأحاديث الكثيفة عن حرب أمريكية – إيرانية وشيكة؟

هذا السؤال ليس كبيراً فقط، بل خطير أيضاً، وهو ما يجعل عاصمة الأمويين تعيش هذه الأيام حالة مُـزدوجة من القلق والارتياح في آن واحد، وكما قال أحد قادة الفصائل الفلسطينية في دمشق لسويس إنفو: “دمشق تعيش نهاراً في الحلم، وتستسلم في الليل للكوابيس، وهذا وضع متعب سبَـبه الأمريكيون ولا يمكن أن يستمر طويلاً”.

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 9 + 15 ؟
Please leave these two fields as-is: