دفاعاً عن أموال السوريين

آراء ومقالات أبريل 19, 2010 No Comments

بقلم: ايهم اسد

يعول الفريق الاقتصادي السوري ومنذ سنوات خمس على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لزيادة معدل النمو الاقتصادي العام حتى حدود 7%، وقد انعكس هذا التوجه بشكل واضح في فلسفة الخطة الخمسية العاشرة التي طالبت بتوفير ما يقارب 900 مليار ليرة كاستثمارات من خارج موازنة الدولة لتحقيق معدل النمو المنشود خلال أعوام ( 2005-2010)، وخاصة بعد أن ادعى ذلك الفريق أن موارد الاقتصاد السوري الذاتية لا تسمح له بتأمين كل الكتلة المالية اللازمة لإعطائه الدفعة المطلوبة للنمو الاقتصادي، وهو ما دفعهم للجري وراء الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وبالأخص العربية منها، كي تساهم في تحريك وتحفيز الاقتصاد.

إذا كان ضعف تمويل النمو بالموارد الداخلية هو أحد حجج الفريق الاقتصادي التي قادته للبحث عن مصادر تمويل خارجية، فهل موارد الاقتصاد السوري المالية ضعيفة فعلاً إلى الحد الذي لا تسمح له بتكوين وتأمين قاعدة استثمارية تكون بمثابة منصة إطلاق أساسية لمعدل النمو المرغوب؟ أم أن الإدارة الاقتصادية السورية تفتقد إلى مهارات إدارة تلك  الكتلة المالية التي تتوافر لديها؟ وأنها تمارس نوعاً من الانفتاح الاقتصادي المجاني دون أن تجرب أو تختبر قدرة طاقاتها الاقتصادية والمالية الداخلية على تمويل النمو الاقتصادي العام.

نسوق هذا الكلام عن قدرة الاقتصاد السوري المالية على تمويل النمو الاقتصادي بالاعتماد على مؤشر الأموال غير الموظفة في مصارف القطاعين العام والخاص، وهو أحد المؤشرات التي تساعدنا على رصد الملاءة المالية للاقتصاد، ويساعدنا على تحديد جزء مهم من الادخار العام فيه، كما يساعدنا على رسم صورة أوضح عن “فكر الدولة الاقتصادي”، وكيفية تعامل هذا الفكر مع الموارد الاقتصادية، وبالطبع يمكن اعتبار هذه الأموال بأنها أموال مجمدة من الناحية الاقتصادية، تتحمل الدولة والقطاع الخاص كلفتها دون الاستفادة منها، أي أنه يمكن تصنيفها بأنها أموال “عديمة الجدوى اقتصادياً واجتماعياً”، في حال نظر إليها من منظور الاستثمار والتوظيف، وهي أموال بعيدة عن الدورة الاقتصادية، ولا تنتج قيماً اقتصادية.

بلغت قيمة الأموال المجمدة في القطاع العام المصرفي في عام 2005 ما يقارب الـ260 مليار ليرة، انخفض إلى 220 مليار ليرة في عام 2006، وخلال الأعوام (2001- 2006 ) بلغ وسطي الأموال المجمدة في المصارف العامة ما يقارب 275 مليار ليرة، أما في القطاع المصرفي الخاص الذي بدأ العمل حديثاً في السوق السورية فقد بلغت الأموال المجمدة لديه في عام 2005  ما قيمته 49 مليار ليرة، ارتفعت بشكل دراماتيكي في عام 2006 لتصل إلى 110 مليار ليرة، وهذا معناه أن القطاع المصرفي ( العام والخاص) في سورية كانت لديه أموال مجمدة في العام 2005 بما قيمته 309 مليارات ليرة، وفي عام 2006 بما قيمته 330 مليار ليرة، (لم نأخذ بعين الاعتبار الأموال المجمدة بسبب الاحتياطيات القانونية المفروضة على المصارف)، مع العلم أن هذه الأموال مرشحة للزيادة خلال السنوات القادمة بفعل دخول المصارف الإسلامية التي ستستقطب مليارات جديدة.

مئات المليارات تقبع في بطون المصارف لا عمل لها سوى الاستمتاع بالدفء، الصناعة بحاجة إلى تمويل وما من قنوات تمويل محلية، والسياحة بحاجة إلى تطوير ولا من أموال محلية، والتعليم والصحة العامان يحصدان تراجعاً نوعياً ولا إنفاق استثماري لتطويرهما، والقطاعات الاقتصادية الأخرى أغلبها في حاجة ماسة لجرعات إصلاحية جذرية ولا من تمويل للإصلاح، ها هي أموال السوريين، أفراداً، وشركات، تصاب “بالعقم الاقتصادي”، وتُركن في المصارف لتدفع عليها فوائد فقط، أو لتستثمر ريعياً في السيارات والعقارات، والقروض الشخصية، وكلها، وكما يعرف الجميع استثمارات غير منتجة اقتصادياً، وفي الوقت نفسه يقتفي الفريق الاقتصادي أثر الاستثمارات الخارجية  لتمويل النمو الاقتصادي، ولتدوير عجلة الاقتصاد.

مدخرات السوريين أولى بالتشغيل والتنمية، وأموالهم أولى بأن تستثمر في اقتصادهم وتدر عليهم مزيداً من العوائد، وإن كانت التنمية الاقتصادية عملية محلية ووطنية بالدرجة الأولى، وتخضع لاعتبارات الداخل، فإن أموال مواطني البلد هي الأولى بإمساك دفة قيادة التنمية، والدولة والقطاع الخاص مسؤولون عن تحريك وتوجيه تلك الأموال، من خلال السياسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي يدركون من خلالها نوع التنمية التي يحتاجها الاقتصاد، ويختارون سياسات تتناسب مع البنية والتركيبة الاجتماعية والاقتصادية في سوريا، هذا على عكس الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يسعى للمكاسب المادية المباشرة دون سعيه لإحداث تغيير تنموي طويل الأمد في الاقتصاد.

إن العلاقة بين الاستثمار الأجنبي المباشر، والمدخرات المحلية، والتنمية الاقتصادية حسمها كل من بول هيرست، وغراهام طومبسون في كتابهما المعنون بـ”ما العولمة؟ الاقتصاد العالمي وإمكانات التحكم” عندما قالا:  “إن الاقتصادات لا تستطيع أن تستعير عبورها إلى درب الازدهار عن طريق الاعتماد على الاستثمار الأجنبي المباشر، يتمخض عن ذلك، أن المدخرات المحلية تحتفظ بأهمية حاسمة في استراتيجيات التنمية المحلية، فهذه المدخرات تبقى المصدر الرئيس للموارد المالية اللازمة للاستثمار المحلي في كل الاقتصادات المتقدمة والنامية، وتظل طبيعة النظم المالية المحلية حاسمة بالنسبة للنجاح التنموي بعيد الأمد لمختلف الاقتصادات”.

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 9 + 14 ؟
Please leave these two fields as-is: