انفصال

كانت سلوى تستيقظ كل صباح وبزوغ الشمس. تحمل جسدها الهزيل إلى حقول السنابل حيث تعمل. اعتاد المسؤول عن العمل السماح لها بالمغادرة بعد ساعتين لاصطحاب امل الى المدرسة, فكانت سلوى تعمل لاحقا فيما بقية العمال يتناولون الطعام. هكذا كان الاتفاق مع المسؤول عن العمل.
كانت سلوى ذات وجه شاحب, تكسوه التجاعيد – وان لم تزل في اواسط عقدها الثاني – هزيلة الجسد, في يمناها عرج, كلما خطت عليها بدت كأنما تراود السقوط, لولا انها تستعيد توازنها سريعا بيسراها. كثيرا ما رددت لذاتها ان العالم ملئ باللقطاء, ممن القت بهم الاقدار الى بطحاء الدنيا فكانوا نكرة من نكراتها, ولعنة من لعناتها, وانها حتما احدهم. وحين تنظر الى صغيرتها المتواثبة امامها بجذل, تهمس بحزم “لكنك لن تكوني مثلي”.
سألتها عن دروسها, وان كانت قد شاغبت هذا اليوم ام لا. اجابتها انها لم تفعل, وانها جلست طوال اليوم على كرسيها دون ازعاج احد. حينها توقفت سلوى عن السير ونظرت اليها محذرة: “سأسأل المعلم”
“أقسم لك.. كنت طوال اليوم هادئه”
“حسنا.. أنا أصدقك”
“ألا زلت تتذكرين وعدك لي؟”
“أي وعد؟”
هتفت بشئ من الخيبة: “لا تقولي ماما انك لم تشتري لي الحلوى!!”
“اه!! بلى.. طبعا احضرتها لك. وهل انسى امل حبيبتي؟”
أخرجت من جيب ثوبها كيسا صغيرا. تلقفته امل بجذل. قالت لها والدتها محذرة “ليس الان.. عليك اولا تناول طعام الغذاء”.
حين وصلتا الى المنزل وجدتا الباب مفتوحا. احدهم دخل المنزل في غيابهما!!
تبادلتا النظر. كانتا مندهشتان, فكلاهما واثقة انها تركت الباب مغلقا. كلاهما فكرت بمرارة أن لا شئ ذا قيمة في المنزل, كل لصوص القرية يعرفون هذا حتما!!.
ثوان قليلة مرت حتى أطل من الداخل وجه رجل. عرفته سلوى فورا, فارتجفت على نفسها وبتلقائية ضمت امل اليها, كأنما لتحميها او لتحتمي هي بها, لم تعرف بالضبط.
أما امل فنظرت اليه متسائلة “من هذا الرجل, ماما؟”
تقدم الرجل خطوة باتجاههما, وانحنى ينظر مباشرة في عيني امل, قائلا بصوته الأجش: “ألم تعرفيني حقا؟ ألهذه الدرجة وصلت كراهيتها اياي؟” نقل نظره الى سلوى “أنا والدك”
“والدي؟!”
رددت امل مندهشة. كانت قد رسمت لوالدها صورة اخرى في مخيلتها. حتى هذه اللحظة كانت قد ظنت انها حالما ستراه, ستلقي بنفسها الى حضنه. الان, لا تشعر اي رغبة بذلك. سألت والدتها مكرره “أحقا ما قاله؟”
“أجل, انه والدك”
كطفلة في العاشرة, انتظرت ان يحضر لها والدها هدية حينما يعود, لكن هذا الرجل خاوي اليدين. فكرت امل ان الهدية لربما في الداخل.
داعب الرجل شعرها بيدين خشنتين “لقد كبرت كثيرا. هيا, فلندخل”
ودخلوا ثلاثتهم. الصمت خيم عليهم اغلب الوقت. حينما انهوا تناول الطعام, نظر الوالد طويلا الى سلوى. لحظت امل ذلك, ولم يخف عنها ذلك البريق المخيف في عيني هذا الرجل. قال الأخير لسلوى: “لقد اشتقت اليك”
لم تجبه. فقط رمقته ببرود ثم عادت تتم تنظيف الأواني. كانت تشعر بالتعب بعد يوم عمل شاق. اقترب الوالد منها “لقد ازددت جمالا”
ارتسمت على شفتيها ابتسامة تمتلئ هزءا ومرارة. بيديها الخشنتين تلمست وجهها المحترق من اشعة الشمس, وخطت تعرج مبتعدة عنه, الا أنه عاود الاقتراب منها متلمسا شعرها “هل هكذا تفعل زوجة وفية مع زوجها؟”
ابعدت رأسها عنه “زوجها؟!”
محاولة ان تتهرب منه التفتت الى امل. كانت ترقبهما غير فاهمة ما يحدث. سألتها “هل انهيت تناول الطعام؟”
التفت اليها والدها بحنق, وقد بدا انه نسيها طوال الوقت “هيا, ادخلي الى غرفتك. لدي حديث ووالدتك لا يجب على طفلة ان تسمعه”
“لست طفلة” قالت امل بعناد طفولي مشاكس “اليس كذلك ماما؟”
تفحصها والدها. في نظرته كان استهزاء شديد “لست طفلة؟! تارة لا تصدقين انني والدك وأخرى تدعين انك لست طفلة!! هل هذا ما ربتك عليه؟ هيا, صهي واذهبي فورا الى حجرتك”
انزعجت امل من ذلك, فنظرت الى والدتها تحتمي بها من هذا المتطفل الثقيل, على ان الاخيرة أشارت اليها بضرورة الذهاب “فلدي ووالدك حديث خاص”
انسحبت امل مغتاظة الى حجرتها. فكرت أنها لو كانت تملك القوة لطردت هذا الرجل من المنزل, فورا ودون اذن من والدتها.
لم تكن امل قد اقتنعت تماما انه والدها. حسنا! لقد تمنت دائما ان تلتقيه, اذ تخيلته شخصا يأتي محملا بالهدايا, هكذا يروي لها أترابها عن ابائهم. مرة واحدة استطاعت ان تلمحه. كان هذا حينما انهت لعبها مع أترابها. رأت ظهر رجل يغادر المنزل, وكانت أول مرة ترى فيها رجلا في منزلهم. سألت والدتها عنه فأخبرتها أنه والدها. كادت تبكي حينها عندما سألتها لم لم تنادها كي تراه. بدورها هدأت من روعها وأخبرتها انه سيعود ثانية فتراه. ما عرفته ان هذا الرجل يزور المنزل كل عدة اشهر, قد تصل عاما. حين سألت والدتها عن سبب عدم مكوث والدها في المنزل, أخبرتها أن هذه هي طبيعة الرجال, اذ انهم يخرجون الى العمل فيتغيبون كثيرا عن منازلهم. اجابتها بعناد “لم اذن يبقى اباء اصدقائي في منازلهم, وفقط والدي يغادر المنزل؟”
اعطتها تفسيرات كثيرة, لم تتذكر لاحقا أي منها, لربما لأنها لم تصدق أي منها. والان, حين عاد والدها فكرت انها كانت تفضل لو انه لم يعد بتاتا.
ارتفعت الاصوات من الصالة. أطلت من فتحة الباب, فرأت والدتها تفلت من ذراع ذلك الرجل “اتركني”
ازدادت كراهيتها لذلك الرجل. كانت واثقة من أنه لو لم يتركها حالا لخرجت وأرغمته على فعل ذلك. ربما كانت ستصرخ في وجهه أو تلقي بدميتها عليه, شئ من هذا القبيل.
أغلقت باب حجرتها كيلا يلحظاها, وواصلت انصاتها اليهما. سمعت والدها يقول بحنق “ألست ام
رأة؟ لا أصدق أن امرأة حقيقية تصد عنها زوجها”
خرج صوت والدتها مبحوحا من شدة غضبها “جيد أنك لا زلت تتذكر أن لك زوجة, أتذكر اسمي او حتى اسم ابنتك؟ كم شهرا تتغيب عن بقية نساءك, بل كم زوجة وطليقة وطفل يوجد لك؟”
رددت امل “كم زوجة وطفل؟! وهل يوجد لديه ابناء غيري وأمهات غير امي؟!”
لم يطل الشجار بينهما. تمنت امل ان تواصل والدتها اهانة ذلك الرجل, لكنهما توقفا عن الصراخ. بعد نصف ساعة سمعت صوت الباب الخارجي يصفق.
تسللت الى الصالة. على الأريكة البالية رأت والدتها تبكي. كان جسدها ملقى عليها بلا حياة, كأن احدهم امتصها منه. استطاعت ان ترى ملامحها, كانت مكتسية بالذل ما زادها بؤسا. سوت من ثوبها المرفوع, ونهضت تعرج. لم ترها حين نهضت الى الحمام, اذ كانت منهمكة بكفكفة دموعها. شعرت امل بالحنق تجاهها. ارتمى الى اذنيها صدى قهقهة بعض اترابها كلما مرت الى جوارهم “بنت العرجا”. لم تلتفت يوما الى هذا القول, اذ لم تكن قد التفتت من قبل الى عرج والدتها. كانت ترى بها مصدر قوتها, تلتجئ اليها كلما شعرت الضعف. الان نظرت الى جسدها الاشوه, الى ملامحها المحترقة, وتجاعدها البائسة وفكرت حانقة, ان ايا من ادوات النظافة لن تستطيع ازالة كل هذا الكم من العفن من على جسدها. كانت مغتاظة من كل ذلك الكم من الخجل الذي اشعرتها به والدتها. لا تعرف من اين اتاها كالطوفان, كومضة ادراك سطعت في وعيها.
تسللت عائدة الى حجرتها. من تحت وسادتها تناولت كيس الحلوى. لم تتردد طويلا والقته من النافذة, بعيدا القته. تكومت على سريرها. أخفت رأسها تحت الوسادة, ووجدت نفسها فجأة تكرهها…
كل ما ارادته حينها, ان تحجب عن اذنيها صوت نشيجها وخرير المياه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

CAPTCHA
Reload the CAPTCHA codeSpeak the CAPTCHA code
 

*

هام ! لتتمكن من إضافة التعليق يرجى الإجابة على سؤال التحقق التالي:

ما هو ناتج 4 + 11 ؟
Please leave these two fields as-is: