قمار أو بورصة

آراء ومقالات أبريل 19, 2010 No Comments

بقلم: عصام خوري

//كلنا شركاء بالتعاون مع مجلة مصارف وتأمين//

مثلت البورصات ثقافة سوق اجتماعية في المجتمعات الغربية، التي ترتكز في اقتصادياتها على الشركات الضخمة وتلك المتعددة الجنسيات، مما جعل الاقتصاد العالمي في عجله سوق أسهم هذه الشركات، وأي تبدل في إحداها سيرمي الاقتصاديات الأخرى للشركات حتى البعيدة عن مجالها بطاعون الربح أو الخسارة.

مما مهد لثقافة تحفز دائم عند مراقبي البورصة والعاملين في أسوق الأسهم، مما سبب توتر كبير في شخصية المواطن المساهم في عملية بيع وشراء هذه الأسهم. فشخصيات عديدة برزت كواجهات اعلامية بارزة في التحليل الاقتصادي ومعرفة أي تبدلات في سوق الأسهم سواء في الولايات المتحدة أو في هونغ كونغ مثل اعلامي قناة

CNBC الاقتصادية

المعروف بلقب ابوبا، وهي عبارة يطلقها مع أي تبدل بارز في سوق الأسهم، وجراء هذه الكلمة قد ترى عديد من رواد مقاهي نيويورك مشدوهين بهول هذه الكلمة وأبعادها على استثماراتهم، كما قد تجد عديد من رواد محلات “ستاربوكس”  العاملين على الشبكة العنكبوتية صباحا مصابين بحالة أرق أو فرح مدهش، قد يدفع بعضهم أن يضيفوا القهوة مجانا لكل زوار المقهى أثناء وجودهم. أو العكس فقد يمضوا ساعات إطلاق البورصة حتى الساعة الواحدة ظهرا دون شرب أي كوب قهوة يعيد إليهم اتزانهم.

إن هذه الصفات  التي نصور فيها مرتادي هذا القطاع، قد تجعل من القارئ العادي لهذا المقال يتصور مريد سوق الأسهم، كمريد طاولة القمار، لكن الفارق بينهما أن الأولى تأتي مع ساعات الصباح الأولى وأثناء الدوام الرسمي، وبشرعية واضحة، ودون أي خجل من مريدها. في حين يكون المقامر أو لاعب البوكر أو البلاك جاك لاعب خاسر مسائي امتيازي يشارك لعبته أنواع الكحول المختلفة ولا تفكير في أي نوع من أنواع القهوة…

لكن النتيجة في كلاهما رابح كبير أو خاسر أكبر، والمستفيد دائما هو العميل البورصة أو صاحب طاولة القمار أو صالته.

طبعا حققت البورصة عمالقة في المال، وبات بعضهم بمثابة رموز كميك اوغان، الذيبنى امبراطورية مالية، نتيجة تحليله وبراعته في رقابة ارتفاع الأسهم وانخفاضها في اليوم الواحد.

كما فقد كثير من الناس أموالهم رغم استماعهم لأهم محللي سوق الأسهم، مما يجعنا نردد المثل الشعبي “كذب المنجمون، ولو صدقوا” لكن بتبدل كلمة المنجم بالمحلل.  فمن كان يتصور يوما أن بنك المدينة قد تتناقص أسهمه في بورصة نيويورك لقيمة تقارب 27$ عن العام الماضي، ومن كان يتخيل أن شركة “التفاحة” للالكترونيات “ماكنتوش” Apple ستحقق ارباحا هائلة مع إنتاجها منتج بسيط هو I-Pace الهاتف المحمول هذا العام، وخلال الأعوام الأربعة الماضية نتيجة إنتاجها USB, flash memory disk رغم إنتاجه مكررا من عديد من الشركات العاملة في قطاع الالكترونيات وبجودة أفضل لكن دون أي زيادة في أسهم هذه الشركات.

فأي تحليل مقنع قد يفيد المواطن المتابع لهذا السوق في تحديد خياراته، واحتياجاته.

لقد منحت السوق الغربية فرص جيدة للعمالة القادمة نحوها، وبقدر هذه الفرص وفرت إمكانية امتصاص الفائض المادي من اعمالها لتمتصه الشركات العملاقة، بصيغ ذكية، تبعد عنها أي معيار من معايير الغش الاجتماعي، مما جعل المواطن في تيه من إمكانية إثبات ذاته.

فالضرائب العالية التي تقارب 50% بالنسبة لحكم الجمهوريين، والضرائب الأعلى 65% بالسبة لحكم الديمقراطيين في الولايات المتحدة، جعلت من المال القادم والمودع في البنوك الأميركية مال مستنزف، يتوجب على المواطن المتحصل عليه أن يودعه في بنى استثمارية تواتي الفائض الزمني المتبقي من عمله، فكانت البورصة الخيار الأفضل.

فأسواق الأسهم هي المكان الوحيد الذي لن تضطر كل يوم لتودع ساعات عمل طويلة فيه لتتحصل على مبلغ مادي جيد “طبعا إن كان حظك طيبا”. فيكفي دقائق بسيطة من إيداعك المادي لكي تحقق مبلغ مالي أكثر من معقول هذا في حال حقق سهم الشركة ارتفاعا متوقعا من قبلك أو من قبل محللك المعتمد في هذه الأسواق.

ونتيجة هذه الأرباح العالية في حال الحظ الجيد، تخلى عديد من المواطنين عن أعمالهم وتابعوا سوق الأسهم لتكون مكان عمل حقيقي لهم، والأمر ذاته نراه مع عدد من المقامرين المعروفين في بلداننا.

اللافت في الأمر إعلاميا “القنوات الفضائية وتلك المختصة اقتصاديا” وتركيزها المبالغ على تصوير الشخصيات التي حققت مرابح عالية، والتركيز العام على خسارة عامة في سوق الأسهم دون أي تخصيص، كإدراج تحقيق صحفي للخاسرين في هذه الأسواق والأضرار الجسيمة التي ألمت بهم وبأسرهم، والهدف دائما وأبدا نحو الترويج لهذه الثقافة التي حولت مجتمعات الغرب إلى ساحة استنزاف مالي جعلت من عالمهم ساحة قمار ضخمة لكن ساحة شرعية.

العالم العربي وبغياب شركات استثمارية ضخمة إنتاجية محليا، واكتفاء اقتصادياتها على الإنتاجات المحدودة والاستهلاكية السريعة تأخرت في اعتماد ثقافة الأوراق المالية، التي امتدت لتشمل اغلب أسواق العالم. وكانت البداية الفعلية لها عربيا في الخليج العربي رغم وجودها سابقا في مصر والعراق، إلا أن بنية الاستثمار الغربية التي اكتسحت أسواق الخليج العربي، مهدت لبنيات علاقات اقتصادية عمادها أسواق الأسهم، ووفر رأس المال الخليجي مناخا جيدا لنشاط هذه الأسواق، خاصة مع غياب أي فتاوى دينية تحرمه على عكس القمار. فانطلقت البورصات الخليجية حتى في أرض الحرمين الشريفين، وبمباركة ملكية.

إلا أن كم المتعاملين العرب مع هذه الأسواق ما يزال بسيطا مقارنة مع الدول الغربية، وهذا ناجم عن غياب النضج لهذه الثقافة التي تجاوزتنا فيها الدول الغربية بأشواط. رغم أنكثير من المواقع الالكترونية العربية باتت تعلن عن امكانية تعليم طرق التداول الالكتروني مع اسواق الاسهم العربية، وبات بعضها يزود مشتركية بنشرات تحليلية اقتصادية عن ارتفاع وانخفاض الاسهم وتأثرها بالأسواق العالمية.

إلاا أن عدة بلدان عربية ومنها سوريا لم تسمح في قيام مكاتب بورصة شرعية على أراضيها، وهي لطالما تحدثت عن إمكانية افتتاح أسواق أسهم على أراضيها، وخاصة بعد الحديث عن اندماج عدة رجال أعمال   سوريين ليؤسسوا شركة الشام القابضة. التي بادرت في بناء عدة مطاعم وبنى استثمارية في سوريا. لكن الواضح في دول موازية لسوريا من حيث حجم رأس المال المودع، ومتوسط الدخل المتدني.

غياب القدرة على تفعيل سوق اسهم بشكل جدي وهذا ناجم من غياب الودائع المالية الكبيرة التي نشاهدها في اسواق الأسهم العالمية أو حتى الخليجية، حتى أن كثير من رجال الاعمال المميزين في سوريا يقومون بالاستثمار في هذه الأسواق من أماكن بعيدة عن سورية مستغلين ودائعهم البنكية في مصارف خارجية.

خاصة وان مصارفنا الخاصة أو الرسمية لا توفر إمكانية التداول لبطاقات الاعتماد “فيزا كارت أو ماستر كارت أو كردت كارت” من الأرصدة المودعة فيها، إلا بشروط محدودة منها:

–  مدة طويلة من الايداع.

– توفير إمكانية تحويل أموال خارجية للحساب البنكي المفتوح ضمن الأراضي السورية، اولا..

فما هي الآلية التي ستفعلها سوريا لإمكانية التداول مع مشروع سوق الأسهم المقترحة، هل هي بطاقة “سيريا كارت”، الغير متداولة عالميا!!…

إن كان هذا الاقتراح الأفضل لسوق الأسهم السورية، فإنه اقتراح يخولنا تخيل السوق السورية سوق منعزلة عن حركة الأسواق العالمية في مجال الأسهم، وثقافة السوق الاقتصادية الغربية لن تكون فاعلة فيها سوى لشريحة سورية بسيطة، مما سيجعل هذه السوق بمثابة كازينو الكتروني سوري امتيازي عمادة أصحاب بطاقات “سيريا كارت”. وبما أن الشعب السوري البسيط شعب قليل الموارد وحساباته البنكية شبه معدومة، إلا لشريحة معروفة، فإن هذه الشريحة وحدها ستكون السيدة العاملة في هذا القطاع.

مما سيجعل قطاع القمار وحتى القمار الالكتروني محمية حقيقية لن تصيب الشارع السوري، واللعب فيها أبدا ودائما للكبار.

sibaradmin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 7 + 10 ؟
Please leave these two fields as-is: