بعد 11 سبتمبر سبع سنوات عجاف

dgبقلم: لدكتور عبدالله تركماني

مضت سبعة أعوام‏,‏ منذ ذلك الحدث الرهيب يوم الثلاثاء 11 سبتمبر/أيلول 2001‏,‏ الذي أصبح الساسة والمؤرخون والإعلاميون‏‏ يؤرخون به لبداية عصر جديد في السياسة والعلاقات الدولية‏. واليوم هل صار العالم أكثر أمنا وأمانا بعد بدء الحرب الأمريكية على الإرهاب ؟ وهل تمكنت الإدارة الأمريكية من أن تنجز أهدافها المعلنة ؟ وأين وصلت أجندة الحرية والديمقراطية التي أعلنتها ؟
والسؤال الأهم: كيف يمكن لدولة رائدة في مجالات الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان أن ترتكب أخطاء قاتلة، فتشن حربا على أفغانستان وتترك الإرهابيين ينجون ليعودوا بقوة، ثم تشن حربا على العراق فتفككه، وتقتل مليونا من أهله، وتشرد ملايين أخرى في الداخل والخارج ؟

إنّ الحرب على الإرهاب ضلت هدفها، فلقد أدت حرب الإدارة الأمريكية واندفاعاتها السياسية ومغامراتها العسكرية‏,‏ على مدى سبع سنوات‏,‏ إلى زيادة العنف والتطرف والإرهاب. بل إنّ الحرب التي شنتها الدولة العظمى على الإرهاب، شجعت إسرائيل على ممارسة أقل ما يمكن أن توصف به أنها ذروة الإرهاب. كما صار الاستثمار في التطرف ذا مردود سياسي في كل زاوية من المنطقة العربية، بل أنّ بعض أشكال المقاومة، التي هي حق مشروع للشعوب التي تتعرض أوطانها للاحتلال الأجنبي، قد ضلت طريقها حين ضربت أنى كان، وتحللت من أبسط الضوابط الأخلاقية وأباحت لنفسها استخدام كل الوسائل حتى أكثرها بربرية لتحقيق أغراضها ومصالحها.
لقد أدت الحرب الأمريكية على الإرهاب إلى نتائج عكسية، حيث استطاعت ” طالبان ” إعادة تنظيم صفوفها، بعد تحوّل التركيز الأمريكي من أفغانستان إلى العراق. أما في العراق، فهناك صراعات أهلية دائرة في البلد، وهناك انقسام مذهبي عميق ليس معروفا هل سيظل محصورا بالعراق، أم سيمتد إلى مناطق عربية أخرى. وهناك وضع مأسوي في فلسطين مادامت إسرائيل تصر، في غياب أي تدخل أمريكي جدي من أجل فرض السلام العادل والوفاء بـ ” وعد بوش “، على وضع كل العراقيل في اتجاه تسوية معقولة ومقبولة توفر الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.
لقد احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003، حيث نجحت في تغيير النظام العراقي ولم تنجح في بناء وضع يعكس تطلعاتها وطموحاتها الديمقراطية المعلنة في العراق الجديد. بل تأكد أنّ الغزو الأمريكي لم يكن لنشر الديمقراطية، وفرض احترام حقوق الإنسان في المنطقة، بل هو مقدمة لتغيير خريطة الشرق الأوسط بأسره، بهدف تفتيت دول المنطقة، وبعث دويلات أثنية وطائفية تابعة.
أما الدعوة إلى الإصلاح الديمقراطي فقد تهاوت كأوراق شجر الخريف‏,‏ وحديث الإدارة الأمريكية عن نشر القيم الديمقراطية قد خفت بل ضاع أدراج الرياح. لقد عادت إلى سياسة مهادنة النظم المستبدة‏,‏ وعادت إلى تدعيم التحالف مع المستبدين طالبة دعمهم ومؤازرتهم لها في ورطتها بالعراق.‏
وفي الواقع، إنّ الانعكاسات السلبية لظاهرة الحرب على الإرهاب في مجال حقوق الإنسان قد اكتسبت طابعا دوليا، ففي داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، شهد الأمريكيون حقبة مكارثية جديدة، عبّر عنها سلوك الإدارة تجاه نزلاء السجون في ” غوانتاناموا ” وتراجع الحقوق المدنية، وفضائح التنصت ومراقبة الحسابات المالية.
ومن المؤكد والثابت، حسب التجارب والوقائع، أنّ الحل يكمن في الحوار والمعالجة الجدية، وليس في الصراع وتأجيج العداوات، في كل حدب وصوب، واللجوء إلى العنف مهما كانت المبررات والدوافع، فالحل العسكري أثبت فشله وأعطى نتائج عكسية وردود فعل أكثر عنفا واتساعا، وأنّ الحل الأمني لا يكفي لوحده في معالجة ظاهرتي العنف والإرهاب. لقد أثبتت التجارب أنّ الإنجازات، التي تحققت في مجال ضبط وكشف الخلايا الإرهابية واعتقال رموزها، تبقى ناقصة في حال عدم معالجة الجذور والدوافع والخلفيات والتعمق في أسباب انخراط الشباب في مثل هذه الاتجاهات الإرهابية ولجوئهم للعنف، خصوصا أن هناك المزيد من الخلايا النائمة في أكثر من دولة ومنطقة.
إنّ زلزال 11 سبتمبر/أيلول كان يمكن أن يغيّر مسار الأمور في العالم لو أنه دفع الإدارة الأمريكية إلى استخلاص الدرس التالي: أنّ انفرادها بالقرار وبمصير العالم سوف يؤدي إلى الباب المسدود، إذ أنّ الجيش الأمريكي غارق في مستنقعي أفغانستان والعراق، وأنّ أعداد القتلى والجرحى من الأمريكيين في تزايد مستمر.
وإذا نظرنا إلى عالم الوقائع‏,‏ لاكتشفنا بكل يقين أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد تعثرت في حربها المعلنة ضد الإرهاب‏.‏ وها نحن نرى أنّ حوادث التمرد الطالباني تشتد يوما بعد يوم في أفغانستان‏،‏ أما تعثرها الصارخ في العراق فقد تعددت مؤشراته‏,‏ ليس فقط بمقياس القتلى والجرحي من بين ضباطها وجنودها‏,‏ ولكن بمعيار الفشل في إقامة نظام سياسي ديموقراطي عراقي يكون أنموذجا للديموقراطية في الشرق الأوسط‏.
وهكذا، يمكن القول إن الإمبراطورية الأمريكية قد حققت، بكل اقتدار، إفلاسا في الفكر السياسي‏,‏ وفشلا في الأداء على مستوى السلوك الدولي‏. لقد سقطت نظرية الحماية المطلقة التي تقوم على القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي، بل تبين أنّ القوة الحقيقية تكمن في العدالة وفي نشر قيم المساواة والديموقراطية بين الشعوب، بينما يشكل الردع عنصرا مساعدا.
ويبقى السؤال: هل تنتهي السنوات العجاف في السياسة الدولية برحيل الإدارة الأمريكية الحالية، أم أنّ سياسات شن الحروب واستخدام العنف وفرض الهيمنة رسخت وستصبح أسلوبا أمريكيا وليس نهج إدارة بعينها ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 10 + 6 ؟
Please leave these two fields as-is: